لعنة
بقلم الدكتورة/ إنجي علوي شلتوت
أُمسكُ القلم محاولًا الكتابة، نافدٌ مداده، أُلقيه بعيدًا، أختار واحدًا آخر، أُعيد الكرَّة، أكتب بالقلم، باهتٌ مداده، أضغط عليه بقوة، أُجهد الورقة، لا تأتي الكلمات، تتبخّر واحدة تلو الأخرى.
أصطاد كلمة، أحاول كتابتها، يتعثر القلم بأحد السطور، يفلت من بين أصابعي، أُكرمش الورقة، ثم.. ألقيها بعيدًا.
أنفعل، أجلب ورقة جديدة، آخذ نفسًا عميقًا، استجمع هدوئي، أختار قلمًا آخر، أقبض عليه بين أصابعي، أغمض عيني، أعتصرهما لأستخرج الكلمات من زخم رأسي، تقتحمني الذكرى، فتدفع الكلمات خارج تركيزي.
أتمالك نفسي للحظات، ثم.. أخرج عن طوري.
أضغط بالقلم أضعاف القوة، أتلفُ الورقة، أزمجر، ثم أهدئ من روعي قائلًا: “لا داعي لكل هذا الانفعال”.
أشعل لفافة تبغ، أنفث دخان الماضي للأعلى، أتنهد بقهقهةٍ مفتعلة، بُترت على يد الواقع.. وذكرى عينيها.
أُبعثر أقلامي القديمة، أبحث عن قلمٍ صالح للاستخدام، يوائم حجم مأساتي، ويلملم شتات كلماتي.
تتدحرج الأقلام، فيسقط القلم تلو الآخر من فوق الطاولة، يالها من أقلامٍ مشاكسة! تفر من بين يدي فرارًا. لا ألومها، لها كل الحق في أن تخشاني.. فمزاجي أصبح سريع الاشتعال.
لم يتبقَ على الطاولة سوى قلم رصاص واحد على وشك السقوط، أمسك به قبل أن يهوى، أسحب ورقة جديدة، أوجّه المصباح نحو الورقة، أغمض عيني، أستدعي الكلمات الهاربة كما هربت أقلامي والمداد.
أخالني أمسكت بكلمةٍ، أخطها، أعجز عن كتابة غيرها، أنظر إلى الورقة، إنه اسمها.. مجددًا!
أخال القلم يتحرك على الورقة، يتمايل بين أصابعي كما يحلو له، أطلق له العنان للرسم، فلا سلطان لي عليه الآن.
أنتهي من رسم وجهها، أدقق في ملامحها، تشتعل نيران الخذلان في صدري، كانت نيّتي الكتابة، والآن.. أمامي وجه صاحبة الفضل في وجعي وانكساري!
وبكل ما أوتيت من قوة؛ أطرق بالقلم مرارًا على جدار الطاولة، أُطلق صياحًا مكتومًا، أعض على نواجذي، أخال بؤبؤيّ عينيّ يدميان.
ينقصف هيكل القلم، ثم يتحطم إلى قطعٍ خشبية حادة كطباعي. لم تفلت القطع من بين أصابعي، بل اخترقتها ليمتزج دمي بالورق.
والآن، هل تريدون معرفة ما حدث لي؟ اطمئنوا، أصبحت الكلمات وفيرة، حروفها جلية، واضحة كما لم تكن يومًا، تغريني لكتابة عشرات من روايات الغدر وقصص التخلّي، ولكن ما الجدوى من تدافع هذه الكلمات والأفكار إلى رأسي؟ من ذا الذي سيناولني قلمًا من هذه الأقلام المستقرة أسفل طاولتي؟ وحتى لو حدث هذا الأمر، كيف سأكتب بعد الآن، وقد حوّلتني الجراح إلى رسمةٍ قابعة إلى جوار وجهها للأبد، أو.. إلى حين تمحوني ممحاة النسيان الرحيم.
