هل صحيح أن مجتمعاتنا العربية أقل قلقًا عن المجتمعات الغربية؟

صورة واتساب بتاريخ 1447 01 22 في 21.41.10 242e6bda

هل صحيح أن مجتمعاتنا العربية أقل قلقًا عن المجتمعات الغربية؟

بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم 

صورة واتساب بتاريخ 1447 01 15 في 19.32.08 5e24cc1d


تعتبر المجتمعات العربية فى عرف أهل السياسة والاجتماع من المجتمعات النامية أى المجتمعات التى لم تبلغ بعد شأن المجتمعات الغربية من حيث التقدم المادى – الصناعى والتعقد الحضارى . وقد يظن البعض منا أننا نتيجة لهذا أن القلق والاضطراب النفسى لا يسودا فى الدول العربية بكثرة لبساطة هذه المجتمعات من ناحية .. ولأنها ليس فى مستوى التعقد الحضارى الغربى من ناحية أخرى  …

 فهل هذا صحيح ؟


للإجابة بموضوعية عن هذا السؤال  قمت شخصيًا ومع الزميل الأستاذ/ الدكتور عبد الستار إبراهيم – خلال الزيارات المتعددة لكثير من بلدان الوطن العربى – بأجراء عدد من الدراسات عن شيوع القلق فى مصر ، والسعودية ، وليبيا ، والكويت . وقد أمكن لنا من خلال هذه الدراسات من الإجابة على عدد متنوع من الأسئلة فى هذا الموضوع التى منها :


– هل نحن فعلًا أقل قلقًا وأقل تعرضًا للإضطرابات النفسية المرتبطة بالقلق ؟ 

– ⁠ما هى أنواع القلق الشائعة بيننا ؟ وما هى مصادر الاضطراب فينا ؟

– ⁠ما هى جوانب التشابه والاختلاف بيننا وبين غيرنا من المجتمعات الأخرى فيما يتعلق بمظاهر القلق وأشكاله ؟


وإليكم .. بعض نتائج هذه الدراسات فى المجتمعات العربية نستطيع من خلالها أن نوجه انتباه القارئ إلى أهميتها :


فى مصر – تبين لنا فى دراسة مقارنة أجريناها على ثلاث مجموعات من الطلاب فى أمريكا وبريطانيا ومصر أن نسبة القلق ومستويات العصاب والاضطرابات النفسية تزداد بين المصريين يتلوهم الامريكيون ثم الإنجليز . بعبارة أخرى عبر أفراد العينة المصرية أكثر من أفراد العينتين الامريكية والإنجليزية عن علامات دالة على التقلب الإنفعالى ، والتطرف والانزعاج ، فضلًا عن تزايد المشكلات المرتبطة بصعوبات النوم  ، والمعاناة من الأرق ، وخفقان القلب ، والتنميل وآلالام العضلية ..  وكلها مظاهر يراها العلماء النفسانيين معبرة عن القلق وتميز المصابين بالعصاب والتوتر .


وإذا كان القلق فى الدول الغربية كأميركا  وبريطانيا  يأخذ شكل الصراع الداخلى والتعبير عن مشاعر الضغط ، والهروب الى العقاقير والخمور ، ، والعجز عن الحسم ، والتوجس فإنه يظهر بين المصريين  – كما بينت دراسة أخرى أجريناها فى مصر – بصورة مختلفةً ، أى ظهرت فى شكل : شكاوى جسمية ، آلام فى المفاصل ، وآلام فى الظهر ، وخفقان فى القلب ، والتعب السريع ، وتنميل ، وضيق التنفس  ، بعبارة أخرى   فإن الشخص القلق فى مصر عادة ما سيشكو  – لو أتيحت له فرصة الذهاب الى طبيب أو معالج  – من الآلام والمظاهر الجسمية المرتبطة بالقلق .


ويوضح لنا “راك” احد الباحثين المتخصصين فى هذا المجال أن الشكاوى الجسمية تكون هى الطابع الغالب على المرضى بالاكتئاب والقلق فى المجتمعات النامية كالهند وباكستان وجنوب شرق آسيا ، ونتائج دراستنا المصرية تؤيد ذلك وتثبت أن المصرى  – ربما بسبب عدم اتاحة الخدمات النفسية من جهة ، والخجل من التعبير عن الاضطراب النفسى من جهة أخرى ، سيتجنب الشكاوى ذات الطابع النفسى المرتبطة بالقلق مثل الخوف والشعور بالذنب والتوجس ، وسيكتفون بالتعبير عن الألم الجسماني بمظاهره المختلفة ، كالصداع ، وآلام الظهر أو المعدة .


ومن المعروف إن المخاوف العصابية  تنتشر بنسبة تترواح من ٣٠ -٣٥ ٪؜ من أفراد المجتمع فى الدول الصناعية ، فإن دراستنا تبين أن انتشاره فى المجتمعات العربية يصل الى نفس النسبة ، أو أعلى عن ذلك بكثير فى بعض الأعراض المحددة . 


ويتأكد ذلك فى دراسة قمنا بها فى ليبيا  عن إنتشار مظاهر القلق الاجتماعى كما يتمثل فى عدم الثقة بالنفس فى مواجهة الأخرين ، أو الخوف من التعبير عن الانفعالات والحاجات النفسية عند التعامل مع أفراد المجتمع والأسرة ، فتبين لنا أن ما يقرب من ٥٣٪؜ من أفراد العينة الليبية عبر عن مشكلات متعلقة بإنخفاض الثقة بالنفس ، وتأكيد الذات . وقد ازدادت هذه النسبة فى بعض مشكلات فرعية أخرى مثل : الاعتذار بكثرة ، مدراة  المشاعر الحقيقية فى مواقف الضيق بدلا من التعبير عنها ، ووجود صعوبة فى بدء مناقشة أو حديث مع الغرباء .. أو تجنب الشكوى من الخدمة السيئة فى مطعم أو مكان عام  .. 


