ليكن انسحابك هادئًا وسلميًا
بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم
إن تعبير الانسحاب الهادئ السلمي يُقصد به هنا عملية “التغاضي”، وهو ببساطة يعني التسليم بشرف وتواضع لفوضى الحياة. إنه نوع من القبول، من الرضا بالحال، ومن إنهاء الصراع الداخلي.
غالبًا ما نتعارك بشأن أمور حياتية خارجة عن سيطرتنا: الضوضاء، الفوضى، التعليقات غير المرغوبة، الأشياء المفقودة، الوقاحة، النقد الجارح، المواسير المكسورة، أو البالوعات المسدودة… إلخ. فنغضب وننزعج ونتمنى لو كانت الأمور مختلفة، لكن النتيجة النهائية تظل واحدة: الأمور تبقى كما هي، مهما صرخنا أو تشاجرنا. بل إن ردود الفعل العنيفة لا تزيد الأمر إلا سوءًا.
الانسحاب الهادئ لا يعني الهزيمة، ولا اللامبالاة أو الكسل، بل هو قبول واعٍ، ورغبة في التخلي عن الإصرار على أن تسير الأحداث وفق ما نريد. الحكمة من وراء هذه الاستراتيجية بسيطة: قد نتمنى لو كانت الأمور مختلفة، لكنها ليست كذلك، وما تزال كما هي.
هذا لا يعني أن نتوقف عن السعي للتغيير أو تحسين الموقف، بل أن ندير الأمور بطريقة مختلفة عندما يكون ذلك ضروريًا. ما تستهدفه هذه الاستراتيجية هو الإحباط الناجم عن عدم سير الأمور على هواك.
ويبدأ الانسحاب السلمي من التفاصيل الصغيرة. فعندما تُعد كوبًا من القهوة ويسقط منك وينكسر، يمكنك أن تختار بين الغضب والصراخ، أو أن تتنفس بعمق وتقبل اللحظة كما هي: أمامك كوب مكسور، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى غضب أو ذعر. القضية الآن: ماذا ستفعل؟ الكوب قد انكسر بالفعل، والخيار لك أن تزيد الأمر سوءًا أو أن تهدأ وتتعامل معه ببساطة.
الأمر ذاته مع شريك الحياة: إذا قال شيئًا يضايقك، يمكنك أن تختار التغاضي أو الابتسام بدلًا من الرد السريع. فالنقد قد حدث بالفعل، ورد فعلك هو ما يصنع الفرق. إذا استطعت أن تغيّر ردودك المعتادة لتصبح أكثر هدوءًا، ستكتشف أن كل شيء سيكون على ما يرام.
في منزلنا، ابتدع أحد أبنائي عبارة بسيطة تصف هذا الاستسلام الهادئ: “آه… حسنًا، كل شيء جائز حدوثه”. فما فائدة الغضب أو الصراع؟
هذه الاستراتيجية تصبح أكثر فعالية حين تعم الفوضى. أتذكر حين زارني ابني مع أسرته، وكانوا جميعًا جوعى، بينما لم أكن قد أنجزت أعمالي المنزلية. في تلك اللحظة، رن الهاتف والباب معًا، وظننت أنني سأفقد صوابي. لكنني أخذت نفسًا عميقًا وتركت الأمر يمر بسلام. وما إن استرخت نفسي حتى هدأ كل شيء.
إن كنت ترغب في تطبيق هذه الاستراتيجية، ستدهشك النتائج. فكلما كنت أكثر هدوءًا، أصبحت حياتك أيسر. ستمنع السلبية قبل أن تتفاقم، وستتعامل مع الفوضى بروح جديدة، ومع قليل من الممارسة ستجد أن حياتك تحمل مفاجآت أقل وإشراقًا أكبر.
ابدأ من اليوم، وجرب أن تقلل من الفوضى بممارسة الاستسلام الهادئ.
