أقداركم تُأخذ من أفواهكم
بقلم الكاتبة/ فاطمة قوجة
كم من كلمة خرجت بغير قصد، فصارت قدرًا! … وكم من دعوة صادقة هُمس بها ليلًا، فاستجيبت عند الفجر! نحن نظن أننا فقط نتكلم، بينما القدر يصغي… نرمي كلمات عابرة، وننسى، لكنّ السماء لا تنسى،والكون لا يخذل من صدق، ولا يغفل عمن دعا.
منذ أن وُجد الإنسان، وهو يتأمل في أسرار الكون، ويتساءل عن الغيب، ويقف طويلًا عند مفترقات الحياة: لماذا يحدث كذا؟ ولماذا لا يحدث كذا؟ وبين السؤال والجواب، تظل منظومة القدَر واحدة من أعظم القضايا التي تحيّر العقل وتشغل القلب. وقد يظن البعض أن القدر مسألة مغلقة، لا يد لنا فيها، غير أن الحقيقة أوسع وأعمق من ذلك. فكما قال أحدهم: “أقداركم تأخذ من أفواهكم”، في إشارة خفية إلى أن للكلمة دورًا في صناعة الطريق، وللدعاء والنية أثرًا في تشكيل المصير. والإنسان يتأمل في مصيره، ويتساءل عن مستقبله، ويحاول فهم ما تخبئه له الأيام. وتبقى قضية القدر واحدة من أكثر المفاهيم عمقًا وإثارة للتفكر، لأنها تمسّ جوهر وجودنا، وتحكم تفاصيل حياتنا، من لحظة الولادة حتى الممات.
أيمكن أن تكون كلماتنا دعائم لما سنلقاه، وألفاظنا بذورًا لما نعيشه؟ لنقترب من المعنى أكثر.
أكثر تعمقاً.. كيف نفهم القدر…؟
القدر في المفهوم الإيماني هو علم الله الأزلي بكل ما كان وسيكون، وهو ما كُتب في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلق الإنسان. ومع ذلك، أعطانا الله حرية الاختيار، ومساحة واسعة للسعي، والدعاء، والنية، والرجاء، والتغيير، وبهذا يتحقق التوازن بين القضاء المحتوم، وبين دور الإنسان في رسم ملامح حياته.
حين نقول: “أقداركم تأخذ من أفواهكم”، فنحن لا نعني أن الإنسان يخلق قدره بالكلمة، ولكننا نؤمن أن للكلمة أثرًا، وللدعاء قوة، وللنية أثرًا خفيًا في صناعة الطريق. أليست الكلمة الطيبة صدقة؟ أليست دعوة الأم تصنع الفرج؟ أليس تفاؤلك بكلمة “سيكون خيرًا” يفتح لك بابًا للطمأنينة والعمل؟ بل إن رسول الله ﷺ قال: “لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم.”
إننا كثيرًا ما نُسقط قدرنا بأنفسنا حين نُكثر من التذمر، أو نُكرر كلمات اليأس، أو نردد عبارات الهزيمة. ومع الوقت، تتحول تلك الكلمات إلى قناعة، ثم إلى فعل، ثم إلى نتيجة… وكأن الكلمة كانت بذرة لقدرٍ جديد.
وفي المقابل، كم من إنسان تمسّك بالأمل، وكرر الدعاء، وتحدث عن الرجاء، حتى تغيّر واقعه. لا لأن الكلمات تملك قدرة سحرية، ولكن لأنها تعبّر عن إيمان داخلي، واستعداد للعمل، وصدق في الطلب، وهو ما يجعل الدعاء مفتاحًا، والكلمة طريقًا، والنية بداية لكل قدر جديد.
“اللسان حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك.”
– الكلمة قد ترفع قدرك أو تدمّرك، فاحذر ما تقول.
القدر بين العلم الإلهي والاختيار البشري:
في العقيدة الإسلامية، نؤمن بأن كل ما يقع في هذا الكون هو بعلم الله وتقديره، وأن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، لا يخرج عنه شيء. ومع ذلك، لم يُلغِ الله إرادة الإنسان، ولا سعيه، ولا دعاءه، بل جعله جزءًا من منظومة القدر. فالله كتب الأقدار، لكنه أمرنا بالدعاء، والعمل، والتوكل، والنية الصالحة، وكأن القدر ليس سدًّا محكمًا، بل نهرًا له مجاريه، ونحن نختار أيّ ضفة نسلكها.
“أقداركم تأخذ من أفواهكم”… الكلمة تصنع المصير:
كم من مرة قلنا فيها: “أنا فاشل”، “لن أنجح”، “لا فائدة من المحاولة”، فإذا بالحياة تعكس لنا هذه الكلمات على هيئة واقع نعيشه! وكم من مرة رفعنا أيدينا وقلوبنا وقلنا: “يا رب، ارزقني”، “أنا أستحق الأفضل”، “سيكون الغد أجمل”، فإذا بالأقدار تفتح لنا أبوابًا ما كنا نظن أنها ستُفتح.
ليست هذه صدفة، بل هي سنة من سنن الحياة، إذ للكلمة أثر في النفس، والنية، والعمل، والتصرف. الكلمة تتحول إلى فكرة، والفكرة تتحول إلى شعور، والشعور يتحول إلى قرار، والقرار يقودنا إلى فعل، والفعل يصنع القدر الذي نعيشه.
من القرآن والسنة:
الله سبحانه يقول في كتابه: ادعوني أستجب لكم وقال أيضًا: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والنبي محمد ﷺ قال: لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. وقال أيضًا: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه.” كل هذه النصوص تشير إلى أن ما يخرج من أفواهنا، وما ينوي القلب صدقه، له أثر في قَدَرنا، وأن الكلام ليس عابرًا، بل هو مفتاح من مفاتيح التغيير.
“أنت نتيجة أفكارك، وما تقوله يُشكّل عالمك.”
الأثر النفسي والاجتماعي للكلمة
عندما نعيش في بيئة تتردد فيها كلمات السلبية والتشاؤم والضعف، نرى مجتمعًا منهكًا، فاقد الثقة، خائفًا من المستقبل. لكن حين تنتشر كلمات الإيجابية، والدعاء، والأمل، والتحفيز، نرى مجتمعًا نابضًا بالحياة، يتحرك، يسعى، ويؤمن بأن الأفضل ممكن. الكلمات لا تغيّر الأقدار وحدها، لكنها تخلق عقلية جديدة، وتُلهِم سعيًا مختلفًا، وتغرس في القلب طمأنينة تدفع الإنسان نحو الأفضل.
فهناك طاقة هائلة تتجاوز حدود الحروف والأصوات، فهي قادرة على شفاء النفوس أو جرحها، على بناء الجسور أو هدمها، وعلى رفع الروح أو إسقاطها في هوّة الإحباط. ليست الكلمة مجرد أداة تواصل، بل هي أداة تشكيل للعقل والوجدان، وقوة تغيير في النفس والمجتمع.
على الصعيد النفسي، قد تُنقذ كلمة شخصًا من الانهيار، وقد تزرع فيه الأمل بعد اليأس. كم من نفسٍ حزينة ارتفعت بمعنى بسيط كـ “أنا معك”، وكم من قلبٍ مكسور انكسر أكثر بسبب جملة قاسية خرجت دون تفكير. الكلمة تمسّ المشاعر بعمق، وتبقى محفورة في الذاكرة سنوات، سواء كانت مدحًا أو ذمًّا، حبًّا أو تهديدًا، دعمًا أو تقليلًا.
فالكلمة تُؤسّس للثقافة العامة، وتُحدّد شكل العلاقات بين الناس. فالمجتمع الذي تسوده كلمات الاحترام، والتشجيع، والحوار الراقي، هو مجتمع متماسك، منتج، متسامح. بينما المجتمعات التي تنتشر فيها لغة السخرية، والتنمّر، والإهانة، تعاني من العنف، والانقسام، والجهل. لقد جعل الله للكلمة أثرًا لا يُستهان به، حتى في الدين: فبكلمة يُصبح الإنسان مسلمًا، وبأخرى قد يخرج من الملة. بكلمة يُحلّ عقد النكاح، وبأخرى يُطلّق. بكلمة يُعلن الصلح بين قبيلتين، وبأخرى تندلع الحروب.
لذلك، فإن الوعي بقيمة الكلمة مسؤولية فردية وجماعية، وعلى كل فرد أن يدرك أن ما يقوله قد يُلهِم، وقد يُدمّر، وقد يُصنَع به قدرٌ جديد له أو لغيره.
الخاتمة
إن الكلمة ليست مجرّد صوتٍ عابر أو حرفٍ منطوق، بل هي بذرة تنغرس في أرض النفس، لتثمر في قدر الإنسان عاجلًا أو آجلًا. وإن كنا لا نملك أن نغيّر كل ما كُتب لنا، فإننا نملك أن نُحسن القول، ونجوّد النية، ونرفع أيدينا بثقة إلى السماء، لأن أقدارنا قد تبدأ من ألسنتنا.
فاختر كلماتك كما تختار طريقك، وتحدث كما تُحب أن يكون قدرك، وادعُ كما لو أن الله يسمعك الآن – لأنه يفعل. وقل خيرًا، تفكر خيرًا، تؤمن بالخير… فرب كلمة تغيّر قدرك كله. لأنك مهما ظننت أن الكلام يذهب في الهواء… فإن السماء لا تنسى. إن القدر ليس بعيدًا عنا كما نظن، ولا هو أمر مغلق لا يد لنا فيه. نحن نعيش بين قضاء مكتوب، وخيارات مفتوحة، وألسنة ناطقة، وقلوب داعية، وأيدٍ تسعى. ولأن الكلمة قد تتحول إلى مصير، فلنحرص على أن تكون كلماتنا نقية، مليئة بالثقة بالله، والإيجابية، والتفاؤل، والدعاء.
فمن يدري؟ ربّ كلمة تقولها اليوم، تُفتح بها أبواب الخير غدًا… لأن أقداركم، كما قيل، تأخذ من أفواهكم.
“ليس كل ما يُقال يُقال، وليس كل ما يُقال يُصدّق.”
القدر طريق لا نختاره، لكن نختار كيف نسير فيه … فالحياة قد ترسم لنا طرقًا، لكن ردود أفعالنا تصنع الفرق … وحين تؤمن أن كلماتك تُشكّل واقعك، تبدأ بالحديث بوعي … فأنت تدرب العقل على النطق بالإيجابي يجذب الخير.
القدر طريق …القدر طريقٌ لا نختاره، لكننا نختار كيف نسير فيه. فالحياة قد ترسم أمامنا دروبًا لا نعرف أين تنتهي، لكن ردود أفعالنا هي التي تصنع الفرق. وحين نؤمن أن الكلمات تخلق واقعنا، نبدأ بالحديث بوعي، فنُدرب عقولنا على النطق بالإيجابي، ونُهذّب أفكارنا لتجذب الخير. فكل كلمة نُطلقها هي بذرة، وكل نية نزرعها تجد طريقها لتزهر في حياتنا يومًا ما. لذا، اختر كلماتك كما تختار مستقبلك، بثقة، وهدوء، وإيمانٍ أن الخير يأتي في وقته.
في الحياة، لسنا دائمًا من نختار الأحداث، لكننا بالتأكيد من نختار الطريقة التي نتعامل بها معها. فبين كل بداية ونهاية، مساحة صغيرة تمنحنا حرية القرار؛ أن ننهار أو نتعلّم، أن نحزن أو ننهض، أن ننتظر أو نصنع الطريق. نحن لا نملك تغيير القدر، لكننا نملك أن نجعله أجمل باختياراتنا، بكلماتنا، وبالطاقة التي نمنحها للعالم. فالإيجابية ليست تجاهلًا للألم، بل إيمانٌ بأن وراء كل تجربة رسالة، ووراء كل تأخير خير، ووراء كل خسارة بداية جديدة. الحياة تُصغي لمن يتحدث معها بحب، فاحكِ لها بلغة الرجاء، وستجيبك بلغة الفرح.
وفي النهاية، تبقى الحياة رحلة من الدروس المتتالية، لا نتحكم بكل ما يأتي فيها، لكننا نستطيع أن نحسن السير خلالها. فالإيمان لا يعني أن كل الطرق سهلة، بل أن في كل طريق معنى يستحق أن نكمله. تعلمنا التجارب أن ما نفقده لا يضيع عبثًا، وأن ما ننتظره يأتي في اللحظة التي تكتمل فيها أرواحنا لاستقباله. لذلك، امضِ بخطوات هادئة، وثقي أن ما كتب لك لن يخطئك، وأن النور يجد طريقه دائمًا إلى القلوب التي اختارت أن تبقى مؤمنة رغم كل شيء.
