رواية «أمسكي الأرنب» للكاتبة البوسنية لانا باستاشيتش الحائزة على جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب عام 2020
الكاتب / حميد عقبي
في رواية «أمسكي الأرنب» للكاتبة البوسنية لانا باستاشيتش، لانجد أنفسنا مع حكاية تقوم على حدث ولا على صراع وحبكة وتشويق واحد لكنها تقوم على رحلة ذاكرة، وعلى صداقة أنثوية تبدو مشروخة رغم أنها تَشكّلت في الطفولة ثم تصدّعت تحت أثقال الحرب، الغياب، والخيانة الصامتة.
تبدأ الرواية عندما تتلقى سارة، المقيمة في دبلن والتي انفصلت عن لغتها وماضيها البلقاني منذ هجرتها، اتصالًا مفاجئًا من ليلى بعد انقطاع دام أكثر من اثني عشر عامًا. تطلب ليلى من سارة أن تأتي إلى موستار لتقلّها بالسيارة إلى فيينا، بحجة البحث عن شقيقها الغائب. هذا الطلب، الذي يبدو بسيطًا، يفتح فجأة طبقات كثيفة من الذاكرة، ويجبر سارة على العودة إلى الجغرافيا التي حاولت الهروب منها، وإلى العلاقة التي لم تُغلق جراحها.
الرحلة من دبلن إلى زغرب، ثم إلى موستار، لم انتقالًا مكانيًا فقط، ولكنها تظهر بأنها انتقال داخلي بين أزمنة متداخلة. لانا باستاشيتش فككت حكاية روايتها خطيًا، وعملت على بعث الماضي وجعله يطفو عبر شذرات طفولة مشتركة، مثل: المدرسة، الجسد الأنثوي في طور التكوّن، الغيرة، الحب، الخوف، الحرب، والموت.
ليلى تظهر كشخصية فوضوية، جسدية، صادمة، لا تعترف كثيرًا بالحدود، بينما تمثل سارة الوعي المنفي، المراقب، المليء بالذنب والحنين المكبوت.
في موستار، حيث تعمل ليلى نادلة بزيّ فولكلوري للسياح، ينكشف عمق الكثير من الانكسارات : المدينة نفسها تظهر كأنها مسرحًا لتمثيل الذاكرة، والجسر، والأنهار، والمقاهي تتحول إلى شواهد على حرب لم تنتهِ داخل نفوس الشخصيات. البحث عن الشقيق يتحول إلى ذريعة سردية؛ فالمفقود الحقيقي لم يكن شخصًا بعينه، بل الطفولة، اللغة، والقدرة على المصالحة.
يمكن القول بأن «أمسكي الأرنب» رواية عن المنفى، الجسد، الصداقة النسوية، والذاكرة بعد الحرب، تُكتب بلغة مكثفة ومشهدية سينمائية، وتضع القارئ أمام أسئلة جوهرية متعددة، لعل أهمها: هل يمكن الإمساك بالماضي دون أن نفقد أنفسنا؟ ربما علينا ألا ننسى أن قراءة الرواية يقودنا للغوص في نص من نصوص ما بعد الحرب وما بعد الصدمة، عن الهشاشة الإنسانية في أوروبا ما بعد البلقان، وعن استحالة أن البراءة كاملة بعد الخراب.
تكتسب رواية «أمسكي الأرنب» للكاتبة البوسنية لانا باستاشيتش أهميتها من كونها نصًا أدبيًا وُلد في لحظة أوروبية شديدة التوتر، سياسيًا وثقافيًا وأخلاقيًا. فقد صدرت الرواية في سياق تصاعد المدّ العنصري والشعبوي في عدد كبير من دول أوروبا الغربية، حيث أعادت خطابات اليمين المتطرف إنتاج صورة نمطية عن أوروبا الشرقية بوصفها فضاءً للفقر، والعنف، والجهل، والصراعات التي لا تنتهي. في هذا المناخ، جاءت الرواية كفعل مقاومة سردي هادئ وعميق، دون أن يرفع الشعارات،لكنه يفكك الصور الجاهزة من الداخل وتقول شخصياتها نحن هنا وهذه أوطاننا محبة للسلام.
فوز الرواية بـجائزة الاتحاد الأوروبي للأدب عام 2020
أهمية الرواية تكمن في قدرتها على إعادة تقديم أوروبا الشرقية كفضاء إنساني معقّد، مليء بالذاكرة، والهشاشة، والتناقضات،وليس ككتلة “متخلفة” كما تصوّرها الخطابات العنصرية أو الأدب الأبيض. باستاشيتش يبدو نها لم تسعى إلى كتابة لتبرّر تاريخ المنطقة ولا لتجمّله، لكنها كتبت من داخله وعمقة الإنساني،لتكشف أثر الحرب والمنفى على الجسد، واللغة، والعلاقات، والهوية الفردية.
فوز الرواية بـجائزة الاتحاد الأوروبي للأدب عام 2020 يمكن اعتباره اعترافًا بأهمية صوت أدبي قادم من الهامش الأوروبي. هذه الجائزة، التي تُمنح لأصوات جديدة نسبيًا، سلّطت الضوء على رواية ترفض المركزية الثقافية الغربية، وتنتقد ضمنيًا النظرة الاستعلائية التي ترى في الشرق الأوروبي مجرد “آخر” مزعج، مجرد أمكنة قذرة ومجرد أناس يتصارعون بعنف.
في زمن تتصاعد فيه العنصرية، وتُغلق الحدود، وتُستعاد لغة “الأمم المدعية للتحضر” في مواجهة “الوافدين” و”الفقراء”، ظهرت «أمسكي الأرنب» كرواية تُذكّرنا بأن أوروبا ليست كيانًا واحدًا نقيًا، بل فسيفساء من جروح وتجارب متعددة. كونها رواية تُعيد الاعتبار للذاكرة الفردية في مواجهة السرديات الكبرى والسرديات الرسمية، وتؤكد أن الأدب قادر على أن يكون مساحة عدالة رمزية، في عالم يزداد قسوة وإقصاء.
سارة وليلى : مسار طويل معلّقًا في منطقة رمادية
في رواية أمسكي الأرنب، تتشكّل الشخصيتان المحوريتان، سارة وليلى، عبر مسار طويل ومتعدد يبدأ من الطفولة ولا ينتهي عند الحاضر، كونه يبقى معلّقًا في منطقة رمادية بين ما كان ممكنًا وما استحال فعله وتحقيقه. الطفولة جمعتهما في فضاء واحد: البيت، المدرسة، الجسد الأول، الغيرة البريئة، والخوف الغامض من العالم.
لكن هذه الطفولة لم تكن بريئة تمامًا؛ فقد كانت مشبعة بإشارات مبكرة إلى العنف، الفقد، واللآستقرار، وكأن المستقبل كان يُمحى قبل أن يُرسم.
في المراهقة، يبدأ التباعد. ليلى تدخل الحياة بعنف جسدي مباشر، تختبر العالم عبر الصدام، الرغبة، والاندفاع، وتتحرك كما لو أن الزمن عدو يجب كسره. سارة، في المقابل، تنسحب إلى الداخل، تبني مسافة بينها وبين الواقع، وتختار الهجرة باحثة عن نجاة. هذا الاختلاف في الاستجابة للعالم هو ما سيحدّد مصير كل منهما لاحقًا: ليلى تبقى أسيرة مكانها بينما تصبح سارة أسيرة الذاكرة.
حياة سارة في المنفى تبدو منظمة ظاهريًا، لكنها في الحقيقة تقوم على إنكار طويل للماضي واللغة والذات الأولى. تحمل وجهة نظر عقلانية، مراقِبة، لكنها مثقلة بالذنب والحنين المكبوت، وحياة ليست سعيدة تمامًا وحب ليس كاملًا أو مثاليًا. أما ليلى، فحياتها سلسلة من الفوضى والتشظي؛ تعمل، تتزوج، تنفصل، وتعيش في مدينة تحوّلت إلى مسرح سياحي لخراب لم يُعالج. وجهة نظرها جسدية، آنية، لا تؤمن بالمسافة ولا بالتصالح مع خسارات الماضي والمستقبل غير الواضح تمامًا.
