هدهد طه حسين وأخطاء التفسير

WhatsApp Image 2026 02 05 at 3.24.48 PM

هدهد طه حسين وأخطاء التفسير

بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم 

WhatsApp Image 2026 01 22 at 7.05.30 PM



هناك قصة لعميد الأدب العربي الراحل  “ طه حسين “ تحكي عن رجل عوده أهله منذ طفولته المبكرة علي الاستبشار والتفاؤل بمشهد طائر “الهدهد” فكان كلما رأي “هدهدًا” استبشر وتفاءل خيرا . وحدث ذات مرة أن رأت زوجته “هدهدا” وكانت تعلم أن زوجها ينتظر خبرا مهما يعلن تنصيبه وزيرا ، فهرعت إليه لتبلغه بوجوده علي نافذة المنزل . وتحقق الحلم ، فحصل الرجل علي المنصب الموعود ، فازداد استبشارا بهذا الطائر . وقد حدث ذات يوم أن أقيلت الوزارة ، وكان الرجل من بين المقالين ، وفي اليوم نفسه فوجيء بوجود “الهدهد” علي النافذة . “ حينئذ تغيرت مشاعره نحو مشهد “الهدهد” ، فأصبح مشهده بغيضًا ، أو علي حد قول زوجته : لقد أصبح “الهدهد” بغيضًا الآن ، وما أكثر ما كان يملأ قلوبنا غبطة وسرورا “ . ( طه حسين ، المرجع ،  أحاديث . دار العلم للملايين ، بيروت ، ص 70 )  .


تصف هذه القصة علي نحو طريف بعض الأخطاء الفكرية التي نبه إليها الفيلسوف الإنجليزي المعروف “هيوم” ، فقد كان من رأي “هيوم” أن من الممكن أن تقع حوادث الواحدة وراء الاخري ، وليس من الضروري أن تكون الأولي “سببا” والثانية “نتيجة” ، ولكن العامة من الناس – وربما حتي العلماء والمفكرين – عادة ما يقعون في هذا الخطأ فيعتقدون أن الحوادث السابقة هي السبب في الحوادث التالية علي الرغم من أنه لا توجد بينهما علاقة حقيقية ، ولكنه مجرد تواتر في الحدوث .


وقد يكون من المفيد هنا أن نحاول  تسليط الضوء علي قصة تطور نمو التفكير الإنساني علي مر العصور ، أي قصة تطوراته من الخرافة والأوهام الشائعة إلي مرحلة التفكير النظري الفضفاض ثم التفكير العلمي الناضج بما يتصف به من تطور منهجي يستند إلي التوثيق الجيد والتفسير الموضوعي لما يتجمع لدينا من نتائج أو وقائع متواترة الحدوث في حياتنا . 


فقبل ظهور نظرية التحليل النفسي بسنوات عدة ، وقبل أن يهيمن الفكر  “الفرويدي” علي التفكير الإنساني ، زعم الطبيب النفسي الإيطالي سيزار لمبروزو  Lombroso أن هناك صلة ما بين المرض النفسي والعبقرية ، وأنهما مرتبطان بالفعل ، وفي كتيب له بعنوان “ العبقرية والجنون “ حاول أن يبرهن من خلال دراسته لعدد من العباقرة ، أن للعباقرة تاريخيا من الأمراض النفسية والعقلية والعصبية . وقد ذهب إلي القول بأن قائمة ضخمة من العباقرة والمفكرين بمن فيهم “ يوليوس قيصر “ ، و “ موليير “  و  “ ديستوفسكي “ وغيرهم كانوا مصابين بالصرع . 


ونحا “ سيجموند فرويد “ مؤسس مدرسة التحليل النفسي المنحي نفسه تقريبا ، عندما قرر صراحة أن “ الفنان أساسا شخص انطوائي ولا يستبعد أن يكون عصابيا . ،هو يعد بهذا من أوائل العلماء النفسيين الذين روجوا لفكرة وجود حالات من القلق الشديد أو المرض النفسي تسود أفكار المبدعين وتوجه حياتهم ، بل تمتد أيضا إلينا كأفراد عاديين . 


فإذا ما وجهنا تركيزنا  إلي مجموعة الأفكار والمعتقدات والحجج ( وربما القيم التي يتبناها الشخص ) نحو ذاته ونحو بيئته بحيث تؤدي في النهاية إلي إثارة الاضطراب ، أو تأكيده . فقد يتبني الشخص الانسحابي فلسفة تقوم علي البعد عن الناس غنيمة ، وقد يتبني الشخص الاعتمادي فلسفة تقوم علي أن الإنسان محكوم بالحظ والبيئة والسلطة ،  فلم المحاولة ؟  وهو في ذلك يساعد علي إبقاء أساليبه الشاذة في التوافق ، ويبعد نفسه عن اختيار جوانب جيدة من السلوك الفعال والإيجابي .


ويلعب الجانب المعرفي  أي الجانب الفكري ، دورا كبيرا في الاضطرابات ذات المصدر الاجتماعي كالتعصب العنصري ، فقد أظهرت البحوث أن المتعصبين يتبنون حججا نحو موضوعات تعصبهم لا تتناسب مع الواقع . منها   – مثلا – أن البيض في أمريكا يتبنون اعتقادات عن السود بأنهم أشبه بالحيوانات ، وأنهم كسالي عدوانيون  .. ويقوي هذا من تعصبهم نحو الزنوج . وكذلك يتبني السود المرتفعون في التعصب آراء سلبية عن البيض  بتصور أن البيض ضعاف جنسيا ومتعصبون ؛ مما يوقعهم  ( أي السود ) في ضروب من الإحراج والسلوك غير الملائم نحو النساء البيض .. إلخ . 

وهناك بحث  أخر  يدل علي أن “ الروس “ كانوا يعتنقون صورة سلبية عن الأمريكيين ، قريبة من الصورة  نفسها التي أعتنقها الأمريكيون عن الروس .  


ويعتمد العلاج النفسي لمواجهة هذا النوع من الاضطرابات الفكرية علي التعديل من طريقة إدراك المواقف وأفكارنا عنها مع تحليلها وتفسيرها .. 


ومن أكثر النماذج المعاصرة لهذا النوع من العلاج ما يسمي بأسلوب العلاج عن طريق الدفع المتعقل  National – emotive therapy ، أو العلاج المنطقي  – العقلاني  الذي يدعو إليه العالم الأمريكي  ألبرت أليس Ellis   صاحب معهد العلاج المنطقي في نيويورك . 


وفي هذا النوع من العلاج يقوم المعالج بتغيير أو الاستعاضة عن أفكار المريض غير المنطقية عن نفسه ، وعن الآخرين بأفكار منطقية تتناسب مع الصحة النفسية .


والفكرة الرئيسية التي تعتمد عليها أساليب تعديل التفكير “ أنه لا يمكن الفصل بين جوانب التفكير والانفعال والسلوك أو الفعل .. 


جميع هذه الجوانب تتفاعل فيما بينها ويكمل بعضها البعض . بعبارة  أخري  فإنني لا أستطيع القول بإن الإنسان منفعل فحسب ، لأن الإنسان وهو في قمة الانفعال يفكر بطريقة معينة ، كما أنه يترجم انفعالاته إلي نشاطات خارجية . وبالمثل ، فالقيام بعملية تفكير في حل مشكلة معينة  – مثلا – تصحبه جوانب انفعاليه متعلقة بالموضوع الذي أفكر فيه .. فضلا عن ظهور جوانب حركية وسلوكية تصاحب عملية التفكير والانفعال بالموضوع . 


أذن فاضطرابات الشخصية بأشكالها المختلفة – عادة – تصحبها طرق غامضة متناقضة من التفكير عن الذات وعن البيئة .


ومن البحوث التي نشرت في هذا الميدان مجموعة دراسات كان هدفها تقييم أساليب مختلفة من العلاج مع مقارنتها بعضها ببعض . وانتهي عدد من هذه البحوث إلي إثبات أنه يمكن تخفيض القلق العام ، والقلق من مواقف محددة والامتحانات ، والدخول في علاقات اجتماعية ، إذا ما علمنا المرضي أن يعدلوا من طرقهم الخاطئة في التفكير . 


ويمكن أعطاء نموذجا  – أو مثالا لأساليب التفكير الخاطيء الغير الفعال :  عند التفكير في  حل مشكلة معينة أو فهمها ، تحدث أخطاء في الفهم والتفسير مما يشوه صورة الواقع للشخص ،  وبالتالي قد تثير عددا من الاضطرابات السلوكية لديه ، منها :


المبالغة :   وتتمثل في الميل للمبالغة في إدراك الأشياء  أو الخبرات الواقعية ، وإضفاء دلالات مبالغ فيها كتصور الخطر والدمار فيها . ومن الثابت أن المبالغة في إدراك نتائج الأشياء يميز الأشخاص المصابين بالذات بالقلق ، فتفكير الشخص في حالات القلق يتميز بالمبالغة في تفسير الموقف مما يؤدي إلي إثارة مشاعر الخوف والتوتر . فهو دائما يتوقع الشر لنفسه ، ولأسرته  ولممتلكاته ، أو يتوقع الخوف من  فقدان مركزه أو وظيفته والأشخاص المهمين في حياته وربما لا توجد أسباب لذلك . والشخص القلق يبالغ في تصور خبرات ( قد تكون محايدة )  في علاقاته بأصدقائه ، أو أقاربه ، أو رؤسائه ويدركها علي أنها مهينة أو محبطة . 


وإذا كانت المبالغة والتضخيم من الأشياء الخاطئة لأنها تثير القلق والجزع . فالعكس غير صحيح ، أي أن التقليل من المخاطر الواقعية قد تكون له أيضا نتائج انفعالية سلوكية مماثلة . فالتقليل من المخاطر الفعلية غالبا ما يؤدي إلي الاندفاع وتكرار التجارب الفاشلة . كما قد يودي إلي تخفيض الدافع إلي مواصلة الجهد والإنجاز .


ومن المؤكد أن مجاهدة النفس علي الإدراك الموضوعي للواقع  ( دون مبالغة أو تقليل )  يعتبر بمثابة الوسط الذهبي الذي يمنح الإنسان القدرة والبصيرة علي التوجيه الفعال لمشاعره وسلوكه .

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *