هل حقا المرأة ثرثارة
بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم
من المعروف دائما بأن المرأة تتحدث ، بل وتتكلم كثيرا وتوصف “الستات” بما تعودنا سماعه إنهن “رغايين” ، أو “ يقال إنها ست رغاية آوي ” … جملة تتكرر كثيرا وغالبا ما تكون صادرة عن رجل .
وإذا حاولنا أن نتوقف ونتأمل عند هذه الجملة ، قد يسترعي انتباهنا في البداية كلمة “رغاية” والتي ربما يعتقد البعض أنها مستنبطة من الرغوة أي أن المرأة التي تتكلم عمال علي بطال تبدو وكأن هناك مسحوقا في فمها لا يتوقف عن إصدار رغاوي من الكلمات والجمل التي لا نهاية لها ..
ولكننا عندما قمنا بالبحث في المعجم اللغوي اكتشفنا أنها مستمدة من كلمة “رغاء” التي تعني كثير الكلام ، وذلك الي جانب معان آخري مثل جهير الصوت ، صوت الرعد العنيف ، صوت بكاء الطفل الشديد ، وكلها كما نري أصوات مزعجة …
ثم تقودنا الجملة ذاتها إلي التفكير في ذلك التمييز الذي يصر علي الربط بين النساء والثرثرة ، وذلك اعتمادا علي النظريات القديمة التي تتعلق بالتفوق اللغوي للإناث واهتمامهن بالتفاصيل واعتمادهن علي الحديث كوسيلة للتواصل والتعبير عن مشاعرهن وتوطيد العلاقة مع الطرف الآخر . وذلك بالاضافة إلي كثير من القصص الشعبية الموروثة في معظم الحضارات والتي تفننت في وصف لسان المرأة أو تشبيهها بالمذياع .
ولكننا عندما توجهنا للبحث العلمي ، وجدنا أنه حديثا أجري باحثان أمريكيان دراسات مستفيضة بمراجعة 56 دراسة تتعلق بالثرثرة أجريت في عقود مختلفة ، واكتشفا أن دراستين فقط أظهرتا أن النساء يتحدثن أكثر من الرجال ، في حين أظهرت 34 دراسة آن الرجال يتكلمون أكثر ، وأوضحت 16 دراسة أن الجنسين متساويان ، بينما أشارت 4 دراسات إلي أنه لا توجد فروق واضحة بينهما .
وبعد تبرئة النساء من وصمة الانفراد بالثرثرة جاءت دراسة آخري ركزت علي ظاهرة “ إدمان الحديث “ وهو مصطلح علمي ظهر في عام 1993 ، لتظهر أن ذلك النوع من الإدمان لا علاقة له بالطباع أو السلوك أو أسلوب التربية ، ولكنه يتعلق باختلال في موجات المخ وتحديدا في درجة التوازن في نشاط الخلايا العصبية في الفصين الأيمن والأيسر في الدماغ . فإذا كان الفص الأيسر هو الأكثر نشاطا اتسم الشخص بالخجل ، وإذا كان الأيمن هو النشط تحول الشخص إلي ثرثار .
وكما نري أن هذه الدراسة ترفع كثيرا من الظلم الواقع علي مدمني الكلام ، فهي تظهر أن الأمر ليس بيدهم وأن الاختلال في توازن خلايا مخهم العصبية هو السبب ..
كما أنها ترفع عن النساء حزمة من الاتهامات كالأنانية والغرور والنرجسية حيث غالبا ما تقترن الثرثرة بصعوبة في الاستماع للآخر أو حتي منحه فرصة للكلام ، كما أن الثرثار يفتقر إلي القدرة علي ملاحظة الإشارات التي تصدر عمن حوله والتي تعكس تململهم من حديثه و أن عليه أن يتوقف فورا .
ولكن ما جاء في هذه الدراسة لا يعني أبدا ألا يحاول من يعاني إدمان الكلام العمل علي الحد من التأثيرات السلبية التي تلحقها ثرثرته بقدرته علي التواصل وبالتالي علاقاته بالآخرين .
ويقدم آحد الكتب الذائعة في هذا الاتجاه وهو كتاب : قوة أن تغلق فمك في عالم يعج بالضوضاء ، بعض النصائح التي قد تساعد الثرثار في ممارسة الصمت في بعض الأحيان …
ولنذكر أهمها :
التعامل مع الكلمات كأنها نقود يجب إنفاقها بحكمة ، والتدريب علي التقاط الأنفاس وعدم الانتقال السريع من فكرة لآخري لمنح المستمع فرصة للأستيعاب ، وتعلم مهارات الإنصات الجيد التي منها تعلم التركيز ومحاولة فهم ما يقوله الآخر وليس مجرد سماعه لاقتناص أي فرصة للتعقيب والعودة للاستحواذ علي الحديث مرة آخري ، وكما يمكنه أيضا تعلم التحضير المسبق لأي اجتماع أو حدث جماعي في مجال العمل بتحديد نقاط للتحدث عنها دون استرسال ..
ويؤكد المؤلف في هذا الكتاب أن تلك النصائح لن تقضي علي إدمان الكلام تماما ولكنها ستؤدي بدون أدني شك إلي التحكم في الثرثرة .