ربما أننا بعد القراءة الأولى للرواية سنشعر أن المشترك بين الشخصيتين هو الفقد، وهو فقد الطفولة، وفقد الحلم، وفقد القدرة على تخيّل مستقبل جديد. كلاهما تحمل أثر الحرب، وإن بطرق متناقضة.
أما المختلف بينهما فهو طريقة العيش مع هذا الأثر، فسارة تختار الصمت والتأجيل، وليلى تختار المواجهة الفوضوية ومحاولة تذوّق الحياة. الرواية ليست من نوع الروايات التي تمنح الخلاص للشخوص وللمتلقي، لكن العمل يتميّز بأنه يكشف كيف يمكن لصداقة واحدة أن تختصر تاريخًا كاملًا من الانكسارات، وكيف تصبح العلاقة بين امرأتين مرآة لهشاشة جيل كامل نشأ بعد الخراب ويعجز أن يبني المستقبل، فثمّة عناصر وعوامل كثيرة تشدّه إلى الوراء، الجهات والروايات الرسمية تحاول دفن الماضي وتجميل المستقبل بالشعارات، لكن الأدب والفن يميلان إلى نكأ الجراح ومعالجتها لتلتئم،فقماش الشعارات واللافتات فوق جروح متعفّنة لن تجلب شفاءً لأحد، هذا ربما ما حاولت أن تقوله لانا باستاشيتش وجيل كامل ظهر بعد حرب البلقان ولا يزال يبدع ويبحث عن ذاته ويجمع شتاته.
مشهدية السينمائية وأداة سردية
في هذه الرواية تمكنت لانا باستاشيتش، من خلق مشهدية سينمائية وظفتها ضمن أداتها السردية الدقيقة مبتعدة عن التزويقات الأسلوبية المستهلكة. فالنص لا يظل يصف الحدث من الخارج، لكنه يذهب ليضع القارئ داخل اللقطة، ويُدير الإيقاع كما لو كان مونتاجًا داخليًا يتقدّم بالحكاية ويكشف طبقاتها النفسية.
في مشهد موت الأرنب ودفنه في الطفولة، نرى الكاتبة تُكثّف المعنى عبر فعل بسيط ومحدود العناصر: حيوان صغير، يدان مرتجفتان، حفرة ضحلة. لا عاطفية زائدة ولا شرح؛ اللقطة قصيرة، صامتة، لكنها مُشبعة بدلالة الفقد المبكر. الأرنب لم يوظف كمجرد رمز معلن، ولكنه كائن هشّ ينهار فجأة، تمامًا كما ستنهار لاحقًا براءة الطفولة. الدفن هنا تمرين أول على التعامل مع الموت، وعلى صنع طقس خاص خارج أي لغة جاهزة. كأن الكاتبة تُدرّب شخصياتها — ومعها القارئ — على ما سيأتي.
أما مشهد اللقاء عند بوابة المقهى في موستار فيُدار كلقطة مواجهة طويلة. سارة تقف في جهة، ليلى في الجهة الأخرى، والمدينة بينهما. لم يحدث ما كنا نتوقعه من احتضان وترحيب ودموع وعتاب؛ تولد مسافة جسدية صغيرة بينهما لكنها مشحونة بزمن كامل. التفاصيل البصرية (الملابس، الوقفة، نظرة العين) تحلّ محل الحوار. موستار لا تظهر كمدينة متعبة تُراقب المشهد.
وفي مشاهد فيينا، خاصة في النهاية، تتغيّر اللغة البصرية. الإيقاع يصبح أبطأ، اللقطات أبرد، والفراغ أكبر. المدينة نظيفة، منظّمة، لكنها خالية من الدفء. هنا تبلغ المشهدية ذروته لكنها لا تنتج ذروة درامية تقليدية، بل تآكل صامت للعلاقة. الكاميرا — إن جاز التعبير — تبتعد تدريجيًا، تاركة الشخصيات في كادر واسع لا يمنح تعريفًا.
بهذه المشاهد، نستنتج أن باستاشيتش تعي خطورة السينما في الرواية فهي ليست استعارة تجميلية، بل طريقة تفكير سردي ترى العالم عبر اللقطة، وتبني المعنى من التتابع، الصمت، والفراغ، وليس من تراكمات الشرح أو الخطابة.
خاتمة
في «أمسكي الأرنب»، تنجح لانا باستاشيتش في أن تمنح الرواية القصيرة نسبيًا عمقًا حاولت أن تجعله يتجاوز حدود الحكاية ومساراتها الظاهرة. ربما ما يبقى في الذاكرة بعد إغلاق الكتاب ليس خط الرحلة ولا لغز الشقيق الغائب، ولكن ذلك الإحساس المعلّق بأن النص نفسه كان رحلة حذرة داخل وعيٍ أنثوي مثقل بالذاكرة، وبزمنٍ لا يستقيم ولا يهدأ. يظهر بوضوح أن الكاتبة لم تسعَ إلى إقناعنا كقراء بحقيقة واحدة، بل وضعتنا في منطقة ارتياب خلاّق، وهنا تتجاور الصداقة مع الخيانة، ويمتزج الحب مع العجز، ولا نرى الحدود الفاصلة بين الحنين والرغبة في القطع النهائي.
قوة الرواية تكمن إذن في قدرتها على جعل الكثير من التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلًا إنسانيًا واسعًا. مشهد، جملة مقتضبة، حركة جسد، أو صمت طويل، كل هذه العناصر تتحول إلى ما يشبه مفاتيح لقراءة عالم ما بعد الحرب، حيث لا تعود الذاكرة ملاذًا آمنًا، وليس المنفى خلاصًا، وكذلك العودة ليست شفاءً. كل شيء مؤجَّل، مكسور، وقابل للانفلات في أي لحظة.
إذن كتبت باستاشيتش رواية عن استحالة الإمساك بالماضي دون أن يجرحنا، واستحالة بناء هوية متماسكة بعد الخراب.
تميّزت لغة الرواية بأنها ظلت مشدودة، متقشفة أحيانًا، لكنها كذلك حسّية في لحظات أخرى، عملت اللغة كجهاز كشف، لم تُرهق نفسها في تجميل التجربة ولا تقديمها في صيغة بطولية أو ميلودرامية. بل تركت الشخصيات مكشوفة، هشّة، وغير مكتملة، كما هو حال جيل كامل نشأ بين أنقاض سرديات كبرى لم تعد تقنع أحدًا. الصداقة بين سارة وليلى لا تُقدَّم هنا كقيمة أخلاقية ثابتة، بل بوصفها مساحة صراع، ومرآة لانقسام داخلي عميق.
بهذا، يمكن القول إن رواية «أمسكي الأرنب» من الأعمال التي تؤكد أن الأدب لا يملك حلولًا ساحرة، لكنه يملك قدرة نادرة على تسمية الجرح، ومواجهة ألمه وهو مفتوحًا بما يكفي كي نفكر، ونتردد، ونواصل السؤال.
من هي لانا باستاشيتش؟
لانا باستاشيتش كاتبة بوسنية وُلدت عام 1986 في زغرب ونشأت في بانيا لوكا، وتنتمي إلى جيل ما بعد الحروب اليوغسلافية الذي حمل عبء الذاكرة والانقسام والمنفى. برز اسمها عالميًا بعد فوز روايتها «أمسكي الأرنب» بجائزة الاتحاد الأوروبي للأدب عام 2020، حيث عالجت بأسلوب حداثي قضايا الهوية، الصداقة، والذاكرة النسوية بعد الحرب. إلى جانب مسيرتها الأدبية، تُعرف باستاشيتش بمواقفها الواضحة ضد القومية والعنف، ودفاعها عن حقوق الإنسان والعدالة الثقافية، كما انسحبت علنًا من مؤسسات ثقافية أوروبية احتجاجًا على صمتها تجاه الحروب، مؤكدة أن الكتابة موقف أخلاقي قبل أن تكون إنجازًا أدبيًا.
