تشكلات الأنوثة المأزومة قراءة نفسيه و نسوية لرواية فى بيت المسنات الصغيرات لنهى عاصم
بقلم الأستاذة الدكتورة/ وداد نوفل- أستاذ البلاغة والنقد – جامعة المنصورة
تتناول هذه الدراسة ملامح التشكيل الفني والرمزي لشخصية “حياة ” في رواية ” * في بيت المسنّات الصغيرات *” ، بوصفها نموذجًا أنثويًا ينهض على وعي معرفي وتاريخي، وتتقاطع فيه مستويات الهوية والانتماء، في ظل علاقة استثنائية تجمع البطلة بتمثال أبي الهول الذي يتحول إلى رفيق حواري وضمير تأويلي .
تعتمد الورقة على منهج نقدي مّركب يستفيد من التحليل الرمزي، والنقد النفسي، ومقاربة الهوية في ضوء النقد الثقافي.
في رواية”* في بيت المسنّات الصغيرات * “، تسعى نهى عاصم إلى رسم ملامح بطلتها “حياة ” خارج القوالب التقليدية للمرأة في الأدب العربي، فهي لا تتخذ من العاطفة أو الانكسار العاطفي موضوعًا لحكايتها، بل تجعل من التاريخ والهوية والمعرفة أساسًا لتشكيل عالمها الداخلي . وبين جدران بيتها في حي ” كوم الدكة “بالإسكندرية، وفي قبو يضج بالرموز، تنعقد صداقة مغايرة بين الإنسان والرمز، بين المؤرخ والتمثال، حيث يتحوّل أبو الهول من مجسم صامت إلى كائن واعٍ، يُؤنس وحدة ” حياة”، ويُفكّك معها تناقضات العصر ومأزق الإنسان.
أولا : حياة … الذات المركبة بين المعرفة والانتماء :
تُجسّد” حياة “نموذجا لأنثى تَعرفُ ذاتها ـ عبر القراءة والتأمل والتاريخ، لا عبر الحب أو الأنوثة النمطية . هي أستاذة جامعية، متخصصة في التاريخ، ومن أصول نوبية ـ هذه الخلفية الإثنية تقوم بدور مهم في تشكيل وعيها، فالانتماء إلى الجنوب الداكن، مع الملامح المختلطة بشرة داكنة وعينان خضراوان يصنع من شخصية حياة هوية موزّعة، متجذرة في الأطراف، وقريبة من” الهامش “الثقافي، لكن هذا الهامش يتحوّل في الرواية إلى مركز معرفي وروحي، يجعل من حياة قادرة على إعادة النظر في مفاهيم الجمال والهوية والحداثة.
ثانيًا : المكان بوصفه امتدادًا للذات :
لا يمكن فصل حياة عن فضائها : البيت في كوم الدكة، وهو حيّ أثري قديم في الإسكندرية، يحيل إلى طبقات الذاكرة، وإلى الحضور السكندري العريق الذي يجمع بين الهويات والأزمنة .
أما القبو، حيث توجد مكتبة ضخمة وتمثال لأبي الهول، فهو اللاوعي الرمزي لحياة ، حيث تسكن المعرفة العميقة، وتُخزّن الأحلام المؤجلة، وتنطلق الحوارات مع الماضي.
ثالثًا : أبو الهول … من التمثال إلى الضمير :
يتحوّل تمثال أبي الهول في الرواية من مجرد قطعة ديكور إلى شخصية حوارية حيّة، تتكلم وتنتقد وتحكي وتعلّق، في علاقة تقوم على التداخل بين الواقع والخيال، بين التمثيل والرمز. يمثل أبو الهول في هذا السياق الضمير الحضاري والمعرفي، الذي يُذكر ” حياة و من ورائها القارئ بأمجاد الماضي، ويسخر من انحدارات الحاضر ، ويؤنس وحدة البطلة دون أن يتورّط في علاقة إنسانية تقليدية.
وتكتسب هذه العلاقة أبعادًا عدة:
فهي أولا : تأملية/ معرفية، تقرّب القارئ من قضايا التاريخ والذاكرة والهوية.
– وهي ثانيًا : نفسية / إسقاطية، إذ يمكن قراءة أبي الهول
بوصفه ” صوتاً داخلياً ” لحياة، أو تصدى لعقلها اللاواعي.
– وهي ثالثًا: رمزية / أسطورية، إذ يُعيد حضور أبي الهول تأويل الشخصية المصرية القديمة، لا بوصفها ماضيا راكدًا، بل بوصفه صوتاً حياً يسائل الزمن الحديث.
رابعا : الانتماء والزمن والنقد الرمزي
الرواية، في مظهرها الخارجي، تحكي عن أستاذة جامعية تقيم في بيت قديم، وتحاور تمثالاً ، ولكنها في الجوهر تحكي عن انكسار الحلم المصري، وعن الذات التي تبحث عن اتساق داخلي وسط زحام الخارج . أبو الهول هنا ليس تمثالا فقط ، بل هو زمن قديم يتكلم، وهو نقد صريح للمعاصرة من فم الأسطورة،وهو مرآة تضع الذات أمام مسؤوليتها : ماذا فعلنا بتاريخنا؟ وماذا تركنا من حضارتنا؟ وكيف انتقلنا من البناء إلى الهدم .
رواية” في بيت المسنات الصغيرات”، تُشكّل نهى عاصم هذه العلاقة الثنائية بين الإنسان والرمز ، بين الذات والماضي، بين المرأة والتمثال، جوهرًا سرديًا بالغ الفرادة والعمق . إن
هذه الرواية تُعيد تأسيس مفهوم” الصداقة “بين الإنسان والتاريخ، وتفتح أمام النقد بابًا لفهم العلاقة بين الهوية الفردية والذاكرة الحضارية، في زمن تبدو فيه الجفوة بين الآني والتاريخي عميقة الهوة .
نساء مأزومات
في رواية» في بيت المسنّات الصغيرات « للكاتبة نهى عاصم، تُستعاد تجربة النساء لا بوصفهن كائنات على هامش التاريخ، بل بوصفهن ذاكرة حية للخذلان والصمود، للصمت والبوح، وللبحث عن خلاص لا تمنحه المؤسسات الذكورية بل تعثر عليه النساء في صداقاتهن، ومشاركة الحكايات، وطقوس التعافي الخاصة بهن. تقوم الرواية على بناء عاطفي عميق يتمركز حول شخصية »حياة «أستاذة التاريخ، المنحدرة من أصول نوبية، والتي تحوّل بيتها الكائن في حي» كوم الدكة «السكندري إلى مأوى وجداني لنساء خاض كلِ منهن تجربة شخصية من القهر أو الفقد أو الإنكار الأسري.
لیست» حياة « مجرد صاحبة بيت بل هي حارسة الذاكرة، وامرأة لم تخرج من حزنها على خطيبها» علىّ «الذي مات فجأة، فعاشت أرملة الحب قبل أن تكون زوجته، واختارت العزلة المعرفية والدفء الداخلي على التورط في علاقات غير مأمونة .ومن حولها تلتفّ أربع نساء، كل واحدة منهن تحمل تاريخا من الصمت والتصدع والتمرد.
» هبة الله« الفنانة التي لفظها أبواها لدمامتها في الطفولة، فنبذت صورتها وهويتها، وخافت أن تورّث القبح لأطفالها لو تزوجت» . رشيدة«، التي فقدت أنوثتها وولدها نتيجة عقاب زوجي قاس، وعاشت سنوات تستخدم كخادمة في بيت أهل زوجها، محرومة من حق التعليم أو الحب» .هاجر« ، القادمة من السودان، التي لم يُعترف بها كابنة في بيت أبيها، فخُطبت أختها لحبيبها، وكادت تنتحر ، لولا أن معلّمة العربية أنقذتها ببصيرتها، لتصبح هاجر لاحقا بدورها معلّمة تمنح لغيرها ما فقد منها.
أما» منى«، فهي النموذج الأعلى صوتا في الهزيمة العاطفية والإرغام الاجتماعي. فتاة أحبت ابن عمتها» مصطفى«، لكن أباها زوّجها قسرًا من ابن عمِّ آخر، وحين توفي مصطفى بطلقة طائشة أثناء التدريب العسكري، وقفت منی فوق جثمانه تصرخ»: لقد أصبحت أرملته، طلقني يا يوسف . «فكان الطلاق، ثم موت الأب حزنًا. لكنها – كما تعترف – لم تعد إلى نفسها إلى هذا اليوم.
من خلال هذه النماذج المتجاورة ، تخلق الرواية جغرافيا نسوية من الألم المشترك، تذيب الفروق الطبقية والعرقية، وتؤكد أن المأساة الأنثوية لا تقف عند حدود الجسد أو القانون، بل تتسرّب إلى اللغة، والخيارات، والذاكرة .في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل رواية» في بيت المسنات الصغيرات« من منظور نفسي ونسوي متكامل، يتتبع ديناميات التشكل الداخلي لشخصيات النساء، ويحلل آليات الخضوع والمقاومة، مع الوقوف عند بلاغة الكتمان، ورمزية البيت، ودور الحكي كفعل علاجي بعيد صياغة الذات من جديد.
بين علي وحياة حين يصير الفقد تأسيساً في بنية الذات الأنثوية
تشكل شخصية “عليّ” في الرواية محورًا مركزيا لفهم التحولات النفسية والوجدانية العميقة التي تمرّ بها البطلة “حياة” وفشخصية علي وإن كانت محدودة الحضور الفعلي في السرد، تمثل حضورًا كثيفًا على مستوى الذاكرة والوجدان، بوصفها رمزًا للحبّ الأول، والارتباط الأصيل، والعاطفة التي لم تُختبر إلى منتهاها، لكنها تركت أثرًا بالغا في مصير البطلة واختياراتها اللاحقة.
“علي” ليس مجرد قريب أو صديق طفولة نشأت معه “حياة”، بل هو الشخص الذي كانت ترافقه منذ الصغر، ويشغل في قلبها منزلة الحبّ الذي لا تفسير له سوى الإحساس الفطري بالانتماء والتعلّق. كانت ترافقه في الحي ومع الأطفال وأهل المنطقة، ثم خُطبت له بالفعل، وأصبح حلمها مؤطّرًا بحضوره المستمرّ. إلا أن هذا الحلم انكسر فجأة في لحظة مأساوية عندما توفي عليّ، مع أبيه وأختيه، بسبب تسرب غاز في منزلهم قبل أن يتم زواجهما بعدة أشهر.
لم تستطع “حياة” بعد هذه الحادثة أن تفتح قلبها لرجل آخر، بل بقيت حبيسة هذا الحبّ المؤجّل. عبّرت عن ذلك بقولها لصديقاتها، في جملة عامية لاذعة مليئة بالمفارقة:
«أنا اترملت من غير ما أتجوز». (نهى عاصم ، ٢٠٢٤، ص ٤٧)
في هذه العبارة يتكثّف كل المعنى الذي تبنيه الرواية: أرملة حبّ لم يُولد، وفاقدة لرجل لم تصحبه في بيت واحد، لكنها تعيش تبعات الفقد العاطفي والاجتماعي والنفسي كاملة. هذا النوع من الحب المعلّق بين البداية والنهاية يتحوّل في داخل “حياة” إلى ذاكرة متجذّرة لا تموت.
من منظور التحليل النفسي، يُشير فرويد إلى أن الحزن العميق الناتج عن فقدان الحبيب، خصوصا إذا لم تكتمل العلاقة أو لم تُغلق نفسيًا، يتحوّل إلى حالة من التثبيت العاطفي على صورة الماضي،
إذ يقول:
“الحزن العميق يؤدي إلى انخفاض الاهتمام بالعالم الخارجي والتخلي عن القدرة على حب موضوع آخر”
.(Freud, Mourning and Melancholia, 1917, p. 243)
تجسّد “حياة” هذا المعنى تمامًا؛ إذ بقيت معلّقة بين ما كان ينبغي أن يحدث وما لم يحدث، وبين الحاضر الذي لم تستطع أن تمنحه مساحة جديدة للارتباط، والماضي الذي لم تستطع أن تدفنه فعليًا.
وقد أظهرت نظرية العلاقات الموضوعية في التحليل النفسي
(Object Relations Theory) أن الشخصية التي تمرّ بحالة فقدان مبكر للحبيب قد تحتفظ بعلاقة داخلية متخيَّلة مع “موضوع الحب” رغم غيابه الجسدي، وهي علاقة تُستبقى داخليًا كمكوّن من مكونات الذات، وقد تتحوّل إلى جزء من الهوية النفسية نفسها
.(Osofsky & Baker, 2001, p. 2)
وإذا كانت “حياة متخصصة في التاريخ، فهي بذلك لا تحفظ فقط ذاكرة الشعوب، بل تمارس – من حيث لا تدري – عملية أرشفة داخلية لحياتها العاطفية، حيث تحوّل حب “علي” إلى أثر، وإلى نُصب وجداني”، لا يختلف كثيرًا عن تمثال أبي الهول الذي تضعه في قبو بيتها، وتحاوره لاحقا في الرواية.
تُقدّم الرواية، من خلال هذه العلاقة المنكوبة، نموذجا لأنثى لم ترفض الحبّ، لكنها إختبرت أقصى درجات الخسارة فِيه، وقرّرت أن تكتفي بذكراه لا بإعادة إنتاجه. فـ”حياة” لا تعيش حالة صوفية ولا درامية، بل حالة إنسانية خالصة تشبه ما وصفه بول ريكور
بأنه:
“الزمن المُفتقد الذي نستبقيه بالتذكر لا بالتكرار”
.(Ricoeur, Time and Narrative, 1984, p. 62)
المراجع:
Freud, Sigmund. Mourning and
Melancholia. In The Standard Edition of the
Complete Psychological Works of Sigmund Freud,
Vol. XIV. London: Hogarth Press& the Institute of
Psycho- Analysis, 1957 , pp. 242-243 .
Osofsky , Joy D . & Baker , John E.
“Mourning and the transformation of object
Relationships : Evidence for the persistence of
Internal attachments.” Journal of Child Psychology,
2001,p.2
Ricoer, Paul. Time and Narrative , vol.1.
Translated by Kathleen McLaughlin and David
Pellauer, University of Chicago Press, Chicago,
1984,p.62
الرؤية التحليلية لاختيار اسم ” حياة ” في رواية” في بيت المسنات الصغيرات”.
اختيار اسم حياة للبطلة في رواية في بيت المسنات الصغيرات هو اختيار رمزي دقيق يتجلى فيه بعد دلالي غني يستحق وقفة نقدية معمقة، من النواحي النفسية، الرمزية، والنسوية ، كما تراه الدراسة
1.الدلالة الرمزية العامة:
اسم » حياة « لا يحمل فقط بعدا شخصيا، بل يُحيل إلى قيمة وجودية، وإلى بعد فلسفي يجمد فكرة » الحياة « بمعناها الأوسع : الحياة كدورة، كذاكرة، كخسارات وتعافٍ، كمرأة للموت والفقد.
فحياة ليست امرأة عادية، بل امرأة تملك من الحيوية الداخلية والرؤية التاريخية ما يجعلها مؤهلة لأن تكون مصدرا للنجاة والمعنى لكل من حولها.
2.الحياة مقابل الموت:
كل النساء في الرواية يحملن تجارب» موت رمزي « أو فعلي، من موت علي حبيبها قبل الزواج، إلى محاولة انتحار هاجر، إلى مقتل مصطفى و» موت « منى النفسي، إلى اغتيال صورة الذات لدى هبة الله في هذا السياق، تصبح حياة – باسمها قبل شخصيتها – هي نقيض هذا الموت، وبيت ” حياة ” هو مكان للعودة إلى الحياة.
3.البعد النسوي:
في مجتمع يفرض على المرأة أدوارًا جامدة أو خاضعة، تأتي حياة – أستاذة التاريخ، العازفة عن الزواج – لتكون رمزا للاستقلال النسوي الناضج، لا بالصدام، بل بالاحتواء اسم ” حياة ” يضاد الأسماء الذكورية المهيمنة على قَدَرِ النساء، ويمنحها سلطة معنوية تتجاوز القانون والعرف.
4. “حياة ” بوصفها رمزاً للذاكرة التاريخية:
بما أنها مؤرخة، فهي لا تكتفي بأن تكون “حياة” على مستوى الوجود البيولوجي، بل هي “حافظة للحياة” ، تستعيد الماضي وتقرأه نقديا، وتعيش داخله من خلال أبي الهول، ما يجعل اسمها رابطا بين الحياة الفردية والجمعية.
5. تناص مع مفاهيم صوفية وفلسفية:
“الحياة” مفهوم يتكرر في الأدب الصوفي والفكر الفلسفي، ويُشير أحيانًا إلى الوجود الأعمق أو الروح الباقية رغم الجراح الرواية تمنح حياة هذا البعد : فهي التي تعيش وحدها لكنها تحتضن الآخرين، والتي لم تنجب لكنها تمنح الحنو والدفء.
ويمكنني القول أن اسم “حياة ” وليس محض صدفة، بل هو اختيار بلاغي ورمزي محكم، يعكس وظيفة الشخصية في السرد، ويُلقي بظلاله على بنية الرواية ككل، ويصبح عنوانا ضمنيا مضادا للفقد، وجوهرًا لما تسعى الكاتبة إلى ترميمه : المرأة كحاملة للحياة وصانعة للتاريخ.
جميلة بلا روح : تشوه الجسد والهوية في شخصية هبة الله
في رواية في بيت المسنات الصغيرات، تمثل شخصية هبة الله نموذجا بالغ الرمزية لحالة الأنثى التي لا تعاني فقط من القمع الاجتماعي، بل من قهر الصورة والهوية، بدءًا من ولادتها في عائلة تعمل في السينما والجمال، ومرورا برفض والديها لها لأنها ولدت “دميمة” حسب مقاييسهما، وصولا إلى جراحات التجميل التي أعادت تشكيل وجهها لا ذاتها.