وقد بينت العينة الليبية عندما تمت مقارنة نتائجها ، عاملًا أخر ، يتفق مع دراسات علماء النفس ، وهو شديد الصلة بالقلق  .. وهو ” الخجل الاجتماعى “بمظاهره الدالة على الانسحاب والخوف من التلقائية عند التعامل مع الناس .


أما فى المملكة العربية السعودية فإن النتائج التى توصلنا إليها بالتعاون مع الزميل الأستاذ الدكتور عبدالله النافع ، فقد اعتمدت على دراسة ( ٣٨٠ ) طالبًا جامعيًا بجامعة الملك سعود بالرياض . وقد كان الهدف الرئيسي من هذه الدراسة  تحديد أنواع المخاوف وحالات القلق والاكتئاب الشائعة بين طلاب هذه الجامعة ، والى اى مدى يرتبط ظهور هذه الاضطرابات بالتغيرات الاجتماعية الشديدة التى يمر بها المجتمع السعودى . 


وتعطى النتائج صورة مماثلة لدراستنا المصرية  والليبية  :

فمن ناحية الاضطرابات الدالة على القلق والعصابية عبر ٥٣٪؜ من أفراد العينة السعودية عن العجز عن التركيز جيدا فى موضوع واحد ، وذكر ٥٣٪؜ منهم أنهم يعانون من الخجل ، و٤٦٪؜ قالوا إن من الصعب عليهم المحافظة على الانتباه فى موضوع واحد دون التجول الفكرى والسرحان ، و٤٣٪؜ عانوا من الرعشة والانتفاض عندما يستثيرهم أحدٍ ، بينما عبر ٣٥٪؜ عن مخاوف مرضية مرتبطة بالحيوانات ، و٣٣٪؜ عن مشكلات ومخاوف متعلقة بالدراسة والمستقبل .


أما من ناحية الاكتئاب وهو من أحد الأعراض التى تصاحب فى أحيان كثيرة حالات القلق فلم تختلف نتائج دراستنا للطلاب السعوديين عن نتائج الدراسات السعودية للمرضى السعوديين التى بينت ان حالات الاكتئاب تفوق مثيلاتهافى الغرب . أما بين الطلاب فقد عبرت نسبة مرتفعة منهم عن لوم النفس عندما تسوء الأمور ، وأنهم يشعرون بالعجز ، وأن شهيتهم للطعام ضعيفة ، وأن المجتمع لا يبالى بهم ، وأن حياتهم لا تثير اهتمامهم ، وانهم يعانون من صعوبات متعلقة بالنوم ، وأنهم فقدوا شعورهم ببهجة الحياة وملذاتها  .


وفى الكويت درس الباحثون مدى شيوع القلق ، وعدم الاستقرار الانفعالى  ( غالى ، ١٩٧٥ م ) . وبينت هذه الدراسات أيضًا أن حظ الكويتيين لا يقل عن حظ غيرهم من أفراد المجتمع العربى من  حيث شيوع المظاهر الدالة على القلق والتوتر النفسى . فقد ازداد شيوع العصاب بينهم أكثر من الإنجليز .


وتكشف المقارنة بين الذكور والإناث فى المجتمعات العربية عن نتائج أخرى تثير الاهتمام وتستدعى ضرورة تنبهنا لمصادر الخطر . ففى كل الدراسات التى قمنا بها تبين دائما أن الإناث أكثر تعرضًا للقلق والتوتر النفسى من الذكور . كما أنهم أكثر ميلًا لتطرف  الانفعالات والتقلب الوجداني والاكتئاب من زملائهن من الذكور  العرب . 

هذا الارتفاع الملحوظ فى مستويات القلق بين الاناث العرب بالمقارنة بالذكور العرب وجدناه فى دراستنا المصرية والليبية ، ووجده ” غالى ” فى دراساته فى العينات الكويتية ، ووجده أيضا أهلاوات ( Ahlawatt ) فى الإناث الأردنيات ، فى مقارنة الأطفال الأردنيين الذكور بالاناث . ونتائجنا العربية فى هذا الصدد لا تختلف عن كثير من الدراسات العالمية الاخرى الاخرى التى بينت ان الإناث دائما يرتفعن عن الذكور فى مستويات التوتر النفسى والقلق ، ربما نتيجة للتوتر البئيى والضغط الاجتماعى الشديد على المرأة .


والخلاصة .. أن النتائج تبين فى عمومها أن القلق والتوترات النفسية ترتفع فى المجتمعات العربية او تتعادل  – فى أحسن الاحوال – مع درجة شيوعها فى المجتمعات الصناعية المتحضرة.

وتثبت أن هناك أنماطا من القلق تنتشر أكثر من الأنماط الأخرى فى المجتمعات العربية . فالقلق فى مصر – يظهر فى شكل شكاوى جسمية وعضوية ، والسمة الغالبة فى التعبير عن القلق فى ليبيا هى الخوف الاجتماعى والخجل ، أما فى الكويت فنجد ارتفاعًا عاما فى العصابية . وتدل النتائج أيضا على ان المرأة العربية تعانى اكثر من الرجل العربى من هذه الاضطرابات ، ولو أن هذا لا يقلل من خطورة معاناة الرجل العربى من الضغوط النفسية بالمقارنة بغيره من الذكور فى المجتمعات الحضارية الصناعية.


مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *