من احتراق الرمز إلى تآكل الذات:

WhatsApp Image 2026 01 02 at 11.59.36 AM

من احتراق الرمز إلى تآكل الذات: دراسة ذرائعية في رواية )الحرب التي أحرقت تولستوي( للكاتبة الأردنية زينب السعود

بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

WhatsApp Image 2026 01 02 at 12.00.08 PM

 

مقدمة 

 

    لم تعد الرواية الحربية المعاصرة معنيّة بتسجيل الحدث أو تمجيد البطولة، بقدر ما أصبحت منشغلة بتفكيك أثر الحرب في الإنسان، وفي البُنى النفسية والعلاقية التي تحيط به. فالحرب، في سرديات اليوم، لم تعد تقف عند حدود الجبهة، بل تسلّلت إلى البيوت، والأجساد، واللغة، والصمت، وأعادت تعريف مفاهيم مثل التضحية، والعمل، والحب، والنجاح، والواجب الأخلاقي.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة ذرائعية تداولية لرواية (الحرب التي أحرقت تولستوي)، بوصفها نصًا لا يقدّم الحرب كموضوع سردي، بل كقوة تآكل نفسي ومعنوي، تحرق الرموز الكبرى قبل أن تحرق الأجساد. فاختيار تولستوي في العنوان لا يحيل إلى كاتب بعينه، بقدر ما يحيل إلى نموذج ثقافي أخلاقي طالما ارتبط بفكرة الخلاص الإنساني عبر الأدب، وهو ما تضعه الرواية موضع مساءلة جذرية.

تعتمد الدراسة المنهج الذرائعي بوصفه منهجًا وظيفيًا، لا يكتفي بتحليل البنية النصية، بل يسائل غاية الخطاب السردي وأثره التداولي في المتلقي. ومن هذا المنطلق، تُقارب الرواية عبر مستويات متعددة ومتكاملة: المستوى الفكري، والنفسي، والديناميكي، واللغوي والجمالي، والبصري، والإيحائي التداولي، وصولًا إلى دراسة التجربة الإبداعية، بما يسمح بكشف اشتغال النص بوصفه منظومة دلالية واحدة، تتساند فيها العناصر لتوليد معنى مركزي هو: هشاشة الإنسان المعاصر في زمن الحرب المؤجَّلة.

ولا تقف الدراسة عند حدود التحليل الداخلي، بل تنفتح على التناص والمقارنة مع نماذج من الرواية الحربية العربية والعالمية، في إطار مساءلة تحوّل السرد الحربي من سردية البطولة والصدام إلى سردية التآكل والإنهاك والانتظار. فالرواية لا تكتب عن الحرب بوصفها حدثًا استثنائيًا، بل عن الحياة اليومية حين تُجبَر على التكيّف مع غياب دائم، وصمت طويل، وتبريرات لا تنتهي.

وتهدف هذه الدراسة إلى إبراز أن الحرب التي أحرقت تولستوي تمثّل نموذجًا دالًا على تحوّل الرواية العربية المعاصرة من سرد الحدث إلى سرد الأثر، ومن الخطاب المباشر إلى الإيحاء التداولي، ومن البطولة الصاخبة إلى الألم الصامت. وبذلك، تسعى الدراسة إلى تأكيد أن القيمة الفنية والفكرية للنص لا تكمن في ما يقوله صراحة، بل في ما يدفع القارئ إلى إدراكه، والشعور به، ومساءلته.

 

أولًا: دلالة العنوان/ العتبات :

/ الحرب التي أحرقت تولستوي/ من تسمية الحدث إلى إحراق الرمز:

1. العنوان بوصفه عتبة تداولية

ذرائعيًا، لا يُقرأ العنوان بوصفه تسمية جمالية أو إغرائية، وإنما بوصفه فعلًا تداوليًا موجِّهًا يحدّد أفق التلقّي منذ اللحظة الأولى.

وعنوان الرواية هنا لا يكتفي بالإخبار عن حرب، بل يُنجز حكمًا دلاليًا مسبقًا: هناك شيء ما احترق، وليس جسدًا أو مدينة، بل رمزًا.

2. تركيب العنوان ودلالته

يتكوّن العنوان من ثلاث وحدات دلالية متوترة:

*الحرب: لا تأتي نكرة محايدة، وإنما بصفتها قوة فاعلة، ذات قدرة تدميرية شاملة، لا تُحدَّد بزمن أو مكان.

** التي أحرقت: الفعل هنا: ماضٍ مكتمل حاسم لا يترك مجالًا للتدارك، وهو فعل يحمل دلالة الإلغاء النهائي، لا الجرح المؤقت.

***تولستوي: لا يُستدعى الاسم كشخصية تاريخية، بل كـ علامة ثقافية كونية ترمز إلى:

– الضمير الأخلاقي

– الإيمان بالإنسان

– إمكانية الخلاص عبر الأدب

 

3. تولستوي بوصفه رمزًا لا اسمًا

إن استدعاء اسم ليو تولستوي لا يُقصد به الإحالة إلى سيرة أو أعمال بعينها، بل إلى نموذج ثقافي كامل، ارتبط تاريخيًا بفكرة أن:

– الأدب قادر على تهذيب العنف

– الإنسان قابل للإصلاح

– المعنى يمكن أن ينتصر على القوة

وعليه، فإن إحراق تولستوي في العنوان يعني ذرائعيًا: إعلان سقوط النموذج الأخلاقي الكلاسيكي أمام واقع الحرب المعاصرة.

 

4. العنوان بوصفه مفارقة مركزية

ينطوي العنوان على مفارقة حادة:

كيف يمكن للحرب أن تحرق كاتبًا؟ وكيف يمكن للعنف أن ينتصر على الأدب؟

هذه المفارقة لا تُحلّ داخل النص، بل تُعمَّق، لتتحول إلى سؤال مفتوح:

هل ما زالت الكلمة قادرة على مواجهة العنف؟ أم أن زمنها قد احترق؟

ذرائعيًا، وظيفة المفارقة هنا ليست الإدهاش، بل زعزعة يقين القارئ.

 

5. العلاقة بين العنوان والبؤرة الفكرية

تتطابق دلالة العنوان مع البؤرة الفكرية للنص:

فكما تحترق الرموز الكبرى (تولستوي)، تتآكل القيم الصغرى (البيت، العلاقة، الطمأنينة).

العنوان لا يشير إلى نهاية الأدب، بل إلى: نهاية الوهم بأن الأدب وحده كافٍ للنجاة.

6. البعد الأخلاقي في العنوان

أخلاقيًا، لا يتبنّى العنوان موقف إدانة صريحة، لكنه:

لا يبرّئ الحرب، ولا يبرّئ الثقافة، بل يضع الاثنين في مواجهة اختبار قاسٍ، فإذا كان تولستوي قد احترق، فذلك لأن: الواقع لم يَعُد يعترف بالرموز غير المتجسّدة في فعل إنساني يومي.

 

7. العنوان والتناص

يحاور العنوان ضمنيًا: الحرب والسلام لتولستوي

لكن بدل البحث عن “السلام” في قلب الحرب، تعلن الرواية أن: السلام نفسه صار مفهومًا هشًّا، غير قابل للتمثّل السردي.

وهذا يضع النص ضمن سرديات ما بعد الخلاص في الرواية الحربية المعاصرة.

 

8. الشاهد على كل ما تقدم هو الإهداء ( بوصفه عتبة مكملة للعنوان): 

” إلى الذين لن تحميهم خوذاتهم من الموت، ولن تشفع لهم كلمة ( press)”

الدلالة: الكلمة ( الأدب / الرمز) عاجزة عن الحماية؛ إحراق الرمز معلن منذ العتبة. 

 

9. الحكم الذرائعي الختامي

يمكن تلخيص دلالة العنوان في الحكم الآتي: 

عنوان الرواية ليس تسمية لحكاية، وإنما إعلانٌ عن نهاية مرحلة ثقافية، واختبارٌ قاسٍ لقدرة الإنسان على حماية رموزه حين تعجز القيم عن التحوّل إلى ممارسة.

 

 

ثانيًا : البؤرة الفكرية (المركز الدلالي الحاكم للنص)

تتمحور البؤرة الفكرية في الرواية حول فكرة مركزية مفادها:

الحرب المعاصرة لا تُنتج بطولة، بل تُنتج تآكلًا بطيئًا للإنسان، يبدأ من الداخل ويصيب القيم والعلاقات قبل الأجساد.

فالرواية لا تسائل الحرب بوصفها صراعًا سياسيًا أو عسكريًا، بل بوصفها نظامًا ضاغطًا طويل الأمد، يعيد تشكيل معنى العمل، والأسرة، والالتزام الأخلاقي، والنجاح الشخصي.

الشاهد: 

توصيف الحياة اليومية بوصفها سباقًا مرهقًا بين العمل والبيت ورعاية الأطفال، دون أفق طمانينة. 

” منذ بداية الأسبوع وهي تصبّر نفسها للوصول إلى هذا الصباح، كأي تأخذ كل عضلة من جسمها حقها في الاسترخاء بعد التشنج، تشنج الخروج بالطفلين ….. ” ( ص 7)

الدلالة : الحرب تُقدذم كنظام استنزاف طويل الأمد يطال المعنى قبل الجسد. 

اشتغال البؤرة داخل النص

تتجلى هذه البؤرة عبر مسارات متوازية:

– تفكيك وهم الرسالة النبيلة: العمل الإعلامي، الذي يُفترض أن يكون فعل شهادة، يتحول إلى ذريعة للغياب.

– إعادة تعريف التضحية: لم تعد التضحية فعلًا بطوليًا معلنًا، بل صبرًا صامتًا لا يُكافأ.

– انهيار المركز الثقافي: الرمز الأدبي (تولستوي) لا يصمد أمام واقع لا يعترف بالكلمة.

– ذرائعيًا، تُنجز الرواية بؤرتها الفكرية عبر عرض الأثر لا عبر التنظير؛ فالفكرة لا تُقال، بل تُعاش داخل تفاصيل يومية عادية، وهو ما يمنحها قوة إقناع عالية.

 

ثالثًا: الخلفية الأخلاقية (النظام القيمي الضمني للنص)

تعريف الخلفية الأخلاقية ذرائعيًا:

في المنهج الذرائعي، لا تُستخرج الخلفية الأخلاقية من الشعارات أو المواقف المعلنة، بل من: طريقة توزيع المسؤولية، وآليات التعاطف، ومساحات الصمت والإدانة غير المباشرة.

الرواية لا تُصدر أحكامًا أخلاقية صريحة، لكنها تُشيّد منظومة قيم واضحة من خلال الترتيب السردي للأحداث والأحاسيس.

معالم الخلفية الأخلاقية في الرواية

1. أخلاقيات المسؤولية مقابل أخلاقيات التبرير: تُقابل الرواية بين:

– منطق التبرير (العمل، الواجب، الفرصة)

– ومنطق المسؤولية الإنسانية (الحضور، الرعاية، الاعتراف)

ولا تُدين الشخصيات، لكنها تكشف أن: النية الحسنة لا تُلغي الأذى الناتج عنها.

الشاهد: 

تقديم الغياب بوصفه ” مبرَّرًا ” بالعمل والواجب مع إظهار نتائجه النفسية على الأسرة  دون إدانة خطابية مباشرة.

” … لم تلقِ بالًا لفهم ما يقول، خمّنت سريعًا وهي تتوجه إلى المطبخ: الأحداث الأخيرة في (أربيل).”( ص 9)

الدلالة: 

النص يوزع المسؤولية أخلاقيًا عبر النتائج، لا عبر الاتهام. 

2. أخلاق الصبر: من قيمة إلى عبء

تُفكك الرواية القيمة التقليدية للصبر، لا بوصفه فضيلة مطلقة، بل بوصفه:

ممارسة غير متوازنة، تُحمَّل غالبًا على المرأة، وتؤدي إلى استنزاف نفسي عميق، وهنا تتخذ الرواية موقفًا أخلاقيًا واضحًا: تمجيد الصبر دون اعتراف هو شكل من أشكال الظلم الرمزي.

3. أخلاقيات الغياب

الغياب المتكرر لا يُقدَّم كخيانة، بل كـ:

انسحاب تدريجي، فقدان مسؤولية، تخلٍّ مؤجل

الرواية تُدين الغياب لا عبر الاتهام، وإنما عبر إظهار نتائجه النفسية والعلائقية.

4. البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية في تلازمهما

التكامل الذرائعي: تعمل البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية في الرواية بوصفهما:

– وجهين لخطاب واحد

– الفكر يحدّد السؤال

– والأخلاق تحدّد زاوية النظر

فحين تقول الرواية إن الحرب تُنتج تآكلًا داخليًا، فهي أخلاقيًا:

لا تُبرّئ أحدًا، ولا تُدين أحدًا مباشرة، لكنها تُحمّل الجميع مسؤولية النتائج لا النوايا

5. خصوصية الموقف الأخلاقي في الرواية

تتميّز الرواية بأنها:

لا تتبنى خطاب الضحية، ولا خطاب البطولة، ولا خطاب الإدانة المباشرة، بل تشتغل ضمن:

أخلاقيات الكشف لا المحاكمة

وهذا ما يجعلها رواية: إنسانية في جوهرها، معاصرة في رؤيتها، ذرائعية في وظيفتها.

6. حكم ذرائعي ختامي

يمكن تلخيص البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية في العبارة الآتية:

الحرب التي تحرق الرموز، هي نفسها التي تختبر إنسانيتنا في التفاصيل الصغيرة، وحين نفشل هناك، لا تعود البطولة ممكنة.

 

رابعًا: المستوى الديناميكي : 

الحركة بوصفها توتّرًا لا تطوّرًا

1. تعريف المستوى الديناميكي ذرائعيًا: 

في المنهج الذرائعي، لا يُقاس المستوى الديناميكي بعدد الأحداث أو تسارعها، بل بـ:

كيفية تحوّل الحركة السردية إلى أداة ضغط نفسي وفكري، تُنتج المعنى بدل أن تزيّنه.

الحركة هنا ليست: تطوّرًا دراميًا تصاعديًا، ولا مغامرة سردية، بل: سلسلة اهتزازات تُبقي الشخصيات في حالة عدم استقرار دائم.

الشاهد: 

انتقال الزوج للعمل في دولة أخرى، وبداية نمط الغياب المتكرر:

” – لقد تم تغيير مكان عملي…. حتى لا تثير البركان الكامن في نفس زوجته، فهو يعلم رأيها في عمله الذي يحتّم عليه الغياب…” ( ص 22) 

الدلالة:

الحركة المكانية لا تنتج تقدّمًا، بل تفتح سلسلة من التأجيل والقلق. 

2. بنية الحركة (من الفعل إلى الاستنزاف)

تتحرّك الرواية على محورين ديناميكيين متوازيين:

حركة خارجية: سفر-مطارات-انتقالات مهنية- تغيّر أمكنة العمل

حركة داخلية (نفسية/عاطفية):تردّد-قلق- تصاعد احتقان- انفجارات مؤجلة

لكن المفارقة أن: الحركة الخارجية النشطة تُقابلها حركة داخلية مختنقة.

3. الزمن الديناميكي (القلق بدل الخطّية)

الزمن في الرواية: غير خطّي شعوريًا، يتقدّم سرديًا، لكنه يتجمّد نفسيًا.

الانتظار (عودة الزوج – السفر – القرار) يشكّل: زمنًا ضاغطًا، لا زمنًا سرديًا محايدًا.

الوظيفة الذرائعية:

الزمن لا يُستخدم لتوليد التشويق، بل: لتكثيف التوتّر، ولإشراك القارئ في الإحساس بالترقّب القَلِق

4. الحركة المكانية (الانتقال بوصفه نفيًا للبيت)

الأمكنة في الرواية تتحرّك، لكن البيت لا يثبت:

المطار: حركة بلا وصول

الفندق: إقامة بلا انتماء

المكتب الإعلامي: عمل بلا طمأنينة

الانتقال لا يعني التقدّم، بل تأجيل الانفجار.

كل انتقال مكاني: يبعد الشخصيات عن الحل ويعمّق الإحساس بالفقد

 

5. ديناميكية الصراع (التأجيل بدل المواجهة)

الصراع في الرواية: لا يُحسم بسرعة، لا يُواجه مباشرة، يُؤجَّل عبر: الصمت-الانشغال- التبرير

حتى لحظة الانفجار، التي تأتي: كمحصّلة تراكمية، لا كحدث مفاجئ.

الوظيفة الذرائعية:هذا التأجيل:

– يحاكي آليات الحياة الواقعية

– ويمنح النص صدقية نفسية عالية

 

6. ديناميكية الشخصية (من الفعل إلى الانفعال)

الشخصيات لا تقود الأحداث، بل: تُدفَع إليها، تتكيّف معها، ثم تنفعل عليها.

الشخصية الرئيسة (المرأة): تبدأ متكيفة، تتحمّل، تبرّر، ثم تنفجر.

وهذا المسار:ديناميكية تآكل لا ديناميكية صعود.

 

7. المقارنة الديناميكية (عربيًا وعالميًا)

مقارنة عربية:

في رواية القوقعة لـ مصطفى خليفة: 

الحركة شبه معدومة (سجن)، لكن الديناميكية ناتجة عن ضغط الزمن المغلق.

في الحرب التي أحرقت تولستوي:

الحركة فائضة، لكن النتيجة واحدة: اختناق المعنى.

 

مقارنة عالمية

في All Quiet on the Western Front لـ Erich Maria Remarque

تتقدّم الأحداث عسكريًا، لكن الشخصيات تتآكل إنسانيًا.

وهذا يضع الرواية ضمن:

سرديات الحرب المضادة للتصعيد الدرامي.

 

8. العلاقة بين المستوى الديناميكي وبقية المستويات

تكامل المستويات

الديناميكي: حركة/قلق

النفسي: تآكل/احتقان

اللغوي: جمل قصيرة/انقطاعات

البصري: أمكنة عبور/أجساد مرهقة

الحركة لا تعمل منفردة، بل: تُغذّي بقية المستويات وتستمدّ منها معناها.

 

9. خلاصة المستوى الديناميكي

يمكن تلخيص هذا المستوى في النقاط التالية:

– الحركة لا تعني التطوّر

– الانتقال لا ينتج استقرارًا

– الصراع مؤجَّل لا غائب

– الزمن عامل ضغط لا إطار حيادي

حكم ذرائعي

المستوى الديناميكي في الرواية يحوّل الحركة من قيمة إيجابية، إلى علامة قلق وجودي، ويجعل السرد أقرب إلى محاكاة الحياة المرهِقة لا إلى حبكة تقليدية.

 

 

خامسًا: المستوى اللغوي والجمالي 

(من الجمال الإنشائي إلى الجمال الوظيفي)

1. مدخل مفاهيمي (ذرائعي)

في المنهج الذرائعي لا يُقاس الجمال اللغوي بوفرة المجاز أو فخامة البيان، بل بـ: 

قدرة اللغة على أداء وظيفتها التداولية: الكشف، التفكيك، وإحداث الأثر.

من هنا، فإن جماليات هذه الرواية جماليات مضبوطة ومقصودة، تتأسس على:

– الاقتصاد اللغوي.

– الجملة المشحونة.

– الحوار بوصفه كاشفًا نفسيًا لا تبادلاً معلوماتيًا.

 

2. اللغة السردية (الاقتصاد لا الفقر)

تعتمد الرواية لغة سردية: واضحة، غير متزينة، خالية من البلاغة الاستعراضية. لكن هذا الوضوح ليس سذاجة لغوية، بل اختيار جمالي واعٍ.

السرد لا يسعى إلى: الإدهاش البلاغي، أو استعراض القدرة الأسلوبية

بل إلى: محاكاة تآكل المعنى تحت ضغط الحياة اليومية.

الشاهد:

” وضع يده تحت ذقنها ورفع رأسها قليلًا، ونظر في عينيها الخضراوين اللتين امتلأتا بالدموع، ثم مسح دموعها بكفّه وقال: …..”  ( ص 26)

لغة تقريرية هادئة تصف المشهد دون بلاغة فائضة أو انفعال لغوي.

الدلالة: 

الجمال هنا جمال وظيفي؛ اللغة تحاكي الحزن، لا تزيّنه.

الوظيفة الذرائعية

اللغة هنا تشبه: الحياة التي تصفها مثقلة، متعبة، حزينة  بلا فائض جمالي

وهذا التوازي بين شكل اللغة ومضمونها يخلق جمالًا وظيفيًا خفيًا.

 

3. الجملة بوصفها وحدة توتر

في لحظات الصدام النفسي، تميل الكاتبة إلى: الجمل القصيرة، الاستفهام المتتابع، التكرار الانفعالي

مثل:

“أنانية؟ تطلب مني ألا أكون أنانية؟ هل تعرف من هو الأناني؟” ( ص 24)

التحليل الجمالي

هذه الجمل:

 لا تُصاغ للزينة، بل لتقليد الإيقاع الداخلي للغضب والانكسار.

الجمال هنا: جمال التصدّع، لا جمال التماسك.

 

4. الحوار (اللغة حين تفشل )

الحوار في الرواية ليس وسيلة تواصل، بل علامة فشل التواصل.

الشخصيات تتكلم، لكنها لا تصل، كل حوار ينتهي إلى صمت أو انفجار

الحوار الزوجي تحديدًاقائم على:  التبرير، الدفاع، تبادل الاتهام الضمني

الوظيفة الذرائعية

الحوار يؤدي وظيفة مزدوجة:

– كشف الهوّة النفسية

– فضح وهم التفاهم الأسري

” أنت الأناني.. طمست شخصيتي وألغيت طموحي مقابل طموحك، … تركتني لمواجهة مسؤولية الحياة والأبناء، وانطلقت لتحقق ذاتك. ترسل لنا النقود بكرم لكيلا تحرمنا،  ولكن الحقيقة هي أنك تريد أن تعوض عن غيابك” ( ص 25) 

وهنا تتحول اللغة من أداة وصل إلى دليل قطيعة.

 

5. اللغة الانفعالية مقابل اللغة العقلانية

نلاحظ تضادًا لغويًا واضحًا:

لغة الزوج: عقلانية، تقريرية، مهنية

لغة الزوجة: انفعالية، سؤال، احتجاج

هذا التضاد ليس اختلاف أسلوب، بل اختلاف موقع وجودي

القراءة الجمالية:

اللغة العقلانية تبدو:أكثر هدوءًا، لكنها أكثر برودة وأقل إنسانية

بينما اللغة الانفعالية:أكثر توترًا، لكنها أكثر صدقًا وامتلاءً شعوريًا

 

6. التناص اللغوي (الخطاب الصوفي والواقع اليومي)

يظهر التناص اللغوي بوضوح في:

عبارة الرومي: ” هناك ينبوع داخلك…” 

هذه العبارة: تنتمي إلى خطاب صوفي خلاصي، يُفترض أن يقود إلى الطمأنينة، لكن إدراجها داخل سياق:

بيت مضطرب – أم منهكة – علاقة متصدعة، يحوّلها إلى: لغة معلّقة، جميلة لكنها غير فاعلة.

الوظيفة الذرائعية

الرواية لا تحتفي بالخطاب الصوفي، بل: تختبره وتكشف محدوديته أمام الواقع، وهنا يتحقق جمال المفارقة.

 

7. الجماليات السلبية (Anti-Aesthetics)

الرواية تنتمي إلى ما يمكن تسميته: جماليات اللازينة، حيث:

– لا استعارات كبرى

– لا صور شعرية فائضة

– لا إيقاع لغوي منتظم

لكن هذا النقص: هو نفسه موقف جمالي وأخلاقي.

مقارنة عالمية:

يتقاطع هذا مع:

All Quiet on the Western Front

حيث اللغة الجافة تعكس خواء البطولة.

8. العلاقة بين اللغة وبقية المستويات

تكامل المستويات

لغويًا: اقتصاد وتوتر

نفسيًا: قلق وتآكل

بصريًا: تضاد ظاهر/باطن

إيحائيًا: احتراق المعنى

اللغة لا تعمل منفصلة، بل: تتواطأ مع المستويات الأخرى لإنتاج دلالة واحدة: هشاشة الإنسان.

 

9. خلاصة المستوى اللغوي والجمالي

يمكن تلخيص هذا المستوى في النقاط التالية:

– اللغة تؤدي وظيفة كشف لا تزيين

– الجمال نابع من الصدق لا من البلاغة

– الحوار أداة فشل لا تواصل

– التناص اللغوي مختبر للخطاب لا احتفاء به

حكم ذرائعي

جماليات الرواية تقوم على الاقتصاد، التوتر، والمفارقة، لا على الزخرفة، وهو ما يمنحها قوة تأثير بعيدة المدى.

 

 

سادسًا:المستوى البصري 

(من الصورة الزخرفية إلى الصورة الوظيفية)

1. تعريف المستوى البصري ذرائعيًا

في المنهج الذرائعي، لا يُدرس البصري بوصفه زينة وصفية، بل بوصفه:

نظامًا دلاليًا موازيًا للغة، يعوّض ما تعجز عنه الكلمة، ويكشف ما يُقمع نفسيًا وفكريًا.

في هذه الرواية، يعمل المستوى البصري على ثلاث دوائر متداخلة:

– الصورة الفنية (اللوحات)

– صورة الجسد

– صورة المكان (البيت – المطار – الغرفة)

 

2. اللوحة الفنية بوصفها خطابًا بصريًا

تحضر لوحة جلال الدين الرومي في بداية الرواية بوصفها نقطة تركيز بصري ثابتة في فضاء متحرّك ومهتز.

“هناك ينبوع داخلك فلا تتجول بدلو فارغ” (ص 8)

هذه اللوحة ليست تزيينًا:

إنها خطاب بديل عن الحوار الغائب، تمثّل وعدًا داخليًا بالامتلاء، لكنها، ذرائعيًا، وعدٌ غير قابل للتحقق

القراءة الذرائعية:

وجود اللوحة مقابل: أم منهكة- زوج غائب- بيت مهدّد، يخلق مفارقة بصرية: الصورة تعد بالسلام، والواقع ينقضه.

تناص بصري:

اللوحة تحيل إلى خطاب جلال الدين الرومي، لكن الرواية تسحب الخطاب الصوفي من أفقه الخلاصي وتضعه في واقع لا يسمح بالتجلّي.

 

3. الجسد الأنثوي بوصفه صورة صراعية

الجسد في الرواية مرئي باستمرار: من عين الزوج – من الجارات – من المجتمع، لكنه غير مسموع.

الجسد:

 يُقاس (وزن – رشاقة): ” بل وزنًا ودهونًا. أزرار المعطف مطبقة رغمًا عنها حول جسمك” ( ص 12)

يُقارن: “الجارات مستغربات من تغير جسم زوجة ابني، كانت مثل الغصن” (ص 14)

 يُعاد تشكيله (العملية): ” سأخضع للعملية” ( ص 16) 

الوظيفة الذرائعية

الجسد يتحول إلى: ساحة حرب موازية للحرب السياسية.

العملية الجراحية ليست خيارًا جماليًا، بل: استجابة قهرية، محاولة لاستعادة السيطرة، تعويض عن غياب الاعتراف.

 مقارنة بصرية

يتقاطع هذا مع:

The Things They Carried ل تيم أوبراين، حيث تتحمل الأجساد ثقل الحرب بدل الخطابات.

 

4. المكان بوصفه صورة قَلِقة

الأمكنة في الرواية مرئية لكنها غير آمنة:

البيت: فقدَ طمأنينته

المطار: صورة متكررة للفقد

الغرفة: عزلة لا حميمية

المطار، خصوصًا، يتكرر بوصفه: مشهد بصري للوداع لا الوصول

 

القراءة الذرائعية

تكرار المشهد البصري (المطار) يحوّله من مكان إلى:

– رمز للانفصال

– نقطة تعليق للزمن

– مساحة بلا ذاكرة

مقارنة عالمية

مع:

All Quiet on the Western Front

حيث الأمكنة فقدت معناها وتحولت إلى نقاط انتظار للموت.

 

5. التضاد البصري (الزينة × الخراب)

الرواية تبني تضادًا بصريًا واضحًا:

لوحات جميلة- بيوت مرتبة- ملابس أنيقة.

مقابل:

خراب داخلي- صمت زوجي- قلق أمومي.

هذا التضاد: لا يجمّل الواقع، بل يفضحه.

 

6. الوظيفة الذرائعية للمستوى البصري

يمكن تلخيص وظائفه في الرواية بـ:

– كشف القمع الصامت

– تعويض اللغة العاجزة

– فضح التناقض بين الظاهر والباطن

– تحويل اليومي إلى علامة

 

7. خلاصة المستوى البصري

المستوى البصري في الرواية:

– ليس وصفيًا

– ليس زخرفيًا

بل مستوى اشتباك دلالي، إنه يساهم في:

تفكيك وهم السلام، ووهم البيت، ووهم الجسد المتصالح

ويُكمِل المستويات:النفسية- الإيحائية-الديناميكية-ضمن بنية ذرائعية واحدة متماسكة.

 

 

سابعًا:المستوى النفسي 

(من الصدمة إلى التآكل النفسي البطيء)

1. مدخل مفاهيمي (النفسي في المنهج الذرائعي)

في الذرائعية، لا يُدرس المستوى النفسي بوصفه توصيفًا للحالات الشعورية، بل بوصفه: أداة وظيفية لإنتاج الدلالة الأخلاقية والفكرية للنص.

النفس هنا ليست موضوعًا، بل مساحة اشتغال تُختبر فيها:

– جدوى العلاقات

– حدود الاحتمال

– كلفة التكيّف

2. البنية النفسية العامة (قلق لا صدمة)

لا تقوم الرواية على صدمة واحدة مفصلية، بل على: تراكم قلق يومي صامت.

هذا القلق يتشكّل عبر:

– الغياب المتكرر

– الإهمال غير المقصود

– تأجيل الاعتراف

– الضغط الاجتماعي

وهنا تتحوّل النفس من ذات متكيفة إلى ذات مستنزفة

الوظيفة الذرائعية:

إزاحة القارئ من تصور الحرب كـ”حدث صادم”، إلى إدراكها بوصفها نظام استنزاف طويل الأمد.

 

3. نفسية المرأة (التحمّل بوصفه عبئًا)

الشخصية النسوية لا تبدأ من موقع الرفض، بل من: الصبر، التبرير، تفهّم طبيعة العمل.

لكن هذا الصبر: لا يُكافأ، ولا يُرى، ولا يُعترف به، فتتحوّل النفس إلى: حقل كبت طويل الأمد.

الانفجار النفسي لا يأتي فجأة، بل: بعد نفاد أدوات التبرير، وبعد استنفاد طاقة الاحتمال.

القراءة الذرائعية

الرواية لا تمجّد الصبر، بل تفضحه بوصفه آلية تآكل نفسي.

 

4. الجسد كامتداد نفسي

الجسد الأنثوي في الرواية ليس منفصلًا عن النفس، بل مرآتها، وسجلّها الصامت

العملية الجراحية:ليست بحثًا عن جمال، بل محاولة لاستعادة السيطرة.

الجسد هنا يتكلّم حين تعجز النفس عن الكلام.

الوظيفة الذرائعية

نقل الصراع من مستوى الخطاب إلى: مستوى الألم والإحساس والفعل القهري.

 

5. نفسية الرجل (الإنكار الوظيفي)

الشخصية الذكورية لا تُقدَّم كشرير، بل كـ: 

– شخص مهووس بالإنجاز

– يرى نفسه مُحقًّا

– يبرّر الغياب بالواجب

نفسيته تقوم على:

– عقلنة الألم

– اختزال العاطفة

– تحويل الحياة إلى مشروع

القراءة الذرائعية

الرواية تُظهر أن: الإنكار النفسي لا يقل تدميرًا عن العنف المباشر. وأن حسن النية لا يعفي من المسؤولية النفسية.

 

6. نفسية الأطفال (الأثر غير المباشر)

الأطفال لا يُمنحون صوتًا تحليليًا، لكن حضورهم كثيف’ أثرهم عميق، معرفتهم بالأب عبر:الشاشة- الصوت-

الزيارة المؤقتة، يخلق علاقة مشوَّهة عاطفيًا.

الوظيفة الذرائعية:

الإيحاء بأن الحرب لا تُشوّه الجنود فقط، بل تُعيد تشكيل الطفولة ذاتها.

 

7. الصمت بوصفه عرضًا نفسيًا:

الصمت المتكرر في الرواية ليس هدوءًا، بل علامة إنهاك، هو صمت قبل الانفجار، صمت بعد الخيبة، صمت حفاظًا على البقايا

الوظيفة الذرائعية

تحويل الصمت من غياب إلى دليل نفسي على فقدان اللغة.

 

8. المقارنة النفسية (عربيًا وعالميًا)

مقارنة عربية

في القوقعة لـ مصطفى خليفة: النفس تُسحق تحت العنف المباشر.

هنا:النفس تتآكل تحت عنف ناعم (غياب – إهمال – تبرير).

مقارنة عالمية

في All Quiet on the Western Front  النفس تُدمَّر في الجبهة.

هنا: النفس تُدمَّر في البيت.

وهذا ما يمنح الرواية راهنيتها النفسية.

 

9. العلاقة بين المستوى النفسي وبقية المستويات

الديناميكي: الحركة تُنتج قلقًا.

اللغوي: الاقتصاد اللغوي يعكس الاختناق.

البصري: الجسد والمكان يكشفان التصدّع.

الإيحائي: النفس تُقال بالصمت لا بالتصريح.

المستوى النفسي هو المحرّك الخفي لكل المستويات الأخرى.

 

المستوى النفسي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

– النفس تُستنزف لا تُصدم

– الصبر يتحوّل إلى عبء

– الجسد لغة بديلة

– الإنكار شكل من أشكال العنف

– الأطفال ضحايا غير مرئيين

حكم ذرائعي

المستوى النفسي في الرواية لا يقدّم شخصيات مريضة، بل يقدّم حياة طبيعية في ظروف غير طبيعية،

وهو ما يجعل الألم أكثر صدقًا وأشد تأثيرًا.

 

خاتمة نفسية ذرائعية

تكشف رواية الحرب التي أحرقت تولستوي، من خلال اشتغالها العميق على المستوى النفسي، أن الحرب في سردياتها المعاصرة لم تعد تُعرَّف بوصفها مواجهة عسكرية أو حدثًا تاريخيًا فاصلًا، بل بوصفها حالة نفسية ممتدة، تتسلّل إلى الحياة اليومية، وتعيد تشكيل الوعي والعلاقات والذوات ببطء صامت.

ذرائعيًا، لا تقدّم الرواية شخصيات منهارة أو مرضية، بل تقدّم ذواتًا طبيعية في شروط غير طبيعية؛ ذواتًا تحاول التكيّف، ثم الاستمرار، ثم الاحتمال، قبل أن تكتشف متأخرة أن التكيّف نفسه كان شكلًا من أشكال الاستنزاف. هنا يتحوّل الصبر من قيمة أخلاقية إلى عبء نفسي، ويتحوّل التبرير إلى آلية دفاع تُطيل أمد الألم بدل أن تُنهيه.

تُظهر الخاتمة النفسية للنص أن أخطر ما تخلّفه الحرب ليس الصدمة المباشرة، بل الإنهاك البطيء: إنهاك المرأة التي تُطالَب بالفهم الدائم، والرجل الذي يُخدِّر ضميره بعقلنة الغياب، والطفل الذي يتعلّم مبكرًا أن الحب يمكن أن يكون مؤجَّلًا أو افتراضيًا. وبهذا المعنى، تنقل الرواية مركز الثقل من عنف الجبهات إلى عنف البيت، ومن الموت الفيزيائي إلى الاستنزاف الوجداني.

وفي إطار الذرائعية التداولية، لا تفرض الرواية حكمًا أخلاقيًا جاهزًا، ولا تُدين شخصياتها خطابيًا، بل ترتّب التجربة النفسية على نحو يجعل القارئ شريكًا في إصدار الحكم. فالصمت، والتأجيل، والانفجار المتأخر، ليست عناصر سردية فحسب، بل أفعال تداولية تُنتج وعيًا نقديًا لدى المتلقي، وتدعوه إلى مساءلة ما اعتاد اعتباره “ثمنًا طبيعيًا” للحرب أو للعمل أو الطموح.

إن احتراق الرمز في العنوان لا يكتمل إلا باحتراق الطمأنينة النفسية في الداخل؛ فحين تفشل الكلمة، ويعجز الأدب، ويتحوّل العمل إلى ذريعة للغياب، لا يبقى للإنسان سوى جسده ونفسه بوصفهما آخر ساحتي مقاومة. ومن هنا، تُغلق الرواية أفقها لا باليأس، بل بالكشف: كشف كلفة التكيّف، وكشف وهم البطولة، وكشف الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف الإنسان خارج سرديات التضحية المجانية.

وبذلك، تنتهي الرواية – نفسيًا وذرائعيًا – إلى حقيقة حاسمة:

أن الحرب لا تُهزم حين تتوقف المدافع، بل حين يُستعاد الإنسان من داخله

 

 

ثامنًا:المستوى الإيحائي التداولي 

(حين يقول النص أقلّ ليُحدِث أكثر)

1. تعريف المستوى الإيحائي التداولي

ذرائعيًا، لا يُقاس الإيحاء بما يُخفى فقط، بل بـما ينجزه الإخفاء في وعي المتلقي: كيف يدفعه إلى الاستنتاج، والتموضع الأخلاقي، وإعادة تأويل الواقع.

الإيحاء هنا فعل تداولي:

– يراهن على القارئ

– يُشركه في إنتاج المعنى

– ويترك الأثر بدل التقرير

 

2. الإيحاء عبر الصمت (ما لا يُقال)

الصمت في الرواية ليس فراغًا بل علامة:

– صمت الزوج أمام الألم المتراكم

– صمت الزوجة قبل الانفجار

– صمت البيت رغم امتلائه

هذا الصمت يُنتج إيحاءً مفاده: اللغة لم تعد كافية.

الأثر التداولي:

القارئ يُدفَع إلى: ملء الفجوات، قراءة ما وراء الحوار، إدراك عمق القطيعة دون تصريح.

 

3. الإيحاء عبر المفارقة (التناقض المنتج للمعنى)

تشتغل الرواية على مفارقات إيحائية متكررة:

– عمل إعلامي “ينقل الحقيقة” × عائلة لا تُرى

– بيت مزدان × قلق مقيم

– لوحة صوفية واعدة × واقع ينسف الوعد

هذه المفارقات لا تُشرح، بل تُعرض.

الوظيفة التداولية

المفارقة تُحرّك القارئ من التلقي السلبي إلى الحكم النقدي.

 

4. الإيحاء الرمزي (تولستوي بوصفه علامة لا اسمًا)

تولستوي في العنوان ليس إحالة معرفية، بل:

– علامة ثقافية

– ضمير أخلاقي

– نموذج خلاص أدبي

وحين “تحرقه” الحرب، فالإيحاء التداولي هو: احتراق النموذج نفسه، لا صاحبه.

تناص إيحائي:

يحاور النص ضمنيًا الحرب والسلام، لكنّه لا يستعيدها، بل يُعلن انتهاء صلاحية خطابها الخلاصي في زمننا.

 

5. الإيحاء عبر الجسد (التداول غير اللفظي)

الجسد الأنثوي يُستَخدم إيحائيًا بوصفه:

– سجلًّا للضغط.

– مساحة صراع صامت.

– لغة بديلة.

العملية الجراحية لا تُقدَّم كحدث طبي، بل كإيماءة احتجاج غير منطوقة.

الأثر التداولي

القارئ يلتقط: 

– الإكراه الاجتماعي

– انكسار الاعتراف

– وهم “التحكّم بالجسد” كتعويض عن فقدان السيطرة.

 

6. الإيحاء الزمني (التأجيل بوصفه خطابًا)

التأجيل المتكرر:عودة مؤجلة- مواجهة مؤجلة- قرار مؤجل، ليس حبكة، بل إيحاء تداولي بأن:الحياة نفسها صارت مؤجَّلة.

الوظيفة التداولية

إشراك القارئ في الإحساس بالاختناق الزمني، لا في متابعة حدث.

 

7. المقارنة الإيحائية (عربيًا وعالميًا)

مقارنة عربية:

في القوقعة لـ مصطفى خليفة:الإيحاء قائم على الصمت القسري (السجن).

هنا: الصمت اختياري ظاهريًا لكنه قسري بنيويًا.

النتيجة واحدة: تفريغ المعنى.

مقارنة عالمية:

في All Quiet on the Western Front لـ Erich Maria Remarque

الإيحاء يتم عبر اختفاء البطولة.

في هذه الرواية: الإيحاء يتم عبر اختفاء الجدوى.

 

8. الإيحاء بوصفه أداة أخلاقية

النص لا يقول الحرب شرّ، الغياب خطأ، الإعلام زائف، لكنه يُرتّب الشواهد إيحائيًا بحيث يصل القارئ إلى الحكم بنفسه. وهذا هو جوهر الذرائعية التداولية.

 

9. التكامل مع بقية المستويات

النفسي: الإيحاء يترجم التآكل الداخلي

الديناميكي: الإيحاء يحوّل الحركة إلى قلق

اللغوي: الإيحاء يعوّض الاقتصاد اللغوي

البصري: الإيحاء يُنشّط الصورة كعلامة

الإيحاء هو النسيج الرابط بين المستويات.

 

10. خلاصة المستوى الإيحائي التداولي

يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:

– الإيحاء فعل تداولي لا زخرفة.

– الصمت أداة دلالية.

– المفارقة محرّك أخلاقي.

– القارئ شريك في إنتاج المعنى.

 

حكم ذرائعي

المستوى الإيحائي التداولي في الرواية، لا يشرح الحرب، بل يجعل القارئ يعيش أثرها، وهو ما يمنح النص قوته وراهنية تأثيره.

 

التجربة الإبداعية :

(من كتابة الحرب إلى كتابة أثرها)

1. موقع الكاتبة من التجربة (الكتابة من الداخل لا عن بُعد)

لا تكتب الكاتبة الحرب بوصفها موضوعًا خارجيًا، ولا تتخذ موقع الراوي العارف أو المؤرِّخ، بل تكتب من موقع المعايشة النفسية لأثر الحرب في الحياة اليومية. هذا الموقع ينعكس في اختيارات سردية واضحة:

– التركيز على البيت لا الجبهة

– على العلاقة لا الحدث

– وعلى التآكل لا الانفجار

ذرائعيًا، هذا يعني أن التجربة الإبداعية تُنجز غايتها عبر القرب لا عبر الاستعراض.

 

2. الوعي بالاختيار الجمالي (الاقتصاد بوصفه موقفًا)

التجربة الإبداعية هنا واعية بحدودها: لا تسعى إلى لغة عالية، لا تُراكم المجاز، لا تبني حبكات صاخبة

هذا الاقتصاد الجمالي ليس نقصًا، بل قرارًا أخلاقيًا وفنيًا؛ فالكاتبة تُدرك أن الحرب، في أثرها اليومي، تُفرغ اللغة من فائضها. وعليه، تأتي الكتابة منسجمة مع موضوعها: كتابة متعبة، مترددة، مشروخة، مثل شخصياتها تمامًا.

 

3. الخبرة المعرفية بوصفها خلفية غير معلَنة:

تُظهر الرواية معرفة دقيقة بعوالم: 

– الإعلام والعمل الصحفي

– الاغتراب المهني

– العلاقات الأسرية تحت ضغط العمل العابر للحدود

لكن هذه المعرفة لا تتحول إلى استعراض معلوماتي، بل تبقى خلفية صامتة تُسهم في إقناع القارئ بواقعية التجربة. ذرائعيًا، المعرفة هنا تؤدي وظيفة التثبيت والموثوقية لا وظيفة الإبهار.

 

4. التجربة الأنثوية غير الشعاراتية

تتميّز التجربة الإبداعية في هذه الرواية بأنها: أنثوية في المنظور لكنها غير خطابية، وغير قائمة على ادّعاء الضحية.

المرأة لا تُقدَّم بوصفها رمزًا، بل بوصفها إنسانًا يُطالَب دائمًا بالفهم والتكيّف. وهذا الخيار الإبداعي يحرّر النص من الأدلجة، ويمنحه قوة نفسية أعلى.

 

5. الكتابة بوصفها اختبارًا لا خلاصًا

على عكس كثير من روايات الحرب التي تجعل الكتابة فعل مقاومة أو خلاص، تبدو الكتابة هنا:

– عاجزة عن الترميم

– غير قادرة على إنقاذ العلاقات

– لكنها قادرة على الكشف 

وهذا هو جوهر التجربة الإبداعية: الكتابة لا تُنقذ الشخصيات، لكنها تُنقذ الحقيقة.

 

6. التفاعل مع القارئ (التجربة المفتوحة)

التجربة الإبداعية لا تفرض مسارًا تأويليًا واحدًا، بل:

– تترك فراغات

– تُراهن على القارئ

– وتدعوه ليكون شريكًا في إنتاج المعنى

وهذا ينسجم مع الذرائعية التداولية التي ترى النص فعلًا تواصليًا لا منتجًا مغلقًا.

 

7. موقع الرواية ضمن سرديات الحرب المعاصرة:

إبداعيًا، تنتمي الرواية إلى:

– سرديات ما بعد البطولة

– ما بعد الرمز

– وما بعد الخلاص الأدبي

إنها رواية لا تسأل: كيف ننتصر؟ بل تسأل: كيف نعيش بعد أن تغيّر كل شيء؟

 

خلاصة التجربة الإبداعية: يمكن تلخيص التجربة الإبداعية في الرواية بالآتي:

– كتابة من الداخل لا من الخارج

– اقتصاد لغوي وجمالي واعٍ

– خبرة معرفية موظّفة لا مستعرَضة

– منظور أنثوي غير شعاراتي

– كتابة للكشف لا للتطهير

(حكم ذرائعي):

تُنجز الكاتبة في هذه الرواية تجربة إبداعية هادئة، متماسكة، وعميقة الأثر، تؤكد أن قوة الرواية المعاصرة لا تكمن في تضخيم الحدث، بل في الإنصات الطويل لما تفعله الأحداث بالإنسان.

 

في الختام:

تخلص هذه الدراسة إلى أن رواية (الحرب التي أحرقت تولستوي) تقدّم نموذجًا سرديًا معاصرًا يُعيد تعريف الرواية الحربية من خلال الانتقال من سرد الحدث إلى سرد الأثر، ومن تمثيل الصدمة إلى تفكيك التآكل النفسي والمعنوي الذي تُخلّفه الحرب في الحياة اليومية. فمن خلال اشتغالها المتكامل على المستويات الذرائعية – الفكرية، والنفسية، والديناميكية، واللغوية، والبصرية، والإيحائية التداولية – تنجح الرواية في إحراق الرمز الثقافي بوصفه وهمًا خلاصيًا، مقابل الكشف عن هشاشة الإنسان بوصفها حقيقة معيشة.

وتؤكد الدراسة أن قيمة النص لا تكمن في خطابه المباشر، بل في قدرته على إشراك المتلقي في إنتاج المعنى، ودفعه إلى مساءلة مفاهيم مثل البطولة، والتضحية، والعمل، والصبر، ضمن أفق أخلاقي قائم على كشف النتائج لا تبرير النوايا. وبذلك، تُرسّخ الرواية موقعها ضمن سرديات الحرب المعاصرة بوصفها كتابة للأثر الإنساني طويل المدى، لا تسجيلًا للوقائع، ولا احتفاءً بالبطولة.

               #دعبيرخالديحيي             مرسين – تركيا                              23 ديسمبر 2025

المراجع 

 

السعود، زينب علي مسلم. (2023). الحرب التي أحرقت تولستوي. عمّان، الأردن: الآن ناشرون وموزّعون.

تولستوي، ليو. (1869/2007). الحرب والسلام (ترجمة عربية). القاهرة، مصر: دار الهلال.

Remarque, E. M. (1929). All quiet on the Western Front. Berlin, Germany: Propyläen Verlag.

O’Brien, T. (1990). The things they carried. New York, NY: Houghton Mifflin.

خليفة، مصطفى. (2008). القوقعة: يوميات متلصص. بيروت، لبنان: دار الآداب.

سعداوي، أحمد. (2013). فرانكشتاين في بغداد. بيروت، لبنان: منشورات الجمل.

الرومي، جلال الدين. (د.ت). المثنوي المعنوي (ترجمات عربية متعددة). بيروت، لبنان: دور نشر مختلفة.

 

الغالبي، عبد الرزاق عودة. (2017). الذرائعية في التطبيق: آلية نقدية عربية. القاهرة، مصر: دار شعلة الإبداع.

الغالبي، عبد الرزاق عودة. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا، مصر: دار النابغة للنشر والتوزيع.

الغالبي، عبد الرزاق عودة. (2021). الذرائعية والعقل. بغداد، العراق: منشورات اتحاد الكتّاب العراقيين.

يحيى، عبير خالد. (2020). قصيدة النثر العربية المعاصرة بمنظور ذرائعي. القاهرة، مصر: دار الحكمة.

يحيى، عبير خالد. (2022). الأدب النسوي العربي المعاصر بمنظور ذرائعي. القاهرة، مصر: دار المفكر العربي.

بنكراد، سعيد. (2003). السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. الدار البيضاء، المغرب: دار توبقال.

Jakobson, R. (1988). Language in literature (Trans. into Arabic by M. Al-Wali). Casablanca, Morocco: Toubkal.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *