أهداني أسورة

صورة واتساب بتاريخ 1447 06 06 في 23.58.20 c6e40601

أهداني أسورة

بقلم الدكتورة/ بلسم القارح-السودان

 

صورة واتساب بتاريخ 1447 04 24 في 23.37.28 29b7969c

 

 أشدّ أنواع الحنين… ذلك الذي لا يُقال، بل يُؤكل، ثم أسورة، منسوجة بذات الحنين، في بلدٍ قد يشبه وطني… وربما لا يشبه وطنه، التقينا

كنتُ أنا، السودانية القادمة من ضفائر النيل ودفء القصص، وهو فتى كيني بملامح متوجسة، وعينين ترقبان كل شيء كأنهما لم تألفا الأمان بعد.

لم نكن نعرف عن بعضنا شيئًا، سوى أننا غريبان في غربةٍ واحدة، وأن ظرفًا ما اضطرنا أن نقتسم جدران منزلٍ مؤقت.

فالأقدار لا تستأذن، فقط تُلقي بالناس جنبًا إلى جنب، وتدعهم يختبرون ما بقي فيهم من إنسانية.

بدأ بيننا كل شيء من الصمت.

لا سؤال يُطرح، ولا إجابة تُنتظر. فقط خطوات في ممرٍ ضيق، وأصوات خافتة في مطبخ مشترك.

كنتُ أنا، بطبيعتي التي لا تُجيد الحذر، أفتح أبواب الحديث بكلمة، ونافذة الود بابتسامة.

أما هو، فكان يراقبني من مسافة غير مرئية، كأنما يختبر صدقي مع كل حركة.

لم يكن الحذر موجّهًا لي تحديدًا، بل لعالمٍ بأكمله لم يتعود عليه بعد. وكنت أفهم ذلك، دون أن يُقال.

شيئًا فشيئًا، بدأ الجليد يذوب بصمت. صارت الابتسامة تُقابل بابتسامة، والسؤال بردّ مهذب، ثم بتعليقٍ خفيف.

حتى جاء اليوم الذي بدأنا فيه نتقاسم المهام اليومية بلا اتفاقٍ مسبق.

هو يذهب إلى المتاجر، بخفةِ شابٍ يعرف الزوايا، وأنا أعدّ الطعام بحبّ امرأة تحفظ الطهي كما تحفظ دعوات الجدّات.

كانت المائدة أول جسرٍ بيننا.

لم تكن فقط مكانًا لوضع الطعام، بل صارت مساحة للدهشة والاكتشاف، ولحوارٍ لا يحتاج إلى مترجم.

تعرفتُ من خلالها على طقوسهم في الطهي، على نكهاتٍ لم أذقها من قبل، وعلى عادات تطبخ الأرز بطريقة لا تشبه ما أعرفه — أرزًا يُطهى بالماء والملح، ثم يُسكب عليه الحليب والسكر دون أن تلتقي المكونات على نارٍ واحدة.

كان يراقب طريقتي في الطهي بفضول، وأراقبه بدهشة. ولم نكن نختلف، بل كنا نكتشف بعضنا بعضًا عبر الملاعق والبهارات.

كنت أقول له، مازحة:

في السودان، لا يُؤكل الأرز حتى تنضج الذاكرة معه.

وكان يضحك، وإن ظل على تحفظه من وصفاتنا.

لكنني كنت أنتظر لحظةً واحدة، أعرف أنها ستغيّر شيئًا ما: لحظة “الرز باللبن”.

هذا الطبق ليس مجرد حلوى في ثقافتنا.

إنه رسالة عائلية مطبوخة على نارٍ هادئة. طعمه ليس حلوًا فقط، بل دافئ، كصوت أمٍّ تدعو على مائدة الجمعة، أو لمسة يدٍ لا تزال تحتفظ بآثار دقيق وخميرة.

ثم قررتُ أن أعد “الرز باللبن”.

لم يكن قرارًا عابرًا، بل أشبه بنداء داخلي. هذا الطبق لا يُطبخ فقط، بل يُستدعى مثل دعاء الجماعات، مثل ذاكرة الأمسيات الدافئة.

كنت أؤمن دائمًا أن هذا الطعام، لو طبخته من أجل خمسة، سيكفي عشرة.

وأن رائحته تجلب زوّاره من غير موعد، كأن في قوامه سرًا خفيًا لا يقاومه من شمّه، ولو كان مارًّا على الطريق.

ولم يطل الانتظار…

في مساء اليوم نفسه، جاء أصدقاؤه من كينيا وتنزانيا، زائرين بلا تخطيط، كأن الطبق دعاهم من حيث لا ندري.

دخلوا بخجل واضح، وجوههم غريبة عن المكان، لكنها مألوفة بطريقة ما… كأنك تعرفهم من طفولة لم تكن لك.

حيّوني بتحية خفيفة، مترددة، كأنهم يعتذرون عن الدخول.

رددتها بابتسامة تشبه تلك التي يُستقبل بها الضيف في بيت طيني على أطراف مدينة كريمه أو في قريتي التي لا تنسى.

قال أحدهم لاحقًا، بنبرة فيها شيء من الحنين:

ابتسامتك تشبه الوطن

ساد صمت لوهلة بعد قوله ذاك، ثم تنفس الجميع دفعة واحدة.

كأن العبارة لم تكن عني وحدي، بل عنهم جميعًا.

كأن الوطن، بكل تعقيده وبعده، تسلل فجأة من بين الشفاه واستقر في صدر الغرفة.

قدّمت لهم القهوة. ترددوا، ثم تذوقوها على استحياء، لكن الحديث ما لبث أن انساب.

تحدثنا عن الفن، والديانات، والثقافات، وعن الأمهات اللواتي يشبهن بعضهن رغم الحدود، وعن الأطعمة التي تشبه الصلاة أكثر مما تشبه الوصفات.

ثم قدّمتُ الطبق.

وضعته أمامهم بهدوء، دون مقدمات، ودون أن أشرح.

كان في إناء عميق، تغلفه رائحة الفانيليا والقرفة، يشعّ بلونه الأبيض الناعم تنبعث منه طمأنينة لا تُقال.

ترددوا. توجسوا

أحدهم اقترب، شمّ الرائحة، ثم تراجع قليلًا. الآخر تبادل نظرات مع صديقه، وكأنهم يتأكدون أن لا خطر في هذا الطقس الغريب.

ثم جاء الفتى الأكبر، ذلك الذي يملأ الغرفة بهزارِه، لكنه لا ينجح في إخفاء حكمة تسكن عينيه.

تذوّق أول ملعقة… لم يعلق.

ثم ثانية… وسكت.

في الثالثة، وضع الملعقة، وأسند ظهره وقال بصوتٍ فيه رجفة طفيفة:

“جدتي كانت تصنعه لنا… نفس الطعم.

هذا ليس طعامًا… هذا زمن مضى.”

شعرنا أن الغرفة صارت أوسع، كأن الذكريات فتحت شبابيكها دفعة واحدة.

بدأ الجميع يأكل، لا من شهية، بل من حنين.

كان الطبق حلوًا، نعم، لكنه حفر في أجوافهم مرارة الغياب، ونعومة الطفولة، وخفّة الأيّام التي لا تعود.

ضحكنا، وبكينا بصمت.

لم نعلّق كثيرًا. فقط تركنا اللقمة تتحدث بلغتها الخاصة.

وحين انتهت الليلة، وتهيّأ كلٌ للرحيل، وقف أصغرهم أمامي.

لم يكن كثير الكلام طوال الجلسة، لكن عينيه كانتا تسجلان كل شيء.

مدّ يده، وفي راحته أسورة من خرز ملون. بسيطة في ظاهرها، لكنها مشغولة بعناية، حباتها تمثل ألوان علم كينيا، وخيطها مشدود كأن فيه نَفَسًا.

قالها لي كمن يضع شيئًا على القلب لا في اليد:

“ليست فقط وطنًا في معصمك…

بل هي شكرٌ لصديقةٍ صنعت طعامًا أعادنا لأنفسنا.”

صمتُّ، لا لأنني لا أملك ما أقول، بل لأن بعض الهدايا لا تُرد بالكلمات، بل تُحفظ كالأسرار.

شكرتُه، وشكرتُ بيتر — ذاك الفتى الذي جمعنا البيت، ثم جمعنا الطعام، ثم جمعتنا الذكرى.

لم يكن صديقًا فقط، بل بوابة صغيرة أطللتُ منها على عالمٍ كان بعيدًا… وصار أقرب.

ومنذ ذلك اليوم، ما زالت الإسوِرة تلفّ معصمي،

لا كزينة…بل كحكايةٍ تُروى بصمت،

عن لقمةٍ لم يُدعَ لها أحد، لكنها جمعتنا كلنا.

 

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *