العبور بين الفكرة والوجود:

صورة واتساب بتاريخ 1447 05 29 في 19.52.39 6b0aa373

العبور بين الفكرة والوجود: قراءة ذرائعية في النص المفتوح "من انكسار الضوء تولد" للكاتبة السورية جنان الحسن

بقلم الدكتورة/ عبير خالد يحيى

صورة واتساب بتاريخ 1447 05 29 في 19.53.18 4a9d1588



     يأتي نص أستاذة جنان الحسن “من انكسار الضوء تولد” من جنس الخاطرة أو النص المفتوح من نوع النصوص التأملية ذات الطبيعة الانسيابية التي لا تتقيد بصرامة البنية السردية، بل ترتكز على جماليات اللغة والصورة والإحساس.

 في هذا النص، يُعاد تشكيل العالم عبر تقاطعات داخلية بين الصورة والمجاز، بين الواقع الجريح والشعرية المتوهجة، في فضاء تعبير يتماس مع شعرية النثر، ليصوغ تجربة ذاتية ـ جماعية، تتأرجح بين الألم والأمل، وبين الفناء والولادة.

النص يشكل لوحة فسيفسائية من الصور المتجاورة، تربط بينها الخيوط الرمزية والظلال الحسّية التي تصنع من كل مشهد قصة تُروى بوعي عاطفي وفكري، وتتحول معها الفكرة إلى مادة حيّة تستمر رغم الألم، كما يولد الضوء من انكساره.


تجنيس النص (تحديد الجنس الأدبي):

كما أسلفنا، النص من جنس الخاطرة المفتوحة ذات النزعة الشعرية، تجمع بين السرد المقتضب والصورة الشعرية والتأمل الفلسفي.

خصائص هذا التجنيس:

انسياب الوعي: وحدة المشهد الشعوري لا الحدثي.

لغة إيحائية مشبعة بالرموز والانزياحات.

الحفر في العاطفة: رصد لحركة الوعي والذاكرة.

التنوّع المشهدي: مرونة في الانتقال بين المشاهد دون ترابط حكائي جامد.

غياب الحبكة التقليدية. 

انفتاح الخاتمة على حالة تأملية مغلقة الانفعالات مفتوحة التأويل.

هو نص يتحرك بين الشعر والسرد، لكنه لا يستقر في أي منهما. 


1- البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية

تفصح البؤرة عن إرادة مقاومة الانطفاء رغم الألم، وإرادة الاستمرار رغم الفقد والانكسار. 

“لم تنطفئ الفكرة بعد” تتكرر كمانترا (Mantra)  للحياة. بمعنى أن الفكرة- الرمز المركزي – لا تمون مهما تكاثر الليل أو اشتد البرد أو عصفت الحرب. 

النص يحمل قلقًا وجوديًا يمر عبر صور مفعمة بالحياة رغم القسوة:

ندبة المحارب والحكاية، الطفل وكسره للموت باللعب، العازف الذي يحوّل الألم إلى موسيقى، المرأة التي تعيد تشكيل مصيرها زواجًا من الذئب…

القيم الأخلاقية هنا تتجسد في الصمود، الأمل، إعادة تشكيل الذات رغم الفقد، والقدرة على تحويل الألم إلى فعل فني أو وجودي.

 شاهد:

“عاد من الحرب بندبة وحكاية وبندقية فارغة

كلما أوجعته الندبة أطلق عليها رصاصة

وجلس يرقب الصباح ..”


2- المستوى البصري (المستوى الأقوى في النص)

يمتلك النص طاقة بصرية عالية، تُحوّل الجملة إلى لقطة، والمشهد إلى لوحة، واللغة إلى كاميرا حساسة.

1. الصورة الطبيعية

“زهرة إقحوان صفراء

استطالت قامتها عاليا

من شق صغيرة في حجر كبير”

لوحة كاملة: زقاق، حجر، زهرة صفراء، نمو متحدٍّ.

2. الصورة الكونية

“إلا نجمة وحيدة

تستوطن الجهة الأخرى لنافذتي”

النجمة هنا ليست جسمًا سماويًا فحسب، بل كيان عاطفي.

3. الصورة الحركية

“طفل صغير يقذف المياه بحجر صغير

تتسع الدائرة

يلقي ضحكته بها”

حركة الماء، الدوائر، الضحكة  ← ديناميكيات حياة.

4. الصورة الرمزية – الحيوانية

“عشقت صديقتي رجلًا طاووسًا

التقطها عقاب ذو عنفوان

تزوجت ذئبًا”

هنا تتحوّل الحيوانـات إلى رموز نفسية واجتماعية.

5. الصورة الختامية – التجريدية

“أمسيتُ فكرة

توقفت الحياة عن تداولها”

صورة ذهنية ترتقي فوق الجسد والزمان.

الحكم الذرائعي:

المستوى البصري مكثّف، عضوي، مترابط، ويُعدّ العمود الفقري لبنية النص.


3- المستوى اللغوي والجمالي:

لغة تعتمد على الانزياح الدلالي ( معاني بعيدة)

المفردات: غنية حسّيًّا، مشبعة بالصور الطبيعية والحركية (“إقحوان”، “شق حجر”، “نجم”، “ضحكة تتسع في الدائرة”)

حضور قوي للألوان ( الأصفر، الأبيض، الأزرق)

العلاقات اللغوية: لغة مجازية تعتمد على استعارات وانزياحات:

 “في عين الموسيقى مخرز ألم

ينسج العازف به نوتاته الموسيقية”

الإيقاع الجمالي: يتأتّى من التكرار، تكرار مفتاحي  (“لم تنطفئ الفكرة بعد”)، وتتابع الصور في وحدات قصيرة منتظمة، تشبه النبض.

 شاهد:

“في ليالي الشتاء الطويلة

تغفو كل النجوم في أحضان الغيمات

إلا نجمة وحيدة

تستوطن الجهة الأخرى لنافذتي

وكل قلبي

هي أنت ..”


4- المستوى الديناميكي (التقني):

تقنية تقطيع الصورة بطريقة تشبه المونتاج السينمائي، حيث تعتمد على مشاهد منفصلة متصلة بالفكرة الكلية.

تقنية التوالد الصوري: انتقال من مشهد إلى آخر دون فواصل سردية. 

التنقل بين الداخل والخارج: الانتقال السلس بين ذاتية الراوي وموضوعية المشهد.

شاهد:

” برد شديد على الرصيف

قدماي وقط صغير تائهان في المحطة “

توظيف رموز عميقة مثل: الطفل، الندبة، الإقحوان، الطاووس، الذئب، الموسيقى، الحرب كخيوط بنائية.

تخلق الكاتبة روابط معنوية خفية تجمع بين الصراع والأمل والحياة والموت عبر حركة الأفكار لا الحدث.

 شاهد:

“على الشاطئ المهجور

طفل صغير يقذف المياه بحجر صغير

تتسع الدائرة

يلقي ضحكته بها

ويعود ليكسر الموت ..”


5-المستوى النفسي:

يتحرك النص تحت سطحه العاطفي بتوتر نفسي، يتراوح بين:

الحنين-الخوف-العزلة-الأمل-الانكسار-إرادة البقاء

التخييل النفسي يتجلّى في أن كل مشهد هو انعكاس لجرحٍ ما أو شفاءٍ ما.

شاهد:

“في ليالي الشتاء الطويلة

تغفو كل النجوم… إلا نجمة وحيدة”

هنا تظهر العزلة العاطفية بوضوح.

كما أن النص مفتوح على لاوعي الكاتب/الراوي، حيث يعبر عن شخص متأثّر بهول التجربة الإنسانية، لكن لديه إرادة لاستمرار المعنى.

محور التحوّل: من فقدان المعنى إلى التحوّل إلى “فكرة” بمعنى رمزي وجودي، يتوازى مع رمزية الولادة من انكسار الضوء.

 شاهد:

“فقط أنا وحدي

أمسيتُ فكرة

توقفت الحياة عن تداولها ..”

6- المستوى الإيحائي الرمزي:

الزهرة التي تنبت من شق الحجر ← رمز للصلابة والمرونة

الطفل الذي يكسر الموت← الصدق الخام للسعادة البريئة

العازف والمخرز ← الفن بوصفه فعلاً في مواجهة الألم

المرأة التي تزوجت ذئبًا ← إرادة البقاء عبر التحول الذكي والمكر الأنثوي

النجمة الوحيدة ←الحبّ الضائع أو الباقي رغم الغياب

الصورة الأخيرة: الذات تتحوّل إلى فكرة، تتجاوز الجسد والوجود، تبقى في ذاكرة القارئ…

كل هذه الصور تربط النص بالرمز المركزي: الانبعاث من الفقد.


 التجربة الإبداعية:

     تظهر الكاتبة وعيًا بالكتابة بوصفها فعل مقاومة للعدم والخذلان. 

تعيد تشكيل صور الحياة بعين رومانسية ـ رعوية، لكنها واعية بجرح الإنسان المعاصر.

 النص متصل بمجتمعه وذاكرته (الحرب، الحب، الانكسار، الطفولة، الأرض، التراث الغنائي الفراتي)، لكنه في الوقت نفسه شخصي شديد الذاتية، يصلح لجمهور يحب الانسياب الحر والكثافة الرمزية.

تتقاطع التجربة بين الذات ومحيطها، بين الحنين ووعي الفناء، وبين الغنائية والتحذير من السكون:

“لم تنطفئ الفكرة بعد” هو صدى للروح التي تظل ترى احتمالاً للمعنى في وجه الانهيار.

في الختام:

     نص “من انكسار الضوء تولد” يقدم لنا نموذجًا للخاطرة الشعرية ذات البعد التأملي العميق، حيث تلتقي التجربة الذاتية بالمشهد الكوني والإنساني. إن النص إذ يستعيد فكرة الانبعاث من خلال تكرار “لم تنطفئ الفكرة بعد”، يُصرّ على تثبيت الأمل مهما اشتدت العتمة. 

ضمن مستويات ذرائعية متكاملة، يعرض النص رحلة عبر الصور المجازية والحوادث الصغيرة، ليعيد تشكيل نهاية مفتوحة: حيث لا تتوقف الحياة عن الدوران، وإنما تتوقّف عن تداول الفكرة… لتنتقل إلى مستوى جديد من الوجود: في ذاكرة القارئ.

مع التحية لـ جنان الحسن ونصّها المشع بنوره من انكسار الضوء.


                      


النص :

“من انكسار الضوء تولد” لجنان الحسن 


لم تنطفئ الفكرة بعد

في زاوية الشارع المجاور لبيتنا زهرة إقحوان صفراء

أرشقها بقبلة كلما مررت من جانبها

استطالت قامتها عاليا من شق صغيرة في حجر كبير ..


في ليالي الشتاء الطويلة

تغفو كل النجوم في أحضان الغيمات

إلا نجمة وحيدة

تستوطن الجهة الأخرى لنافذتي

وكل قلبي

هي أنت ..


على الشاطئ المهجور

طفل صغير يقذف المياه بحجر صغير

تتسع الدائرة

يلقي ضحكته بها

ويعود ليكسر الموت ..


لم تنطفئ الفكرة بعد

عاد من الحرب بندبة وحكاية وبندقية فارغة

كلما أوجعته الندبة أطلق عليها رصاصة

وجلس يرقب الصباح ..


في عين الموسيقى مخرز ألم

ينسج العازف به نوتاته الموسيقية

وحدهم أطفال المدرسة المجاورة يكتبون موسيقاهم بأقدامهم كل صباح

وهم يرقصون بكامل الضجيج ..


في صباها عشقت صديقتي رجلا طاووسا

نسيها على ضفة النهر

التقطها عقاب ذو عنفوان

ولأنها من فصيلة الثعالب

تزوجت ذئبا


ما زلت أرى وجوه بنات ذلك الرجل

الذي كان يعمل في مزرعة أبي

هو وعائلته

كلما سمعت مواويل النهر

وأغاني الموليه الفراتية ..


مثل أعواد خيزران متشابكة ذراعاي

برد شديد على الرصيف

يقطر بتأنٍ

قدماي وقط صغير تائهان في المحطة

منذ ولد الشتاء


لم تنطفئ الفكرة بعد

فقط أنا وحدي

أمسيتُ فكرة

توقفت الحياة عن تداولها ..


مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *