الحدس… معرفة لا تُرى أم هبة لا تُفسَّر؟

WhatsApp Image 2026 01 15 at 3.21.33 PM

الحدس… معرفة لا تُرى أم هبة لا تُفسَّر؟

بقلم: د. سيما حقيقي

WhatsApp Image 2026 01 15 at 3.21.33 PM


الحدس ليس فكرة نؤمن بها، ولا مفهومًا نحتاج إلى تعريفه، بل تجربة داخلية نمرّ بها جميعًا، ثم نختلف فقط في طريقة التعامل معها. هو ذلك الإحساس الذي يسبق الشرح، ويظهر قبل أن يُرتّب العقل منطقه، وقبل أن نبحث عن الأسباب التي تُقنعنا بتجاهل ما نعرفه بالفعل.


نحن لا نجهل الحدس كما نحب أن نتصوّر، ولا نفتقده كما ندّعي. نلتقيه كثيرًا، في لحظات عابرة، في شعور خفيف بعدم الارتياح، أو في يقين صامت لا نملك له تفسيرًا. لكن الفرق الحقيقي لا يكون في حضوره، بل في شجاعتنا على الإصغاء إليه.


الحدس لا يصرخ، ولا يُلحّ، ولا يدخل في جدال مع العقل. يظهر بهدوء، كمعرفة مكتملة لا تطلب إثباتًا، ثم ينسحب خطوة إلى الخلف، تاركًا لنا حرية الاختيار… وتحمل العواقب.


وهنا تبدأ المفارقة.


فكلما ازداد الإنسان وعيًا، وتقدّم في التفكير والتحليل، لم يصبح حدسه أقوى صوتًا، بل أصبح أكثر خفوتًا. ليس لأنه ضعف، بل لأن العقل تعلّم أن يتقدّم الصفوف، وأن يُغطي تلك المعرفة الأولى بطبقات من التبرير، والمنطق، والحكمة المؤجَّلة.


نحن لا نخطئ لأننا لا نعرف، بل لأننا نعرف… ثم نؤجّل الأخذ بما نعرفه. نؤجّله باسم العقل، وباسم النضج، وباسم الانتظار الذي نُقنع أنفسنا أنه حكمة، بينما هو في كثير من الأحيان خوفٌ مُهذّب.


الحدس لا يأتي ليُربك التفكير، ولا ليُلغيه، بل ليكشف الفجوة بين ما نشعر به، وما نقرّر أن نصدّقه. هو ليس نقيض العقل، بل طبقته الأسبق، تلك التي تتشكّل قبل اللغة، وقبل المصلحة، وقبل أن نتعلّم كيف نكذب على أنفسنا بذكاء.


وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه:

هل الحدس هبة إلهية موزّعة بالتساوي؟

أم قدرة أُودِعت في الإنسان بدرجات متفاوتة؟


ربما لا يمتلك الجميع الحدس بذات الوضوح، ولا يتلقّونه بالقوة نفسها، ولا يقرأونه باللغة ذاتها. فهناك من يكون حدسه حاضرًا كإشارة واضحة لا تخطئ، وهناك من يشعر به كقلق خفيف، أو ارتباك داخلي، وهناك من يلتقطه كإحساس غامض لا يملك له اسمًا، ولا تفسيرًا، لكنه يعرف أنه موجود.


الاختلاف لا يكون في الأصل، بل في العمق والصفاء. فيمن وُهِب قدرة أعلى على الالتقاط، وفيمن خفتت هذه القدرة لديه تحت ثقل العقل، أو الخوف، أو الحاجة المستمرة إلى الدليل.


فالحدس، إن كان هبة، فهو ليس واحدًا عند الجميع، ولا يظهر بالصوت ذاته في كل روح، بل يتجلّى بقدر ما تسمح به شفافية الداخل، وبقدر ما نحتمل من وضوح الحقيقة.


نحسّ به في العلاقات قبل أن تتصدّع، وفي الطرق قبل أن نضلّ، وفي الخيارات قبل أن نندم. ثم نفعل العكس. نمضي، ونُبرّر، ونقنع أنفسنا أن الشعور كان مبالغًا فيه، وأن القلق لا يستحق التوقّف عنده.


ليس لأن الحدس كان مخطئًا، بل لأن ثمن الإصغاء إليه كان أعلى مما كنا مستعدّين لدفعه.


ومع الوقت، لا نفقد الحدس، بل نفقد ثقتنا به. نُدرّب أنفسنا على تجاهله، على إسكات صوته، وعلى تقديم العقل في كل مرة كخيار “أكثر أمانًا”، حتى يصبح الأمان ذاته قيدًا غير مرئي.


وهنا يصبح السؤال أعمق من أن يكون:

هل الحدس قوة غير مرئية أم هبة إلهية؟


بل:

ماذا يحدث لنا حين نعرف الحقيقة مبكرًا… ولا نملك الشجاعة لنمشي معها؟


ربما لم يكن الحدس يومًا لغزًا، ولا قدرة خارقة، ولا هبة استثنائية. ربما كان أبسط من ذلك بكثير: قدرة الإنسان على أن يكون صادقًا مع نفسه قبل أن يتدخّل العقل لتجميل الخوف.


وفي النهاية، لا يخذلنا الحدس حين نُصغي إليه، بل نخذل أنفسنا حين نطلب منه أن ينتظر… بينما نحن نؤجّل الحياة باسم الفهم.


وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن الحدس سؤال معرفة، بل سؤال شجاعة. ليس: هل نملكه؟ بل: هل نجرؤ على الإصغاء إليه حين لا يخدم راحتنا؟


فالحدس لا يطلب منا أن نكون أذكى، بل أن نكون أصدق. ولا يقودنا إلى طرق سهلة، بل إلى طرق تشبهنا… حتى لو كانت أصعب.


قد لا ينقذنا الحدس من الألم، لكنه يحمينا من العيش طويلًا في ما نعرف أنه ليس لنا. وقد لا يمنحنا الطمأنينة فورًا، لكنه يمنحنا وضوحًا لا يأتي متأخرًا.


وفي عالمٍ نُتقن فيه التفكير، والتبرير، وتأجيل الحقيقة، يبقى الحدس آخر المساحات النقيّة داخل الإنسان. تلك النقطة التي تعرف… قبل أن يتعلّم العقل كيف يفاوض.


وحين نصغي له أخيرًا، لا نكتشف شيئًا جديدًا، بل نستعيد أنفسنا كما كنّا، قبل أن نتعلّم كيف نتجاهل ما نعرف.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *