بين عالمين … نعيش بعمق، ونظهر باحتراف
بقلم : د. سيما حقيقي
نعيش حياتنا وكأننا نتقن الانتماء إلى عالمٍ واحد، بينما الحقيقة أن معظمنا يقيم بصمتٍ بين عالمين متوازيين.
عالمٌ داخلي كثيف، مليء بالتفكير والتحليل، بالأسئلة التي لا تُقال، وبمشاعر نعرف ثقلها جيدًا لكننا نُحسن إخفاءها. وعالمٌ خارجي محسوب، نتحرّك فيه بوعي، نزن الكلمات، نختار ردود الفعل، ونُجيد الحضور باحتراف يليق بالصورة التي نريدها لأنفسنا.
بين هذين العالمين، تتشكّل شخصياتنا الحقيقية. لا في العمق وحده، ولا في السطح الذي يرانا الآخرون من خلاله، بل في تلك المساحة الدقيقة التي نُوازن فيها بين ما نشعر به، وما نختار أن نُظهره. وهنا تبدأ الحكاية…
في الداخل، يعيش عالم لا يعرف المجاملة. هناك، لا حاجة للتبرير، ولا مجال للتمثيل. الأفكار تأتي عارية، والمشاعر تظهر كما هي، دون فلترة أو ترتيب. نُحلّل كثيرًا، نشعر بعمق، ونلتقط التفاصيل التي تمرّ على الآخرين بلا أثر.
هذا العمق ليس ضعفًا، كما يُساء فهمه أحيانًا، بل حساسية عالية تجاه الحياة. قدرة على الإصغاء لما لا يُقال، وعلى ملاحظة ما يُخفى بين السطور، وعلى قراءة المساحات الصامتة أكثر من الكلمات المعلنة.
لكن هذا العالم الداخلي، على غناه، لا يصلح لأن يُعرَض كما هو في الخارج. فالعالم الخارجي لا يحتمل هذا الكم من الصدق العاري. هناك إيقاع مختلف، وحدود، وتوقّعات، وأدوار. نحتاج فيه إلى الدبلوماسية، إلى ضبط الانفعال، وإلى حضور مهني لا يسمح للعاطفة أن تقود المشهد.
وهنا يبدأ التحدي الحقيقي. كيف نحمل هذا العمق معنا، دون أن نغرق؟ وكيف نكون مهنيين دون أن نتحوّل إلى نسخ جافة من أنفسنا؟
التوازن لا يعني القمع، ولا يعني الانقسام بين شخصيتين. بل يعني الوعي بما نُظهره، ولماذا نُظهره، ومتى نختار الصمت بدل الشرح. أن تكون عميقًا لا يعني أن تقول كل ما تشعر به، وأن تكون محترفًا لا يعني أن تُنكر ما تشعر به. الفارق الدقيق يكمن في الاختيار.
نختار أن نُصغي للداخل، دون أن لنسلمه القيادة، بل لنعرف من أين نتحرّك. ونختار أن نُتقن الحضور الخارجي، دون أن نختبئ خلفه، ليكون جسرًا، لا جدارًا.
حين يحدث هذا، يتغيّر معنى القوة. لم تعد في الصوت العالي، ولا في السيطرة، بل في القدرة على الاحتفاظ بالعمق… دون أن يفيض، وعلى ممارسة الاحتراف… دون أن يُفرغنا من أنفسنا.
نكتشف أن أكثر الناس حضورًا هم أولئك الذين لا يُرهقون المكان بمشاعرهم، ولا يُرهقون أنفسهم بكبتها. يعرفون متى يتقدّمون خطوة، ومتى ينسحبون بهدوء، ومتى يتكلّمون، ومتى يتركون للصمت أن يؤدي دوره.
بين عالمين، نكبر. نتعلّم أن العمق مسؤولية وليس عبئًا، وأن الاحتراف ليس قناعًا، بل مهارة في إدارة الذات. وحين نُحسن العبور بين الداخل والخارج، لا نفقد أنفسنا، ولا نفقد احترامنا لما نعيشه. بل نصل إلى حالة نادرة من الاتساق: أن نكون صادقين دون فوضى، وحاضرين دون تكلّف، وأن نعيش الحياة بعمق… لكن بوعي يعرف متى يُمسك الخيط، ومتى يتركه.
عند هذه النقطة، لا نحتاج أن نختار بين العالمين. الاختيار الحقيقي أعمق من ذلك. أن نعرف متى ننزل إلى الداخل لنفهم، ومتى نعود إلى الخارج لنحيا. أن نحمل عمقنا دون أن نُثقِل به الطريق، وأن نمارس احترافنا دون أن نُفرّغ الروح من معناها. فليس النضج أن نكون واضحين دائمًا، ولا الحكمة أن نكون غامضين، بل أن نعرف أي نسخة منّا تحتاج أن تتقدّم في كل لحظة.
هناك، بين عالمين، لا نعيش منقسمين، بل أكثر اتساقًا. نصغي دون أن نضيع، ونحضر دون أن نُمثّل، ونفهم أن القوة الحقيقية ليست في ما نُظهره للعالم، بل في قدرتنا على العودة إلى أنفسنا… والخروج منها بوعيٍ أعلى.
