مبادئك الفولاذية

صورة واتساب بتاريخ 1447 06 07 في 19.20.31 a0eb8ec4

مبادئك الفولاذية

بقلم الكاتبة/ يسرا النوبي

WhatsApp Image 2024 09 20 at 19.59.00 7b7c4f12

مبادئك الفولاذية… ألم تبدُ يومًا أقلَّ قسوة مما هي عليه الآن؟

متى أدركتَ صعوبة التمسّك بها؟ ومتى لاحظت ذلك التناقض الذي بدأ يتسرّب إليك رويدًا رويدًا؟


أعلم أن السنوات الأخيرة بدت وكأنها انقلبت في ليلة وضحاها. ربما لأنك كبرت، أو لأن الوزن فوق كتفيك صار أثقل بكثير. لم يعد هناك جنود ولا عتاد، لا أحد يواجه عنك العاصفة. أنت وحدك… بصدرٍ عارٍ أمام فوهة البنادق. إمّا أن تخدع الرصاصة وتنجو، أو تخدعك هي وتطرحك أرضًا.


في السابق كان كل شيء أبسط. طفلٌ صغير يركض في أرجاء بيته، يحتمي خلف إخوته ووالديه، لا يحمل للدنيا همًّا ولا يقف أمام اختيارات تُثقل الروح. لم تكن هناك امتحانات في المبادئ ولا اختبارات في القيم؛ كانت المدينة الفاضلة التي يسكنها طاهرة لم يدنّسها العالم بعد. كان الكذب والسرقة بالنسبة له من الكبائر، كأنهما أعظم ما يمكن أن يختبره القدر يومًا: أن يقول الحقيقة ويتحمل عواقبها، وأن لا يمد يده إلى ما ليس من حقّه.


لم يتخيل يومًا أن يدور الزمن ويضعه أمام اختيارات أكثر قسوة بكثير. كانت المبادئ واضحة، مرسومة بالأبيض والأسود فقط. أما اليوم فكل شيء باهت… امتزج الأبيض بالأسود وتداخلت الألوان حتى لم يعد يميّز بينها. أصبحت الاختبارات أصعب، وصارت الشعرة بين الصواب والخطأ أرفع وأحدّ، جارحة بما يكفي لتمزّق يقينه.


أين ذهبت تلك المبادئ الصلبة، والمثل العليا التي كان يلفّها حول عنق شيطانه ليخنقه كلما همس في أذنه؟ أين ذهبت قناعته بأن المبادئ لا تتجزأ؟ هل تغيّرت المبادئ حقًا، أم أن الاختبار نفسه صار أكثر قسوة وتعقيدًا؟


اللعبة تزداد صعوبة في كل مرحلة، وأنت تعلم هذا جيدًا. الفرق بين الوضوح والضباب أصبح لا يُرى إلا ببصيرة حادّة. تحتاج أن تميّز الأبيض من الأسود قبل أن تبتلعك الرمادية. تبدو الحياة كعقدة محكمة، لكن خيطها ما زال في يدك—ما عليك إلا أن تتبعه حتى تنحل.


هناك فقط ستدرك أن الاختبار لم يكن بالصعوبة التي تخيّلتها؛ أنت فقط تنضج. تعيد ترتيب حياتك القديمة وتشحن حقيبتك بخبرات جديدة؛ بعضها جاءك بجرح، وبعضها جاء بلا ألم. لا شيء ثابت، وكل شيء له وجوه متعددة، ولكل إنسان دوافع تقوده. تلك هي الحياة: تتأرجح بين خيرها وشرها، وأنت تجدف بقاربك بين شاطئيها محاولًا النجاة.


وفي النهاية… تقف أمام مرآتك متعجبًا. ما كنت ترفضه بالأمس بتعنّت، أصبحت اليوم تتقبّله وحتى تركض نحوه كأنه طوق نجاة. لم يعد الخطأ خطأ كما تراه، ولا الصواب صوابًا كما كان. تدور الأدوار، وتتبدل الوجوه، وتذوب جدران مبادئك الفولاذية أمام صلابة الواقع ووجهه العاري. هناك فقط تدرك أن صمود بعض المبادئ أمام أمواج الحياة العاتية… مجرد أكذوبة يرددها من لم يُختبر مثل اختبارك.


فهل تعرف يا صديقي… كم أكذوبة واجهت حتى الآن؟


مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *