عروس طرطوس

صورة واتساب بتاريخ 1447 06 13 في 14.36.52 0e658990

عروس طرطوس

بقلم الكاتبة/ ديما نحاس- سوريا 

صورة واتساب بتاريخ 1447 06 13 في 14.36.52 0e658990

 

سعداء كنَا … سذّج كنّا …طلبة في كلّية الحقوق … رؤوس محشوّة بقوانين الواجب ونظريات الالتزام ,   مسبوكة كاسمنت مسلّح  لا يخترقها  استقبال مدخلات الواقع ولا مخرجات الأعذار … أفواه ترطن بتعابير منحت أصحابها ثقة الطاووس .. 

خمسة عشرة يوما علينا قضاءها  في سجن الأحداث الجانحين ، لنقدم أخيرا تقييم لبعض الحالات التي قابلناها، والتي لطالما تفكهنا بغرائبها متناسين همومها  …

ننطلق صباحا لتحزمنا حافلة قديمة أعدّت لهذا الغرض .. يعلوها الزهو والغرور رغم كبر سنها ، لها محرّك ضخم يجاور السائق ويمنحة حرارة مقيتة علاوة على الصوت المبحوح والتنفيس الغريب،  المرافق للفرامل  ،    زينت جبهتها بألوان كثيرة متنافرة كعجوز تتصابى لتنافس الشباب …

كنّا نعجب من حالنا الذي يتغير ما إن نتّخذ أماكنا ، لنعود إلى المراحل الابتدائية وكأن رائحة الطباشير ولفائف الزعتر تداعب أنوفنا وتطلق أفواهنا جميعا بأغنية لا نذكر من الذي غرسها في ذاكرتنا .                                  .)  يا شوفير دوس دوس  … الله يبعتلك عروس .. شقرا بيضا من طرطوس .. ما بتاكل إلا مكدوس …. (   تليها أنشودات ارتبطت بكتب مدرسية قديمة  جلّها  ابداعا عفويا  لسليمان العيسى ….

وصلنا  لليوم الأخير، متألّبين لنشهد نهايته ونتحرر من قيد مصادرة أيام العطلة الصيفية … أبت تلك الحافلة الملعونة أن تكمل فرحتنا ، توقّفت عن المسير حين أيقنت أنها ابتعدت عن مركز المدينة وسلمت من سخرية نظيراتها من ذوات المحركات الحديثة،  بعد أن  أطلقت دخانا خانقا في الطريق ا لصحراوي  ينذر بكارثة ألمّت بنا .. ترجّل الجميع وتوزعنا على طرفي الرصيف وجلسنا حانقين .. .  بارقة الأمل ظهرت بجزيئات من الثانية حين توسطنا السائق واقفا وكأنّه يتأهب لخبر ما .. سرعان ما تلاشى .. حين علمنا أنه يريدنا أن نستمع له وهو يغني بعد أن أثقل سمعنا بمقدمات  مملّة  لا فائدة منها .. عن أنّه رافقنا روحة وجية ، وأنه عرف معظم طباعنا وحفظ أسماءنا ، وأنصت لغنائنا وقفشاتنا، وأن لحظة الوداع أزفت  .. بدأ الغناء بصوت حزين… أغنية بلهجة بدويّة لم يعرفها منّا أحد…تنطلق من  كتلة سمينة تعلونا  برداء فضي  رثّ … . جعلت أحدهم يقول .. شرّفو  قطرميز مصر… «لا رقبه ولا خصر »  …    فعلى صوت الضحك بعد أن تتابعت عبارات أخرى على نفس النمط .. وخاصّة حين بدأ يرقص ويهتز على أنين أغانيه محاطا بلصفير والتصفيق والضحك ..

 

 لم يكن الزمان جوّادا عليه  فيتركه وشأنه.. يكمل أغنيه قد بدأها ،آملا أن ينعم بعدها بكلمة إطراء قد تفلت من أحدهم خطأ .. ليتعثر بحجر ضال  ألقت به إحدى شاحنات الرصف…. لا أحسبه أشد قسوة من قلوبنا ..  هوى البدن الضخم    بكل ثقله على الأرض ليستوي عند أقدامنا ونحن جلوس …  .. حملقنا فيه ملجومين الأفواه !!  

 لقد كان الرجل يبكي  … كان الرجل يبكي !

 

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *