الطبق الذي أمامك ليس لك
بقلم الكاتبة/ يسرا النوبي
تخيل بأنك تجلس في أحد المطاعم و في انتظار طلبك للوصول امامك لكي تشبع جوعك، طبق ملئ بطعام تفضله و ما إن يصل الطبق أمامك و يضعه النادل ثم ينصرف حتى تجد شخصا آخر جلس في مواجهتك ينظر إليك بتودد و ابتسامة عريضة، و هو ممسكا بملعقة صغيرة يستأذنك في تذوق جزء من طبقك بعد أن أخبرك بعجزه عن طلب واحدا لنفسه، ولربما اعجب بطلبك أنت، و على الرغم من تعجبك من موقفه إلا أنك لم تتردد في رد طلبه بس أشرت له بترحاب أن يتذوق طعامك، فيبدأ على الفور في غرز ملعقته في طبقك و تناول أول ملعقة، ثم لمحت علامات الرضا على وجهه، لقد أعجب بذوقك في اختيار الطعام، الآن سيغادر ! هكذا همست لنفسك في تلك اللحظة.
لقد نال بالفعل طلبه و سوف ينهض و يغادر ليتركك تستمتع بوجبتك، لتفاجئ بأنه اقترب من الطبق أكثر و طلب بتودد أكثر و أكثر أن يتناول ملعقة أخرى و هو يبدي إعجابه الشديد باختيارك، فتوافق في صمت وتعجب شديد و و أنت تشعر بالحرج تخشى قول “لا” دون سبب واضح أمامك.
لتجد نفسك تجلس و أنت تشاهد ملعقة تلو الأخرى تخرج من فمه نحو طبقك دون توقف ، هنا تجذب الطبق من أمامه و انت تحاول أن تدافع عن وجبتك لتجده فجأة ينظر إليك شذرا و هو يجذبه في الاتجاه الآخر و كأن ذلك الطبق أصبح ملكه هو بدلا عنك و أنت الآن من تلعب دور الدخيل!!
و قد تبخر تودده و ابتسامته واصابتك أنت الحيرة ،
في تلك اللحظة تشعر أنك عاجزا عن أخذ حقك فبعد أن كنت صاحب حق سلبه منك و أصبحت أنت الآن السارق، وبينما أنت تشعر بالغضب يستمتع هو بتناول طبقك المسلوب منك بدم بارد.
لا تتعجب فهذه النوعية من البشر يطاردنا كل يوم و في كل لحظة دون أن ندرك، فكم منا يحكم عليه الآن بأنه سارق رغم أنه صاحب الحق.
تلك الوجبة لم تكن طبق ملئ بالطعام إنما هي حياتك التي يحاول الكثير من حولك العبث بها حين نسمح لهم بذلك، فعندما نعجز عن قول لا في كثير من الأحيان لا يتوقف السارقون من حولك في سلب جزء من حياتك، في البداية يأتي الأمر بالتودد إلى أن تنقلب الأمور لتصبح حق مكتسب هم المتحكمون و أنت ما عليك سوى التقبل و الانصياع، سيسرقون من طبقك ملعقة تلو الأخرى لتجد حياتك في النهاية كالعقد المنفرط يتفكك و تسقط حباته واحدة تلو الأخرى، و أنت عاجز عن جمعه لا تملك حق الرفض ولا تملك حق استرداد حياتك التي تفككت بأيديهم .
هنا فقط ستدرك قيمة تلك الكلمة بحرفيها فعلى الرغم من صغرها إلا أنها تملك الكثير من القوة التي تجعلك تمسك بزمام أمور حياتك، فحين تتعلم أهمية قول “لا” ستعلم جيدا بأنها ملاذك لحفظ حياتك من العابثين.
فلا تخش أبدا قول لا في مثل تلك المواقف لأنها زورق النجاة في محيط من المخربين.
