روح مصر: حضارةٌ متواصلة عبر العصور
بقلم الدكتور/ حسين عبد البصير- مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية
روح مصر ليست مجرد معنى رمزي أو تعبير أدبي يمكن الإمساك به بكلمات قليلة. روح مصر هي حضارتها المستمرة عبر العصور، تلك الحضارة التي لم تنقطع لحظة واحدة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا. وفي كل مرة نحاول فيها فهم سرّ هذه البلاد، نكتشف أن روحها ليست إلا هذا الإرث المتصل الذي لم يعرف السقوط، ولم يسمح للزمن أن ينتصر عليه.
فعلى عكس كثير من حضارات العالم التي ظهرت ثم اختفت، ازدهرت ثم تلاشت، بقيت الحضارة المصرية حالة فريدة من الامتداد التاريخي. هي حضارة امتلكت القدرة على التجدد دون أن تفقد جوهرها، وعلى التطور دون أن تنسى أصلها، وعلى التفاعل مع كل عصر دون أن تتخلى عن هويتها الأولى.
منذ الأسرة الأولى وحتى نهاية العصر الفرعوني، ثم الحقبة البطلمية فالرومانية، ثم العصر القبطي، فالإسلامي بأدواره المتنوعة من عمرو بن العاص إلى المماليك والعثمانيين، وصولاً إلى مصر الحديثة… لم تتوقف مصر عن إنتاج الفكر، والفن، والعمارة، والدين، والهوية. لم تعرف الانقطاع، ولم تكن أرضًا بلا تاريخ في أي مرحلة من مراحل وجودها.
وهذا الامتداد نفسه هو ما يشكل روح مصر الحقيقية.
هذه الروح نجدها في خطوط المعابد المنحوتة في الصخر، وفي زخارف الكنائس، وفي فنون المساجد، وفي الأزقة القديمة، وفي اللغة اليومية التي ما زالت تحمل في كلماتها بقايا من المصرية القديمة. نجدها في الوعي الشعبي، في الأغاني، في الأمثال، في طريقة المصري في النظر إلى الحياة. كل ذلك ليس إلا انعكاسًا لحضارة تراكمت طبقات فوق طبقات، دون أن يزيل عصرٌ أثار عصرٍ آخر، بل أضاف إليه.
وحين نتأمل مصر اليوم، نجد أن هذا الخيط الحضاري المتواصل هو الذي يعيد تشكيل الوعي الوطني المعاصر. فالدولة المصرية في السنوات الأخيرة أعادت الاعتبار لهذا الامتداد الحضاري، بوصفه ليس فقط ماضيًا نحتفي به، بل طاقةً حية نستنير بها. إعادة ترميم المواقع الأثرية، اكتشافات سقارة التي أذهلت العالم، موكب المومياوات الملكية الذي أعاد لملوك مصر حضورهم المهيب، تجهيز المتحف المصري الكبير ليكون أيقونة عصر جديد… كلها جهود تؤكد أن مصر لا تستحضر ماضيها للزينة، بل لتأكيد انتمائها إلى حضارة متصلة منذ آلاف السنين.
لقد فهمت القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن قوة مصر في هذا الاستمرار الحضاري، وفي تحويله إلى مشروع وطني شامل. فالأمم لا تنهض بذاكرة مبتورة، بل بتاريخ ممتد. ولا تحقق التنمية الشاملة دون جذور معرفية وثقافية تضمن لها الثبات والخصوصية. ولذلك أصبحت حماية التراث، وتعزيز الهوية، وإحياء روح الحضارة المصرية ركائز أساسية في الفكر الثقافي للدولة.
إن روح مصر ليست حجراً ولا تمثالاً ولا معبداً واحداً، بل هي هذه السلسلة المتصلة التي تجمع كل تلك العناصر في سياق واحد ممتد. هي تلك القدرة العجيبة على أن يكون الماضي حاضرًا دون أن يعيق المستقبل، وأن يكون الحاضر امتدادًا واعيًا لماضٍ خالد.
كلما وقف المصري أمام لوحة فرعونية أو محراب مسجد أو قبة كنيسة أو شارع تاريخي، فإنه يشعر بشيء يتجاوز الجمال. يشعر أن هذا كله ينتمي إليه. أن هذه الحضارة ليست تاريخًا يقرأه، بل روحًا يحملها.
هذه هي روح مصر الحقيقية:
روح حضارةٍ لم تنقطع، لم تتبدل، ولم تُهزم أمام الزمن.
روحٌ خلّدتها الأهرام، وأحيتها الكنائس، وزخرفتها المساجد، وتعيد اليوم الدولة المصرية تقديمها للعالم في ثوب جديد يليق ببلدٍ خلق الحضارة، ولا يزال يصنعها.
