الذكاء الاصطناعي : عدو جذاب .. لا نستطيع الاستغناء عنه
بقلم الدكتورة / رضوى إبراهيم
لا غرابة في الحديث عن أن انسان القرن الحادي والعشرين أصبح “مغفلًا “ و” مستغفلًا “ بإرادته .. فلسان حاله يقول : بتستغباني يا جوجل .. يقولها بعد أن اكتشف أنه حقل تجارب وفأر في مصيدة الشبكة الإلكترونية أو العنكبوتية .. خاصة مع ظهور موجة الذكاء الاصطناعي الأخيرة ..
العالم ارتبك بشدة .. وانتابت عملاؤه حالة من الذعر .. خاصة بعد استقالة جيفري هينتون الأب الروحي للذكاء الاصطناعي ، وتأكيده أن التطور التكنولوجي المذهل من المرجح أنه سيؤدي الي تدمير البشرية ..
كان الفلاسفة منتبهين مبكرا إلى هذه الكارثة .. ففي عام 2011 أطلقت مجلة فيلسوفي ناو Philosophy Now جائزة سنوية للمساهمات في مكافحة الغباء .. غباءات الانسان المغرور الذي يخترع أشياء تشبه الحزام الناسف وكأنه يريد أن ينتحر ..
وقد فضحت الأبحاث الفائزة تباعا الخطة الجهنمية لما يحدث فيما يلي … فحركة النيوليبرالية تسعي الآن للهيمنة علي العالم من خلال مجتمع السيطرة الرقمية الذي يستغل الحرية أكبر استغلال ، فبفضل كشف الذات وتعريتها تطوعيًا لا يحدث إفشاء البيانات بالإكراه وإنما استجابة لحاجة داخلية .. ففي هذا الشكل من النيولبيرالية نجد أن الهاتف الذكي ليس فقط وسيلة من وسائل المراقبة الفعالة، لكنه أيضا حجرة إعتراف متنقلة ..
كما أن البيانات الضخمة أصبحت أداة سيكوسياسية فائقة القوة توفر رؤيا وتوقعات فعالة في ديناميكيات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك الإنساني .. من خلال الوصول إلى أفكارنا ورغباتنا المنثورة طوعًا عبر الإنترنت .. إنهم يرصدون مدي استجاباتنا العاطفية ويستغلونها علي كل المستويات .. وبدلا من أسلوب الإخضاع بالتأديب والتعنيف يتم وضع السم في العسل لنا جميعا بالجذب الحسي أو العاطفي ومن ثم ادخالنا الي عالمهم ، عالم الإدمان الذكي ..
ويقول الخبراء .. من أشد مخاطر النظام النيوليبرالي أنه نجح في ان يجعل الناس تعيش فشلها كما لو انه مسئوليتهم وحدهم ، وفي أحسن الاحوال يحولون إحباطهم إلي زيادة الإنتاجية كنوع من التعويض وجلد الذات .. وفي أسوء الحالات يصيبهم الإحباط من جراء الفشل في تحصيل الثروة أو الشهرة لأنفسهم فيتعرضون الي الاكتئاب والتدمير الذاتي ، لكنهم لا يوجهون هذا الإحباط نحو النظام الذي كان يجذبهم للوقوع فيه بإرادتهم ..
ويؤكد الفلاسفة أن النيولبيرالية الحديثة تستغل كل شيء يمكن أن يستغل في ممارسة الحرية ، مثل المشاعر والتفاعل والأماني والطموحات .. فتوهم الناس بأنهم أحرار بينما هي في الحقيقة حرية من الإكراهات ، إكراهات جديدة متتالية ..
مأساة السياسات السيكولوجية تكمن في أنها تخدع الذات لاستعباد نفسها بنفسها ..
ومع كل ما سبق فإن الذكاء الاصطناعي ليس كله شرا … فلك ان تنظر الي ما يوفره للانسانية .. فقد أصبح بإمكاننا اختزال الوقت والجهد ، وتجنب الأخطاء العرضية الناتجة عن ضعف الانتباه والهفوات المميزة للسلوك البشري .
وهكذا من دون شك تمتلك الآلة الذكية كفاءة خارقة ، لا يتوافر للبشر أي حظ في مضاهاتها ولا رفاهية الاستغناء عنها …
التحدي الأكبر الذي يواجه الانسان الآن هو :
أولا .. فقدان السيطرة على الروبوتات التي اخترعها .. فتكون السبب في فنائه ..
ثانيا .. الخوف من توحش أباطرة الرقمية وبالتالي استعباد الانسان وظلمه
ثالثا .. عجز الانسان عن ملاحقة التطورات المذهلة فتتدهور حياته ويفتقر أكثر وأكثر ، وهذا ما يحذر منه فلاسفة الاقتصاد منذ قرون مضت .. وعلي رأسهم الفيلسوف الفرنسي .. آن روبير تبرجو .. الذي يقول إذا لم نحارب الفقر فسيأتي يوم نحارب فيه الفقراء .
