من المشهد إلى الإيقاع: مقاربة ذرائعية لبنية المدينة في «سمفونية المدن المرئية» للقاصة العراقية رغد السهيل

WhatsApp Image 2026 01 29 at 8.16.55 PM

من المشهد إلى الإيقاع: مقاربة ذرائعية لبنية المدينة في «سمفونية المدن المرئية» للقاصة العراقية رغد السهيل

بقلم الناقدة دكتورة/ عبير خالد يحيي

WhatsApp Image 2026 01 29 at 8.17.30 PM


يحمل عنوان «سمفونية المدن المرئية» منذ عتبته الأولى دلالة تركيبية مكثفة، تقوم على تزاوج غير مألوف بين حقلين دلاليين متباعدين ظاهريًا: الموسيقى والرؤية. فـ«السمفونية» تحيل إلى بنية قائمة على التعدد، والتناغم، والإيقاع، وتوالي الحركات، بما يفترضه ذلك من زمن ممتد وتجربة سمعية تُدرك عبر التتابع لا اللحظة. في المقابل، تحيل «المدن المرئية» إلى الفضاء، والمشهد، والعين بوصفها أداة إدراك فوري. هذا الجمع لا يعمل بوصفه مفارقة جمالية فحسب، بل يؤسّس منذ البداية لمنظور سردي خاص، يجعل من المدينة كيانًا يُدرك عبر إيقاعه بقدر ما يُرى عبر ملامحه.

لا يقترح العنوان كتابة وصفية عن مدن تُشاهَد، بل كتابة أدائية تُؤلَّف كما تُؤلَّف السمفونيات، حيث تتحول المدن إلى «حركات» سردية، لكل منها إيقاعها ونبرتها وتوترها الخاص. ومن هنا، لا تكون «المرئية» إحالة إلى البصر وحده، بل إلى الوعي، أي إلى ما يُدرك ويُختبر لا إلى ما يُلتقط سطحياً. بهذا المعنى، يشتغل العنوان كعتبة ذرائعية كاملة، يوجّه التلقي نحو نص لا يُقرأ بوصفه سردًا حكائيًا، بل بوصفه تجربة إدراكية مركّبة، تتداخل فيها الرؤية مع الإيقاع، ويغدو فيها المكان عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مجرد خلفية له.


لا تتعامل مجموعة «سمفونية المدن المرئية» مع المدينة بوصفها فضاءً للسرد أو خلفية للأحداث، بل بوصفها كيانًا فاعلًا، له حضوره ووعيه وإيقاعه الخاص. منذ العتبة الأولى، يُعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان على نحو يُقصي مركزية الفرد لصالح بنية أوسع تتقدّم فيها المدينة كذاتٍ منتِجة للمعنى. حين تقول الساردة إن «الإنسان ليس إلا امتدادًا للمدينة» (ص 8)، فإنها لا تطلق توصيفًا شعريًا، بل تؤسّس لمنظور فكري كامل، تصبح فيه الذات البشرية أثرًا ديناميكيًا يتشكّل داخل شبكة العلاقات المدينية، لا نواة مستقلة عنها.

من هذا المنطلق، لا تنشغل النصوص بحكايات فردية مكتملة، ولا ببناء حدث تقليدي، بل بتتبّع أثر المدينة في الوعي والسلوك والإحساس بالزمن. المدينة هنا تُدرَك عبر إيقاعها اليومي، ونظامها المرئي، وحركتها التي لا تتوقف، وكأن السرد يشتغل على ما يمكن تسميته «الوعي المديني»، لا السرد الحكائي. هذا الوعي لا يُقدَّم بوصفه موقفًا أيديولوجيًا صريحًا، بل يتشكّل تدريجيًا عبر تراكم المشاهد والتفاصيل، وهو ما يمنح النص طابعه التداولي القائم على الإيحاء لا التقرير.

تنبني الخلفية الأخلاقية للمجموعة على موقف قيمي هادئ، غير خطابي، يتبدّى خصوصًا في المشاهد التي تمس الذاكرة والجذور. في مشهد الشجرة العتيقة، لا تكون الشجرة عنصرًا طبيعيًا معزولًا، بل علامة كثيفة تحيل إلى الامتداد التاريخي والهوية الجمعية، حيث يصبح قطع الجذور فعلًا يتجاوز البعد البيئي ليقارب القتل الرمزي للذاكرة (ص 24–25). اللافت أن النص لا يدين هذا الفعل مباشرة، بل يترك أثره يتسرّب إلى وعي القارئ، في انسجام مع الرؤية الذرائعية التي تراهن على تحفيز الإدراك بدل تلقين الحكم.

على المستوى البصري، تعتمد المجموعة على مشهدية دقيقة، تُبنى عبر واجهات زجاجية، قنوات مائية، شوارع، تماثيل، وأجساد متحركة في فضاء منضبط. غير أن هذا الاشتغال البصري لا يندرج في إطار الوصف السياحي، بل يتحول إلى أداة معرفية، تُستخدم لفهم النظام الداخلي للمدينة. الرؤية هنا فعل تأملي، تسبق التأويل وتؤسّسه، بحيث يصبح النظر وسيلة لالتقاط الإيقاع الخفي الذي يحكم المدينة وسكانها في آن واحد.

وتتواشج هذه المشهدية مع لغة تميل إلى الاقتصاد والهدوء، حيث تعتمد الساردة جملًا متوسطة الطول، وتُكثّف حضور الفعل المضارع، بما يعزّز الإحساس بالاستمرارية والحضور الآني. اللغة لا تسعى إلى الزخرفة البلاغية، بل إلى تحقيق انسجام إيقاعي يخدم البناء السيمفوني للنص. ويتجلى هذا بوضوح في التكرارات اللافتة، ولا سيما عبارة «تضحك المدينة» (ص 26–27)، التي تعمل كلوازم موسيقية سردية، لا لتأكيد حدث بعينه، بل لتثبيت حالة شعورية عامة، يتقاسمها النص والقارئ معًا.

هذا التكرار لا يُنتج رتابة، بل يخلق حركة داخلية قائمة على الإيقاع لا التصاعد الحدثي. فالديناميكية في النص ليست ديناميكية أفعال، بل ديناميكية إحساس، تتقدّم عبر الترديد والعودة والتدرّج، كما في المقطوعات الموسيقية. وبذلك، يتحوّل السرد إلى أداء، لا إلى رواية أحداث، وتصبح القراءة نفسها تجربة زمنية موازية لحركة المدينة.

وعلى المستوى النفسي، تتسرّب إلى النص مشاعر اغتراب خافتة، رغم مظاهر النظام والبهجة المدينية. يظهر هذا الاغتراب خصوصًا في حضور الشخصية العربية داخل المدينة الأوروبية، حيث لا تُعلَن الهوية بوصفها خطابًا، بل تُلمَح عبر تفاصيل دقيقة، مثل طريقة رسم الكحل حول العينين (ص 22). هنا تتحول العلامة الجمالية الصغيرة إلى أثر نفسي كثيف، يحمل الذاكرة والانتماء والمقاومة الصامتة للذوبان، دون أن يثقل النص بأي تصريح مباشر.

بهذا المعنى، يشتغل النص على مستوى إيحائي تداولي، لا يفرض دلالاته على القارئ، بل يدعوه إلى المشاركة في إنتاجها. المعنى لا يُقدَّم جاهزًا، بل يتكوّن عبر الإيقاع والصورة والتكرار، وهو ما يجعل القارئ جزءًا من التجربة، لا مجرد متلقٍ لها. ومن هنا، لا تكون «سمفونية المدن المرئية» كتابة عن المدينة بقدر ما هي كتابة بالمدينة، أو – أدق – أداء سردي لإيقاعها ووعيها.

في المحصلة، تقدّم المجموعة نموذجًا سرديًا هجينًا، تتداخل فيه الرؤية الفلسفية مع البنية الموسيقية والحس البصري والعمق النفسي، ضمن نسيج لغوي هادئ ومتماسك. ووفق القراءة الذرائعية، يمكن القول إن النص لا يسعى إلى وصف المكان، بل إلى كشف أثره في تشكيل الذات، محولًا السرد إلى فعل وعي تداولي، لا مجرد ممارسة جمالية.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *