حين نبت الضوء في صيدنايا
بقلم الدكتورة/ عبير خالد يحيى-سوريا
“إلى من غرسوا الأمل في أرضٍ ظنها العالم ميتة…”
لم يكن يعرف أن ديسمبر، شهر الموت الأبيض، سيمنحه حياة جديدة.
في ليل السابع منه، رتّب بطانيته كمن يُعدّ طقوس مغادرته الأخيرة، وسقا نبتته القابعة في زاوية الزنزانة آخر قطرة ماء خبّأها عن العسس.
كان اسمه في قائمة الإعدام.
في الثامن من ديسمبر.
لم يقاوم فكرة الموت بالبكاء والعويل، وإنما بشيء صغير:
نبتة.
ما كان عنده تراب.
فقط بقايا قشور بطاطا يابسة ملتصق عليها طينٍ معجون بفضلات الطعام.
كانوا يكشطون الطين بأسنانهم، يجمعونه ويجففونه كما تُجفف سنابل القمح في زمن المجاعة.
ثم تجمعوا حول الفكرة:
“نزرعها؟”
سخر أحدهم:
“وفي ماذا؟ في ذاكرة الجدار؟”
لكنهم فعلوها.
فتات بذور بندورة، وقليل من البصل، وماء وضوء مسروق من كوةٍ مرتفعة.
صنعوا تربةً وهمية، لكنها في قلوبهم يقينية،
كل منهم سقاها بشيء:
ماء وضوئه، أو لعابه، أو دمًا من لثة نازفة.
حتى الحذاء القديم الذي تسرّب منه ماء المطر، صار إناء للريّ.
نبتت.
ببطءٍ يليق بالمعجزة.
لم يأكلوها.
لم يفكر أحد في اقتلاعها.
كانت أكثر من غذاء.
كانت شعارًا صامتًا للنجاة:
“لسنا أمواتًا. بعد.”
ثم جاء الثامن من ديسمبر.
أبواب السجن، التي لم تُفتح منذ سنوات إلا للجلاد، انفتحت كلها. دفعة واحدة.
صوتٌ جديد غير معتاد صرخ:
“سوريا حرة! افتحوا الأبواب!”
بعضهم ركض، بعضهم سقط من الذهول، بعضهم صرخ كمن يطرد صدىً داخليًا قديمًا.
أما هو، فلم يتحرّك.
ظلّ واقفًا أمام النبتة.
انحنى.
مرّر أصابعه المرتجفة على أوراقها الصغيرة.
ثم قال همسًا:
“كنتِ محكوميتي…
وشاهدةُ موتي
صرتِ براءتي
لونُك شمسُ حريتي”
وخرج.
كانت يده خالية.
لكن قلبه ظلّ مبلّلًا بورقةٍ خضراء…
تنبت في ذاكرته كلما حاول العالم أن يقنعه أن الموتَ أقوى.
