ماذا يحدث في المدرسة؟

WhatsApp Image 2026 01 22 at 6.59.10 PM

ماذا يحدث في المدرسة؟

بقلم الكاتبة/ لينة مصطفى 

WhatsApp Image 2026 01 22 at 7.01.30 PM


تدور عيناي فيما يحيط بي، وأنا أسمع جرس الطواريء يدوي في أرجاء المدرسة. لقد بدأ الإخلاء. دخلت علينا مسئولة السنة الدراسية الخاصة بنا، بالصف الأخير، وقالت للمعلمة بصوت قوي آمر: “أمر بالإخلاء، حالة طواريء قصوى”.

قامت المعلمة في توتر، وقالت للطلاب: “هيا، اصطفوا جميعًا، سننزل بهدوء إلى ساحة المدرسة. “ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً، لم يلحظها أحد، ووقفت في الصف. وقفت أمامي رجا، نظرت لي وابتسمتْ. رجا، جارتي الجميلة، تعجبني كثيرًا، فتاة مجتهدة قوية الشخصية، عندما تراني تتحدث معي ودعتني عدة مرات للجلوس مع مجموعتها، شعرت أنها معجبة بي أيضًا. 

خفق قلبي قبل أن تُفتح الأبواب، وانطلقنا جميعًا في صفوف إلى ساحة المدرسة، التي امتلأت تمامًا وصارت مزدحمة، فأصبح من الصعب التأكد من تواجد الجميع. مضى الوقت في ترقب، ما الذي يحدث، سؤال مشترك تراه في العيون أو تسمعه على الألسنة؟ الجميع يشعر بالخوف والترقب، والقليل بدأ يفقد أعصابه من الموقف، وحرارة شمس الظهيرة لا تزيد الوضع إلا توترًا.

قامت المعلمات بإخراج الأطفال الصغار، أصغرهم ربما بدأ المشي حديثًا، وأكبرهم قد يكون في الرابعة، وبدأت حافلات المدرسة بتكديس الصغار بداخلها، ثم رأيناها تنطلق بعيدًا، حافلة وراء الأخرى. سينقلونهم إلى مدرسة قريبة، هكذا تناهى إلى أسماعنا. بعد ذلك خرج الطلاب الأكبر قليلًا، الصف الأول والثاني، وربما الثالث، تزاحموا بداخل عدد أقل من الحافلات، وانطلقت بهم، ربما لنفس المدرسة القريبة، أو مكان آخر. هدأت المدرسة بعض الشيء وتوقفت الحافلات عن التراص، التحميل، والانطلاق. قيل لنا لم يعد هناك المزيد من الحافلات! ماذا سيحدث لبقيتنا؟ تساءل الجميع!

بعد ذلك بقليل، وجدنا الصفوف الأكبر يصطفون مرة أخرى، يتقدمهم أستاذ الصف، ويقف مساعده في آخر الصف، ثم انطلقوا خارج المدرسة، صف تلو الآخر. عرفنا فيما بعد أنهم انتقلوا إلى مجمع تجاري قريب، سينتظرون هناك حينًا. أما نحن طلاب الصفوف الأخيرة فبقينا في مكاننا في الساحة بانتظار دورنا للخروج من المدرسة، أو ربما العودة إلى الفصول.

بدأنا نرى من خلف الأسوار بعض الأهل، يحومون حول المدرسة للاطمئنان ومعرفة ما يجري بالداخل، وحاول البعض اصطحاب اطفالهم معهم. رأيت والدة تبكي وهي تترجى رجل الأمن أن يسمح لها بالدخول لاصطحاب ابنتها، وسمعتها تكرر عليه مرارًا: “هي طفلتي الوحيدة، لا يوجد لي غيرها”، لعل هذه الكلمات تلين قلبه فيسمح لها بالدخول. وجدت والدة قاسم، هو طالب معنا في الصف، تحاول الدخول هي الأخرى، فقاسم عنده صعوبة في الحركة. رأيتها مصابة بالهلع تحاول اقتحام المدرسة لتأخذه معها.

وهناك، في الجهة الأخرى، تجمهر مجموعة من الأهالي الغاضبين، تعلو أصواتهم مطالبين بالحصول على أجوبة عما يحدث بالداخل، وعن سلامة أبنائهم. وهذه الأم، تسكن في نفس عمارتنا، عندها توأم في المدرسة، كانت تروح جيئة وذهابا تحاول أن ترى مكان الصغار، حتى تتبعهم بسيارتها.

الآن أفكر، لو كنت أبًا لأحد الطلاب هنا، وسمعت عن حالة طواريء، ثم وصلني أن الأطفال يُنقلون خارج المدرسة، وعندما جئت لتفقد الأمر، وجدت عربة المطافيء قابعة في المدرسة، وسمعنا أن عناصر الشرطة والاسعاف في طريقها الى المدرسة، لأصبت بالخوف الشديد على أولادي! عندها فكرت ماذا سيحدث لوالديّ عندما تصل إليهما الأخبار، وتسائلت، كيف هي أختي مها الآن وهي التي تخاف من أي شيء!

فجأة، دوت طلقات الرصاص فانبطح الجميع أرضًا، وساد الذعر التام. ذعرتُ، كما الجميع، ثم نظرت إلى رجا فوجدتها مستلقية على الأرض مع صديقاتها. اقتربت منها وقلت لها في همس: “لا تتحركي من المجموعة يا رجا، سأذهب لأرى ماذا يحدث”.

ردت في قلق: “عليّ، لا تذهب أرجوك، الوضع غير آمن، ألم تسمع طلقات الرصاص!”.

رددت عليها في استخفاف، رغم القلق الذي يعتمل بداخلي: “هذه أكيد طلقات غير حقيقية”.

تسللتُ دون أن تلاحظني المعلمة، وتوجهت نحو ملعب كرة القدم، حيث أتى صوت الطلقات. لم يصلني أي حديث عن مسدسات الأسبوع الماضي!

كانت هذه خطة أحمد لإثارة الفوضى والذعر في المدرسة. “تسلية” يقول لنا بكل بساطة. “سندبر اتصالًا هاتفيًا زائفًا، بوجود قنبلة مزروعة في المدرسة، في الصف الخامس، حيث يوجد ابن الديبلوماسي ذاك”. شعرت بالأدرينالين يسري في جسدي، أعجبتني فكرة إثارة الفوضى في المدرسة، لكن بعد ما رأيت بعيني، ما أصاب الأهل والمعلمين والطلاب، شعرت بالذنب، هذا ولم أكن على دراية بباقي الخطة والتي لم أجد فرصة لاستيعابها!

تذكرت رجا، عندما كانت تقول لي، بعد أن تراني مع أحمد ومجموعته: “لماذا تمشي مع هؤلاء الفتيان يا عليّ؟! إنهم فاسدون اختاروا طريقًا بلا مستقبل، وأنت، أنت ذكي، بإمكانك تحقيق كل ما ترغب به”.

فابتسم لها وأجيبها دائما بكلمات متشابهة: “سأتركهم قريبًا، لأحقق كل ما تتمنيه يا رجا”، فتخجل من كلماتي، ثم ترحل. لقد كنت دومًا عازمًا على تركهم في مرحلة ما، بعد انتهاء التسلية، ثم الاجتهاد للالتحاق بدراسة الطب، تحقيق النجاح، ثم الزواج من رجا.

دخلت الملعب متسللًا، لأرى ما أمر هذا الصوت، وأعاتبهم أنهم لم يعلموني بالخطة كاملة. عندما رأيتهم ترددت، هل أنضم إليهم أم أعود حيث كنت، فالمشاركة في الفوضى شيء، وحمل مسدس شيء آخر!

قررت البقاء مختبئا قليلًاوالاستماع إلى كلامهم، حتى أحدد موقفي. ثم لمحت من بينهم شمس!

كنت أنا وشمس أصدقاء منذ دخلنا المدرسة، وحتى الصف السادس، ثم اضطررت للاختيار بينه وبين أحمد فاخترت أحمد. أتمنى لو لم يكن عليّ الاختيار. قبل أن أنهي صداقتنا، كنا معًا طوال الوقت في المدرسة، وكان شمس يساعدني دائمًا عندما أحتاج للمساعدة، فقد كنت طفلًا ضعيف البنية مصاب بالسكري، وكنت دائما مستهدفًا من الأطفال الأكبر حجمًا والمتنمرين، لكن شمس كان دائمًا يدافع عني حتى توقف الجميع عن محاولة التنمر عليّ لمعرفتهم أنه بجانبي دائمًا.

تسائلت، ما الذي جاء بشمس هنا! وعندها تذكرت، واصفر وجهي عندما أدركت حقيقة الأمر. أحمد يكره شمس منذ مدة طويلة، لأنه هزمه مرة أمام الجميع، في نزال في ساحة المدرسة، (علم عليه كما يقال)، وأراد دومًا أن يهزمه، حتى ينتصر لنفسه. “لست أنا من يهزمني شمس ولا ألف واحد مثله”، يقولها دائمًا بغل كلما لمحه في أي مكان. في الحقيقة، يكره أحمد شمس لأنه طالب مجتهد، ورياضي ماهر، كما أنه وسيم أيضًا، وأكثر قبولًا منه. تذكرت أيضا أنه قال منذ وقت قريب أن: “الحساب قد اقترب وسيندم على وقوفه ضدي يومًا ما”. ترى ماذا ينتوي أحمد؟!

تعرفت على أحمد، في نهاية الصف السادس، كنا معا في حصة العلوم، وساعدته كثيرًا في أثناء التجارب العملية دون حتى أن يطلب مني، لم أكن على دراية وقتها أن باقي الطلاب يخشون الاقتراب منه والحديث معه، فقد كنا قبل ذلك في فصلين مختلفين. قدّرمساعدتي وبدأ في الاقتراب مني لنيل صداقتي، وبعد ذلك صرت فردًا من مجموعته، أو هكذا ظننت!

عدت من شرودي على ضربات يتلقاها شمس من قبضة أحمد بعد أن أحكم أصدقاؤه من وثاقه. أخذ أحمد يردد في صوت منتصر: “هل يؤلمك هذا؟” ثم يطلب منه بعد أن يضربه: “أطلب مني أن أسامحك حتى أتوقف عن ضربك”. مضى بعض الوقت والكثير من اللكمات، وشمس يتألم، دون أن تخرج منه كلمة رجاء واحدة.

شعرت بالغضب من أحمد، وفار الدم في عروقي، وقررت أن أتدخل. تفاجأ الجميع باقترابي، وتشتتوا قليلًا، وأنا أهتف بقوة: “لماذا لم تعلمني بالخطة يا أحمد!؟ من أين جئت بهذا المسدس؟”.

أحكم قبضته على المسدس، وتراجع قليلًا قائلًا: “لماذا جئت هنا يا عليّ؟ من أخبرك أننا هنا؟”.

رددت عليه بهدوء غريب عليّ: “هذا المكان الذي اتفقنا أن نلتقي فيه، لقد حققنا ما أردناه من فوضى يا أحمد، هيا نختبيء وسط الطلاب حتى لا تنكشف فعلتنا. ما رأيك؟”.

قال أحمد: “لم يكن من المفترض أن تأني إلى هنا؟ لماذا أنت هنا؟”، ثم احمر وجهه من الغضب وعلا صوته: “أنت معنا أم تدافع عن شمس؟ من تختار؟”.

بالرغم من أني كنت ارتجف من الخوف، إلا أنني وجدت بداخلي قوة وثباتًا، ورددت عليه: ” أنا فقط لا أريد أن نعاقب وندخل السجن! لذلك أحدثك بالمنطق هيا بنا نعود إلى صفوفنا حتى لا يُلاحَظَ غيابنا، ويعرفون أننا وراء هذه المشاغبات”.

يبدو أنه قد دخن الكثير من الحشيش، يبدو مشوشًا ومتوترا، ليقوم بكل هذه الفوضى!  ظهر عليه المزيد من التوتر عندما سمع أحد أفراد المجموعة يقول له: “أبي سيقتلني إن عرف أن لي دخلًا بما يحدث يا أحمد”.

وقال آخر: “لقد لقنت شمس درسًا قاسيًا وانتقمت، هيا بنا نعد أدراجنا”.

أخذ يمشي ذهابا وإيابًا، ثم قال بعد دقائق من الصمت: “حسنًا، هيا ارموه هناك في نهاية الملعب، ولنعد إلى صفوفنا قبل أن يكتشفونا”.

ساعدتهم في القاء شمس في آخر الملعب، ونظرت إلى وجهه الذي ينزف، ويبدو عليه الإعياء، يحتاج إلى الذهاب للمستشفى. بدأنا بالمشي بعيدًا عندما قال شمس فجأة: “لن تنجو بفعلتك هذه أبدًا، أنت ومن معك. لن أتركك تنجو”.

وكأن عقربًا قد لدغ أحمد، فأمسك بالمسدس وارتد إليه صارخا: “سأسكتك إلى الأبد يا شمس، ولن يعرف أحد أبدًا ما حدث”.

تجمد الزمن، ورأيتني أسرع الخطا نحو أحمد، أحاول أن أحدثه بالمنطق، وأمنعه من استخدام المسدس، ثم رأيت رجا ومعها المعلمة وبعض أفراد الشرطة يقتربون ويصرخون شيئًا، أحمد يدفعني جانبًا ويصوب المسدس باتجاه شمس، أعود لأحول بين أحمد وشمس، ثم رأيتني أرتد بعيدًا، وأسقط أرضًا، وجرح في صدري تنفجر منه الدماء. وجدت رجا تنحني عليّ وهي تصرخ باكية، وشمس يتحرك نحوي بالرغم من جراحه، والشرطي يثبت أحمد ويجرده من السلاح.

ما الذي يحدث هنا؟! كيف أراني على الأرض وعيني مغمضتين! لم أعد أسمع أو أشعر بأي شيء. صرت فجأة خارج جسدي أشاهد ما يجري. رجا تحاول إيقاظي قبل أن تبعدها عني المعلمة، الطاقم الطبي، يقومون بعملهم لمحاولة انعاشي. حاولت الاقتراب من رجا لأمسح دموعها، حاولت الكلام، “أنا هنا، أنا بخير”. أردت أن اطمئن على مها، وأن أرى والدي حتى لا يقلقا علي.

وقفت بجانبها وهي لا تراني، أكلم نفسي وأسألها: كم مرة دعتني أن أتركهم؟ كم مرة عرفتني على زميل مجتهد يرغب في الحصول على أصدقاء؟ كم مرة دعتني لأتكلم مع مجموعتها ولكني كنت اتهرب؟

هل ينفع الندم في هذه اللحظة! هل هناك لحظة أخرى أعود فأصلح ما أفسدت

تؤلمني دموعها، وتأبى يدي أن تتحرك لتمسحها.

..

لحظات أسود أمامي كل شيء، ربما وقت أطول. الآن أراني في سيارة الاسعاف، معي معلمة الصف. لا شيء، انتفض جسدي وهم يحاولون انعاشي، لا شيء، تبكي معلمتي وهي تمسك بيدي، الطريق يبدو بلا نهاية، وعيني رجا وهي تبكي لا تفارقاني، ليتني تمكنت أن أمد يدي لأمسح دموعها.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *