كُنا هناك...
بقلم الدكتورة/ بلسم القارح-السودان
حكاية تُروى في عام 2035 لحُمَاة التراث الجدد
تحكيها بلسم من جيلٍ لم ينسَ… إلى جيلٍ سيواصل.
حين تهبّ رياح التغيير العنيف، لا تميل الشعوب إلا إلى جذورها. وحين تبحث أمةٌ عن نفسها بين الركام، فإنها تبدأ بإعادة قراءة تراثها. وسط ما عاشه السودان من مآسٍ، حروب، ونزوح… بين محاولات الطمس والتخريب والسرقة، ظل التراث — بآثاره المادية، وحكاياته اللامرئية، وذاكرته التي لا تنام — هو الجسر الآمن الذي عبرنا عليه نحو 2040وسنعبر به مجددًا كلما اشتدت العواصف.
أحبائي، أنتم اليوم تمسكون المفاتيح. تدخلون المواقع الأثرية بهدوء، تلتقطون الصور، تسجّلون القصص، وتبتسمون. لكن، دعوني أخبركم بشيء: ذلك السلام الذي تعيشونه اليوم… له بداية.
بداية تشبه العتمة، والخوف… لكنها كانت أيضًا بداية الحلم.تعالوا اجلسوا بقربي…سأحكي لكم كيف بدأنا، وكيف عبرنا.
2025 الحكاية من العتمة إلى الضوء
كنا نلملم الحجارة وقلوبنا ترتجف.سنوثق في الخفاء، تحت أصوات الحرب، بين أنقاض المتاحف، ودموع العاجزين.في ساحة صغيرة خلف متحفٍ مهدد، وقفنا ذات صباح وقلنا:
“إذا كُتب علينا أن نفقد كل شيء، فلن نفقد ذاكرتنا.”ومن هناك، وُلدت رؤيتنا:
“حماية التراث: طريقٌ آمنٌ نحو مستقبلٍ يتكئ على الجذور… وينفتح على التغيير.”
لكنها لم تكن مجرد رؤية.كانت خطة إنقاذ… وولادة جديدة.
اقترحناها لتُعالج الأزمة، وتستجيب لحاجات السودان في أحلك لحظاته، واضعين نصب أعيننا الأبعاد الثقافية، التنموية، والتعليمية.
رسالتنا نحو حماية مستدامة للتراث السوداني — ماديًا ولا ماديًا — تُعزز الهوية الوطنية، وتفتح آفاق الابتكار والتطوير المجتمعي.لأن التراث… قضية وجود.
محاور العمل الخمسة
1. الإنقاذ والتوثيق | دفتر الذكريات العظيم بدأنا من أبسط الإمكانيات…ورقة تلو أخرى، كتبنا التاريخ من جديد.أنشأنا قاعدة بيانات عرفناها بمحبة: “دفتر الذكريات العظيم”كل قطعة، كل موقع، كان له اسمه وقصته.أنشأنا وحدات طوارئ تراثية لإدارة الأزمات.واستعدنا المسروق بالتحرك القانوني والدبلوماسي، لا بالبكاء.
2. التعليم | حين صار التراث قصة تُروى في الفصول
سألنا أنفسنا: لماذا لا يعرف أطفالنا تراثهم؟ فأدخلناه إلى المدارس كما تُروى الحكايات.
قلنا: “ليكن التراث درسًا في الجغرافيا… وخطًا في الكراسة… ومشهدًا على مسرح المدرسة.”
أردنا للطفل أن يعود لبيته قائلًا:ماما، عرفت إن جدي كان بيحكم مملكة!”هكذا زرعنا الحب، لا الحفظ.
3. المتحف الافتراضي السوداني | ذاكرة لا تُقصف
في لحظة حلم، قلنا: لماذا لا نخلق متحفًا لا يُقصف؟ لا يُغلق؟ لا يُسرق؟”فولد المتحف الافتراضي السوداني.بالصوت، بالصورة، بالحكاية.صار المتحف في جيب كل طفل… يسمع صوت القطعة الأثرية تحكي قصتها بنفسها.
4. اقتصاد التراث | حين تعود اليد للذاكرة
عدنا للقرى… فوجدنا النساء يصنعن الفخار بقلوبٍ تحفظ التراث.
قلن: “نحن نحمي التراث بأيدينا، وإن لم يُطلب منا.”
فقلنا: “بل نطلب، ونحتفل، ونتشارك.”
أنشأنا أسواقًا ومسارات تراثية… تُعيد القيمة للأيدي التي تحفظ الحكاية.
5. شبكات التحالف | هذا ملكُنا… ونحنُ نرعاه
تحدثنا إلى العالم، لا طلبًا للشفقة، بل تعريفًا بالجمال.استعدنا بعض آثارنا… لكن الأهم أننا استعدنا حقنا في القول:هذا ملكُنا… ونحن نرعاه.”ثم… جاء عام 2030
الناس عادوا يزورون المتاحف كما يزورون الجدات.بكوب قهوة، وحديثٍ طويل، وامتنانٍ صامت.
وصرنا نسمع شبابًا يقول: لماذا لم يخبرونا من قبل كم نحن عظماء؟”
2035 جلستنا الآن قرب حجرٍ أنقذناه ننظر إليه… ينظر إلينا.نحن لا نحب الحجر لأنه حجر… بل لأن في كل حجرٍ… من نحن.إذا فقدنا التراث، فقدنا خريطتنا نحو المستقبل.فنلتفت إليكم الآن ونقول: خذوا الراية… وأشعلوا ذاكرة الوطن.سيروا نحو 2040، بقدمٍ في التاريخ… ويدٍ تصنع الغد. لكن لا تنسوا أن تهمسوا للحجارة أحيانًا: نحن لم ننسك.”
ركن وفاء لعاطف
في أحد الأيام الثقيلة من عام 2024، فقدنا قلبًا نابضًا بحب الحجر…عاطف كامل، رئيس العمال، ورفيق الأيام الصعبة.لم نترك اسمه يتلاشى.خصصنا له ركنًا في المتحف الافتراضي…
“ركن الوفاء لعاطف”وضعنا فيه صورته، أدواته، وتلك الهدايا الصغيرة التي كان يخبئها للأطفال الزائرين .يا أخي… الذاكرة لا تنسى الأوفياء.”
نحدثكم اليوم، لا لنخلّد الماضي فقط، بل لنرسم طريقًا لِغدٍ يعرف من أين أتى… وإلى أين يسير.
فالتراث ليس عبئًا نحمله، بل هو وقودٌ نُضيء به دروب المجهول. ولأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ كرامتها…
نقولها من جديد، باسم كل حجر أنقذناه، وكل حكاية دوّناها، وكل يدٍ امتدت لتبني بدل أن تهدم:
ذاكرة الوطن… أمانة في أعناقكم