وُلدت هبة مرفوضة من أبوين يُفترض أن يمنحا الحبّ، لكنهما عاملاها بوصفها وصمة، وأخفياها عن الأنظار، وأوهما الجميع أنها ليست ابنتهما في مفارقة تؤسس لحالة توسع العمالة ” النبذ المبكر ” التي تجعل الذات تتكون في فراغ من الأمان العاطفي. وقد أكدت دراسات علم النفس التنموي أن غياب التقدير والقبول في سنوات الطفولة الأولى يؤثر مباشرة على بناء تقدير الذات. (Harter. 1999. P.11)
عاشت هبة في مكان يُشبه السجن، لم يكن مسموحاً لها بالخروج وكان أبواها يزورانها كما لو كانت عارًا خفيًا. وعندما وصلت سنّ المراهقة، أُخضعت لجراحة تجميل دون إرادتها، فصارت جميلة في نظر الناس، لكنها شعرت أن هذا الجمال ليس لها، بل جمال مفروض عليها، فرفضته، ورفضت الحب، ورفضت الزواج. لم تكره صورتها فحسب، بل كرهت أن يُعاد إنتاج القبح من خلالها، فامتنعت عن الإنجاب خوفا من أن تنجب “دميمة” مثلما كانت هي
هنا نجد أن الجمال نفسه لم يكن خلاصا لهبة، بل كان قناعا جديدا فوق وجهها الأول، وأداة جديدة للرفض الذاتي. تقول ناعومي وولف في كتابها أسطورة الجمال
“حين يكون الجمال مفروضا من الخارج، يتحوّل إلى عبء داخلي” وولف، أسطورة الجمال، الدار العربية للعلوم، بيروت، ۲۰۰۳، ) ص ٥٢
ورغم ذلك، صنعت هبة مجدها الأكاديمي بنفسها، ونالت الدكتوراه في الفنون من إيطاليا، وأصبحت أصغر أستاذة في جامعتها. لكن هذا التفوق لم يشف جرحها الأول: أنها لم تكن مرغوبة كطفلة، ولم تكن محبوبة كإنسانة، فظلت تعاني من عزلة داخلية، تجعلها تقيم حواجز عاطفية بينها وبين الآخرين، ولو كانوا صادقين
من المنظور النسوي، تُعد هبة نموذجاً ” لتشييء الجسد الأنثوي”؛ إذ يُعاد تشكيل الجسد ليناسب معيارا خارجيًا للجمال لا يراعي الذات وهو ما يحوّل الأنثى من كائن حرّ إلى “مادة للعرض”، كما تُشير ” إليه لورا مولفي في نظريتها عن “نظرة الكاميرا”
(Mulvey, 1975 , P.6).
هذا الانفصام بين الذات والصورة هو الذي يجعل هبة تنجح خارجيا وتنهار داخلياً
هبة إذن ليست فقط جميلة بلا روح، بل هي امرأة أُعيد إنتاجها قسرًا وفق شروط لم تخترها، وهي تُقاوم، بطريقتها الخاصة، أن تكون ” جسدًا للفرجة” أو “أنثى للميراث الجمالي”. في عمقها، تبقى الطفلة التي لم تحضنها أمها، والتي لم تشعر يوما أنها تنتمي العائلة ترى فيها إنسانا
من خلال هذا النموذج، تكشف الرواية جانباً بالغ الأهمية من الخطاب النسوي المعاصر، إذ تربط بين نظرة المجتمع للمرأة كجسد، ونتائج هذه النظرة على بنيتها النفسية، ورفضها التام للعلاقات، ليس كرهاً في الحبّ، بل كرهاً في احتمال تكرار الجرح ذاته.
المراجع
1. Harter, Susan. The construction of the Self : A Developmental Perspective .Guilford Press, New York,1999 , P.11.
ترجمة : عبد الله الرمزي ، اسطورة الجمال Naomi Wolf. .2
الدور العربية للعلوم ، بيروت ، 2003 ، ص52
3. Mulvey , Laura. Visual Pleasure and Narrative Cinema. Screen , Vol. 16 ,no.3, 1975 , P.6.
أرملة بلا زفاف : منى بين الطاعة الموجعة والموت المؤجل
تمثّل شخصية منى في رواية» في بيت المسنات الصغيرات« نموذجا نسوياًّ بالغ الثراء والتمزّقٍ، إذ تتجسد فيها ضغوط البنية الأبوية التقليدية من جهة، وصراع الذات النسوية مع مفاهيم الشرف والطاعة المفروضة من جهة أخرى. منذ ولادتها وهي تعيش في كنف سلطة أبوية صارمة، فوالدها رجل من أعيان طنطا، شديد التسلط، يمارس قراراته على الجميع دون نقاش، بما فيهم أبناؤه وزوجتاه.
تداخل العائلة المعقد، الذي جمع بين أرملة العم وأبناء العمومة والاخوة، خلق بنية أسرية قائمة على المصلحة وتدجين العواطف . وقد أحبت منى ابن عمها مصطفى حبا صامتا، نظيفا، متكافئا، يعبر عن نضج أنثى جامعية تدرس الهندسة، وتفهم معنى التريث في إعلان الحب لكن حين طلبت . للزواج من يوسف، ابن عمها الآخر، المدلل لدى أبيها، وجدت نفسها في مأزق الصمت : لم تستطع الرفض، ولم تستطع الاعتراف بحبها الأول.
يمثل صمت منى أمام هذا الزواج نموذجا لـ» الطاعة القسرية« ، أو ما تسميه إلين (سيكسو) بـ ” اللغة المسروقة” ، حيث لا تمتلك المرأة حق التصريح أو حتى
الاعتراض داخل المنظومة الأبوية P.879) , 1976 ,Cixous) وهكذا، دخلت منى زواجاً لم تختره ، متخلية عن حقها في الحبّ والاختيار.
لكن ما يبدو استسلاما شكليًّا، ينقلب لاحقًا إلى رفض وجودي صاخب حين مات مصطفى برصاصة عسكرية طائشة، وأُعيد جثمانه، صرخت منى أمام الجثمان وأمام زوجها وأبيها قائله : ” طلقني يا يوسف، فأنا اليوم أصبحت أرملة مصطفى( نهي عاصم ، 2024 ص 74 ) هذه الجملة ليست فقط ثورة عاطفية، بل إعلان
عن هوية جديدة تؤسّسها منى بنفسها، في لحظة يتقاطع فيها الحزن مع التمرّد.
فجملة ” أرملة مصطفى” تلغي زواجها الرسمي من يوسف، وتعترف بالحبّ الأول، وتعلن الانتماء النفسي لشخص غائب، فتؤسس بذلك أنموذجًا نسويًّا مغايراً : المرأة التي تنتزع لنفسها حق تسمية ذاتها، حتى ولو كان الثمن هو العزلة والخذلان . إن منى ، من هذه اللحظة، تصبح شخصية تأسيسية للفقد : امرأة لم يكتمل حبها، ولم تكتمل فرحتها، لكنها اكتملت بقرارها الخاص.
من المنظور النفسي، يُمكن فهم منى على أنها تعاني من ” صدمة مركبة ” نتيجة سلسلة من الفقد والخذلان : فقد الحبيب، وفقد الأب الذي مات حزناً وفقد الأمان العاطفي . هذه الأزمات المتلاحقة ترسبت في وجدانها، وجعلتها
تعاني من صدمة غير معالجة تُشبه ما تصفه جوديث هيرمان في نظريتها حول صدمات العلاقات المستمرة p.119),Herman, 1999 )
وفي مقابل كتمانها السابق، تتحول منى إلى صوت صارخ – لا للمجتمع فقط، بل لنفسها أيضاً ، صوتها الذي صمت طويلاً، خرج مع الجثمان، ليعلن أنه لا زواج يُعترف به سوى زواج القلب . وهذا التحوّل العاطفي والسردي في شخصية منى يجعلها واحدة من أبلغ نماذج ” الأنثى المعترضة ” في الأدب النسوي العربي.
إن منى، التي بدأت قصتها بالرضوخ ، انتهت إلى تأسيس ذاتها على قاعدة الحداد العميق، لكنها لم تستسلم؛ بل قررت أن تحوّل الحزن إلى هوية، وأن تحيا في الظل بكرامة، على أن تعيش في الضوء بلا ذات.
المراجع:
1.Hélène Cixous. The Laugh of the Medusa. Signs, vol. 1, no.4, 1976, p.875-893
2. نهى عاصم في بيت المسنات الصغيرات، دار الكتب المصرية ، ط1 ، 2024.
3. Herman, Judith L. Trauma and Recovery.Basic Books, New York , 1992 , p.199.
جسدها حقله .. وأنوثتها ثأره:
رشيدة والمأساة في صمت
تجسّد رشيدة في رواية ” في بيت المسنّات الصغيرات ” إحدى أكثر صور المرأة تعرضاً للقهر المؤسس : قهر يطول الجسد والروح، والتاريخ الشخصي نبدأ قصتها بزواج مفروض من ابن عمها، وهي بعدُ طالبة في المرحلة الثانوية حُرِمت بموجبه من إكمال تعليمها رغم أن زوجها معيد جامعي هذا التناقص يفتح باباً واسعًا لقراءة المفارقة بين ما تمنحه السلطة للذكر، وما تنتزعه من الأنثى، حتى وهي داخل المؤسسة ذاتها ، التعليم الجامعي
تُزجّ رشيدة في بيت أم الزوج، حيث تتحوّل إلى خادمة مقموعة، تنتظر عودة روح لا يعود إلا بمعطرات نسائية تدلّ على خياناته، في علاقة لا تقوم على الأمان العاطفي بل على الإذلال الهادئ الممزوج بالتبرير العائلي . فعندما تشتكي لأم الزوج ، تأتيها الإجابة الجاهزة : “هو شاب، وسيتعقل” ( عاصم ،2024 ،76 ) هذا التواطؤ الأنثوي مع القمع الذكوري أحد أخطر آليات استمرار الاستبداد الأسري، كما
تشير إليه الباحثة سارة أحمد في دراستها حول” سياسة المشاعر, Ahmed)
.2004. P.34)).
تبلغ مأساة رشيدة ذروتها حين تستخدم الأمومة كسلاح ضدها ، لهدّد رشيدة زوجها بالفضيحة، فينتظر ولادتها، ليأخذها إلى صديقه الطبيب، حيث تجري عملية قيصرية – تبدو في ظاهرها روتينية، لكنها تُخفي اغتيالاً مزدوجاً : ختان تم ربط للمبايض، أي قتل لأملها في الإنجاب ثانية إنها لحظة “خصاء أنثوي” .
معلّف بالستار الطبي.
هنا يكشف النص عن واحدة من أكثر أشكال العنف النسوي رعباً : عندما يتحوّل الجسد الأنثوي إلى مسرح انتقام ذكوري يُمارس عبر العلم، كما لو أن جسد المرأة ملك للرجل، يقرّر فيه طبيا وعائلياً واجتماعياً ، ويعلق ميشيل فوكو على ذلك بقوله ” : الطب ليس محايداً، بل يستخدم . كأداة ضبط “
(P.145 , 1975,Foucault )
ثم تأتي لحظة اكتشاف الجريمة : تذهب رشيدة لطبيب آخر يخبرها بدهشة من ربط مبايضك؟ من سمح ؟ ولماذا؟ . فتكتشف أنها لم تفقد فقط ابنها، بل أُغلقت أمامها أبواب الأمومة للأبد، دون علمها أو موافقتها . إنها خيانة ثلاثية : من الزوج، ومن الطبيب، ومن المؤسسة الاجتماعية بأكملها.
رشيدة إذاً هي نموذج للمرأة المغدوز بجسدها، المرأة لم يُسمح لها بالاختيار في الزواج، ولا في التعليم، ولا حتى في الإنجاب. عانت من أقسى صور الاغتصاب الطبي الذي يُرتكب باسم “المصلحة”، وهو ما أشار إليه المفكر بول بيبريو بقوله” : حين يُفرض العلاج على الجسد، يفقد الجسد حقه في الإنسانية”
(Be`har,2007,p.212).
من منظور سردي، ترسم الرواية شخصية رشيدة بلغة تميل إلي التهكم الخافت و المأساة الصامتة، وكأن السرد ذاته يخجل مما ارتُكب في حقِّها ، أو كأن الكاتبة تعمدت أن تصوغها في أقل الكلمات و أكثرها كثافة لتقول : هناك نساء لا يُروي عنهن ، لأن جراحهن أعمق من اللغة.
المراجع
1- Ahmed, Sara. The cultural Politics of Emotion.
Edinburgh University Press, 2004,p.34.
2- Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the
Prison. Vintage, 1975, p.145.
3- Be`har ,Henri – Pierre. Le corps intedit: me`decine, pouvoir
Et sexualite`. Seuil,2007, p.212.
هاجر بين النفي الأمومي والولادة الذاتية
تمثل شخصية «هاجر» في رواية «في بيت المسنّات الصغيرات» صوتًا آخر من أصوات القهر النسوي المتداخل مع الصمت والخذلان العائلي، والنجاة الذاتية المؤلمة. تُجسد هاجر نموذجا للأنثى التي تؤكد داخل الأسرة باعتبارها “غريبة” أو “زائدة”، أو حتى “خادمة” رغم كونها ابنة البيت، في تعبير حاد عن ما تُسميه شیر هیثمان بـ «أزمة الانتماء الأمومي » (Heitman, 2005) ،حيث تفقد الطفلة شعورها بالاندماج العاطفي داخل النظام الأسري، وتُقصى إلى الهامش.
لقد نشأت هاجر تحت قسوة أم تمارس “التمييز البنيوي”داخل الأسرة، مفضّلة أخواتها وأخوها الذكر، ومجردة إياها من أبسط حقوقها: العدل، والحب، والمظهر.و يبلغ هذا القهر مداه حين يُظن أنها خادمة، لا واحدة من البنات ، في موقف يُحيلنا إلى «مفهوم اللا-مرئية الاجتماعيةSocial) «
Invisibility)التي تعاني منها الفتيات في مجتمعات ذكورية طبقيةFanon, 1967)؛ . (Yoyng, 2005 بل تتجسد الطبقية داخل الأسرة الواحدة.
من المنظور النفسي، تعاني هاجر من عدة صدمات مركبة:
1. حرمان الأمومة، حين تتحول الأم إلي رمز للخذلان بدل الحنان.
2. النبذ الجَمعي داخل الأسرة، وغياب أي تضامن أخوي.
3. فقدان حلم الزواج، حين يُنتزع فارس أحلامها ويُعطى لأختها.
4. التهديد بقطع التعليم واستغلالها كخادمة لخالتها.
تتراكم هذه الصدمات فتدفعها نحو قرار الانتحار، وهو ما يُعبّر عنه في التحليل النفسي بلحظة «انفجار الذات المنعزلة» ( 2014 ,van der Kolk) ،و حين يعجز الفرد عن التكيف مع استمرار الألم المتراكم دون دعم عاما في أو اجتماعي.
لكن الرواية لا تتركها في هذا الموضع. فالتحوّل يحدث بفضل نموذج أنثوي مضاد: معلمة اللغة العربية ، التي تمثل «أمِّا رمزية بديلة» تمنحها الرؤية، والدعم ،والتصديق على إنسانيتها. تؤكد الدراسات النفسية الحديثة أهمية وجود بالغ داعم واحد فقط
(Even one stabl adult) في مسار الناجين من إساءة الطفولة
(1989 Werner, )
في التحليل النسوي، هذا التحوّل من الأم البيولوجية إلي الأم الرمزية يُظهر كيف يمكن للنساء، حتى خارج يداوين بعضهن عبر ما تسميه (بل هوكس) بـ « تحالفات العناية والتحرير . (2000 ,hooks) «ولهذا تهرب هاجر من السودان إلى الإسكندرية، ومن الموت إلى اللغة، ومن القهر إلى التعليم.
وتبقى المفارقة الأخيرة: رغم أنها حصلت على درجة الماجستير، رفضت التدريس في الجامعة، واختارت أن تكون معلمة في المرحلة الثانوية، ربما لأنها أرادت أن تعيد إنتاج فعل الخلاص ذاته الذي أنقذها مع تلميذات أخريات يحتجن فقط إلى شخص واحد يؤمن بهن.
إنها حركة استرداد الذات الأنثوية بعد تهميش، من خلال اللغة والتعلّم والحب الرمزي، وهو ما يضع هاجر في قلب مشروع الرواية: بناء بيت رمزي جديد للنساء اللاتي لم تُفتح لهن
بيوت في الماضي.
المراجع:
1.Heitman, Sher. “Maternal Exclusion and Feminine Identity.” Journal of Feminist Theory, vol. 11, no .2, 2005 , PP . 34-48
2.Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. Grove Press , 1967 .
3.Young, Iris Marion. “Throwing Like a Girl.” In On Female Body Experience. Oxford University Press, 2005.
4.Van der Kolk, Bessel. The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma.
Penguin, 2014.
5.Werner, Emmy. “High-Risk Children in Young.
Adulthood: A Longitudinal Study.” American Journal of Orthopsychiatry, vol. 59, no. 1, 1989
.
6.hooks, bell. Feminism Is for Everybody: Passionate Politics. South End Press, 2000.
التحليل البصري لغلاف رواية »في بيت المسنات الصغيرات«
لست من مدرسة ارتباط الغلاف بالمؤلف في عتبات النص حيث يرتبط الغلاف فى رأيى بالناشر، وباختياره الغلاف الأكثر جذباً للقارئ ، والذى يحقق له انتشاراً أوسع ، ورواجاً مادياً ارحب لذا ، سأتناول الغلاف بوصفه لوحة فنية من عمل المصممة ناهد تاج ومدي ارتباطه بالرواية
أولا : البناء البصري العام للغلاف
يتخذ الغلاف شكل مشهد بانورامي مائل إلى الواقعية السردية، يجمع بين خلفية معمارية تُمثّل حيّ كوم الدكة السكندري ومقدمة رمزية تمثل بطلة الرواية المشهد مفعم بالحياة، مشبع بألوان ترابية ودافئة ما يخلق ألفة بصرية تعزز الحميمية التي تبثّها الرواية.
ثانياً : الفضاء المكاني – حي كوم الدكة
تمثيل حيّ كوم الدكة لا يهدف فقط إلى تأطير مكاني للرواية، بل . يعمل بوصفه رمزاً للانتماء والهامش معا الحي في الغلاف لا يبدو نظيفاً أو خياليا، بل مزدحم متأكل بعض الشيء، عتيق، لكنه نابض بالحياة … هذا الاختيار يعكس بدقة الروح الواقعية التي تحكم الرواية، ويكرّس مكان” البيت ” باعتباره مركزاً للتعافي لا للترف.
ثالثاً : حضور شخصية ” حياة ” في مقدمة الغلاف
المرأة المرسومة في المقدمة ترتدي الزي النوبي، لها بشرة داكنة وعينان خضراوان . هذه ليست فقط صفات حياة، بل تمثيل للهوية المركبة التي تعاني من التقاطعات الثقافية والعرقية والاجتماعية . الزي النوبي يستحضر الجذور الأصالة، والهوية المهمّشة، بينما . العينان الخضراوان تفتحان دلالة على الندرة والتميز والانتماء المختلط.
والأهم أن هذه الصورة هي لوحة رسمتها ” هبة الله ” في الرواية، أي أن الغلاف هو من داخل السرد، لا من خارجه إنها صورة ” من صنع السرد”، وبهذا يكون الغلاف امتدادًا بصريا للنصّ لا غلافًا خارجياً فحسب.
رابعاً : تمثال أبي الهول في الغلاف
يحضر تمثال أبي الهول إلى جانب “حياة ” في مقدّمة الغلاف بوصفه كيانا حامياً ومُراقبا في الرواية، يتحوّل التمثال إلى شخصية ناطقة تصادق” حياة”، يعلّق، يراقب، ويمنحها صوتًا بديلا عن الوعي العام في الغلاف يتموضع أبو الهول في هيئة وقائية، تحيط به “حياة “في علاقة أشبه بقدَرٍ روحي أو تاريخي . إن وجوده يعكس هوس” حياة “بالتاريخ، وببحثها عن أمانٍ رمزيّ لم تجده في علاقاتها العاطفية أو الأسرية. وأن أبا الهول يمنحها هذا الأمان وذلك الامتداد
خامسا : الألوان والخطوط
يغلب على الغلاف اللون البني الطيني والتدرجات الذهبية، ما يُعطيه طابعًا تراثيا البني يوحي بالأرض، بالتاريخ، بالاستقرار، لكنه في الآن نفسه لون الانطفاء، ما يرمز إلى ماقد يكون من هشاشة وغيامات شخصيات الرواية .
اختيار الخطّ العربي المزخرف المكتوب باللون الأبيض الشاهق لكتابة العنوان يعطي سطوعا وسط اللوحة أخذا للعين جاذبا لها فتلتقطه العين بوعي مكتمل الحضور .
سادساً : دلالة المرأة والحي بوصفهما كادرين متوازيين الغلاف يُقسّم بصريا إلى مستويين :
مستوى المرأة “حياة” في المقدمة، ومستوى الحيّ العميق في الخلف . لكن” حياة ” ليست خارج الحي، بل مزروعة في حجارة ماضيه – هي امتداد له إن الغلاف بهذا المعنى، يؤسس لفكرة جوهرية في الرواية : أن البيت ليس مجرد جدران، بل ذاكرة، وبيت” حياة ” هو بيت لنساء خضن معارك مشابهة.
سابعا : الوظيفة التفاعلية للغلاف
الغلاف لا يقدّم معلومة بل يُشرك المتلقّي في لعبة تأويلية : من هذه المرأة؟ لماذا أبو الهول معها ؟ هل هذا مشهد من الرواية أم استعارة منها؟ هذه الحيرة التفاعلية هي إحدى مزايا الغلاف الناجح الذي لا يشرح بل يفتح أبواباً للقراءة.
ثامنا : مناقضة صورة حياة في الغلاف عما جاء في الرواية
هذا التقييم وقفت فيه موقفين متناقضين قبل قراءة الرواية وبعده ، فقد أعجبت بشدة بصورة هذه الفتاة ومقاييسها الجمالية بين لون البشرة وملامح الوجه وخضرة العينين ، ثم جاء في الرواية تنمر أحد طلابها عليها للون بشرتها الداكن مما يحث لبسا عند القارئ ، فترى هل حسنت صورة الغلاف صورة البطلة جذبا للمشتري ؟
إن غلاف رواية» في بيت المسنات الصغيرات« من تصميم ناهد تاج لا يُعدّ غلافا توضيحياً بل عملاً فنيٌّا يحمل طبقات من السرد البصري . هو مرآة للأعماق النسوية والنفسية التي تتغلغل في الرواية، ويُعدّ من الغلافات التي تعمق التجربة القرائية نفسها.
تحليل الإهداء
أولاً: البنية الشكلية والإنشائية
يأخذ الإهداء شكل خطاب مباشر إلى قارئ مجهول / معرف، ينقسم إلى فئتين :عشاق التاريخ ودارسوه من جهة، ومن لا يحبونه من جهة أخرى. هذا التقسيم يُضفي طابعا حواريًا حياً، وتوظيف الأفعال الإنشائية (اقترب ، اخلع ) يخلق دينامية وجدانية.
ثانيا: البنية الدلالية:
1. تشكيك جذري في السرديات التاريخية:
المقطع الأول يشكك في دقة ما يُدرس من التاريخ، وينحاز إلى التاريخ المضاد” و “الذاكرة الحية”، في سياق قريب من أفكار فوكو عن المعرفة باعتبارها سلطة
2. الإهداء بوصفه فعلا تصالحيا :
في «اخلع كراهيتك له»، نبرة ودّية تحفّز على إعادة اكتشاف التاريخ لا باعتباره مادة مدرسية، بل بوصفه جزءاً من الوجود الإنساني.
3. إدراك الزمن الوجودي:
العبارة الأخيرة « نحن اليوم صناعة تاريخ مضى …» تعبرّ عن وعي فلسفي بترابط الأزمنة، وتقارب مفهوم ” تاريخية الوجود” عند بول ريكور.
ثالثاً: الصلة بمحتوى الرواية:
الإهداء يقدم مفتاحاً تأويليًا للرواية؛ فهو يمهد لحكايات تُروى من وجهة نظر نسوية إنسانية، تتحدى النسق التاريخي الرسمي. حياة البطلة، هي
أستاذة تاريخ، تعيش في بيت مليء بالرموز التاريخية، وتعيد اكتشافه من خلال حكايات النساء.
رابعاً : البنية النفسية – البلاغية:
الإهداء مشبع بمجازات ودلالات نفسية: ” اخلع كراهيتك” يوحي بأن النفور من التاريخ ليس طبيعياً بل مُكتسباً. كما أن الخطاب المباشر يُشرك القارئ وجدانياً.
خامسا: التأويل العام:
الإهداء يُقرأ بوصفه كياناً ضمنياً من الكاتبة، تَعِدُ فيه القارئ بسرد مختلف، يُقدّم الحقيقة من خلال الحكاية، والتاريخ من خَلال الرواية، موجهاً خصوصاً لمن يشعرون بالخذلان من التاريخ الرسمي.
تحليل العنوان فى الرواية
أولاً : أهمية حضور” في ” في العنوان
يبدأ العنوان بحرف الجر » في «، وهو ما يُضفي على العنوان طابعًا مكانيا داخلياً ووجدانيا” في ” ليست ظرفًا مكانيًا عابراً، بل مدخلاً سردياً وبُؤرة شعورية . العنوان لا يقول” بيت المسنّات الصغيرات”، بل” في بيت المسنّات الصغيرات”، وهو ما يمنح القارئ شعورًا بأنه يدخل ذلك البيت، يقترب من داخله، ويصبح طرفاً في حكايته . يُحوّل هذا الحرف المكان من مجرد حّيز مادي إلى فضاء حميمي وعاطفي تُروى فيه الحكايات وتتجلّى فيه الذوات.
ثانياً : البنية التركيبية والتوتر الدلالي
التركيب يتكون من” : في) “حرف جر” + (بيت)” اسم مجرور + ( “المسنات الصغيرات) “مضاف إليه ووصفه “(المفارقة تكمن في) juxtaposition التجاور ,,(بين” المسنّات ” و “الصغيرات”، وهما صفتان متقابلتان زمانياً ودلاليًا . هذا التضاد يحمل بعداً نفسياً وجمالياً، حيث تشير “كلمة” المسنّات إلى نساء خضن عمراً طويلاً وتجارب موجعة، أما ” الصغيرات ” فترمز إلى الطفولة المؤجّلة، البراءة المهدورة ، والأنوثة التي لم تأخذ حقّها في النمو.
ثالثا : الوظيفة النفسية – النسوية
العنوان يعكس تصورًا وجوديًا لحالة أنثوية مشتركة، حيث تُضطرّ المرأة أن تكبر في الألم قبل أن تنضج في الحنان . هو توصيف لحالة نساء حُرمن من الأمان في بيوتهن الأولى، فأسّسن بيتاً جديدًا يحتضن جراحهن القديمة
” المسنات الصغيرات ” لا يُحِلن فقط إلى عمر أو مظهر، بل إلى تمزّق داخلي بين ما فُرض عليهن وبين ما تمنينه.
رابعًا : رمزية” البيت “
“البيت” هنا ليس مأوى فحسب، بل بيت رمزيّ : مكان للشفاء، ولإعادة صياغة فكرة ” العائلة ” إنه امتداد للمفهوم النسوي حول “البيت البديل “أو ” البيت الرحِم”، الذي تتضامن فيه النساء بعيداً عن الأنظمة الأبوية أو الاجتماعية التقليدية . تقيم الشخصيات في بيت حياة ليس باعتبارهن ضيوفاً ، بل أخوات في التجربة والأمل .
خامسا : العنوان بوصفه أداة سردية
العنوان يعمل عمل بوابة سيميائية تنفتح على عالم الرواية . وجود” في ” يجعل القارئ يدخل السرد لا كمراقب، بل كشريك في التجربة، في البيت، في الألم، في الأمل هو بداية غير مباشرة لحكاية جماعية عن نساء تشاركن ماض مجروح ومستقبل مفتوح
سادسا : المقارنة مع عناوين أخرى
قد يُذكرنا العنوان برواية» نساء صغيرات« لويزا ماي ألكوت لكنه يذهب أبعد، إذ يضيف” المسنّات ليعبّر عن مرور الزمن والخذلان، والاستمرار رغم ذلك
العنوان ذكي، رمزي، محمّل بالدلالات النفسية والنسوية، ويحمل في ذاته مفتاحاً تأويليًا لفهم متن الرواية . حضور” في ” أساسي في بناء هذا المعنى، ويُعدّ من أقوى عناصر الجذب السردي في النص.
هذه قراءة نقدية موجزة من الاتجاه النفسى والنسوي لرواية ” فى بيت المسنات الصغيرات”
الصغيرات” للكاتبة نهي عاصم، وتحتمل الرواية قراءات نقدية من اتجاهات أخرى متعددة.
