شتاء بلا مطر
بقلم الكاتبة/ منى عاشور
كانت الإسكندرية في يناير دائمًا ما تشبه لوحة زيتية غايًة في الجمال، لم تجف ألوانها بعد؛ رمادية، صاخبة، ومبللة .
لكن هذا العام، كان كل شيء مختلفًا، كان البحر هادئًا على غير عادته، السماء زرقاء صافية بعناد، وكأن الشتاء قد أضاع مفاتيح المدينة.
كورنيش جاف …
وقف ” عم أمين ” بائع الفريسكا أمام سور الكورنيش في ” محطة الرمل “، مرتديًا معطفه الصوف الذي اعتاد أن يحميه من ” نوة الكرم “، لكنه اليوم يشعر بحرارة الشمس تلسع وجهه .
نظر ” عم أمين” إلى الأفق قائلًا لصديقه ” منصور” الصياد الذي كان يجلس بجانبه يرمم شباكه، ” هل رأيت يا منصور ؟” نحن في منتصف طوبة، والأرض لم تبتل بعد . الإسكندرية لم تعد كما عهدناها .
رد منصور وهو يمسح العرق عن جبينه : ” البحر غاضب يا أمين، المطر هو روح هذه المدينة، وبدونه تبدو الشوارع باهتة في الشتاء، وكأنها ترتدي قناعًا لا يناسبها “.
ذاكرة الشوارع ….
في أزقة ” العطارين ” كانت ” نور ” الطالبة بكلية الفنون الجميلة، تسير ومعها دفتر رسمها. كانت قد خططت لرسم انعكاسات أضواء الشوارع في برك مياه المطر، وتصوير المارة وهم يختبئون تحت مظلاتهم الملونة .
لكن المدينة كانت جافة تمامًا، الغبار يغطي واجهات المباني الإيطالية القديمة، وصوت الزحام يبدو اكثر حِدة و جفافًا – جلست ” نور” على مقهى ” بسترو ” وبدأت ترسم شيئًا مختلفًا : رسمت سحابة وحيدة تبكي، ومن تحتها أناس يرفعون أيديهم للسماء، ليس طلبًا للدفء، بل طلبًا لتلك القطرات التي تغسل هموم المدينة .
ليلة الأنتظار ….
في المساء، اجتمع الناس في ” بحري ” كانت رائحة اليود قوية، لكنها تفتقد لتلك الرائحة السحرية التي تظهر عندما يعانق المطر تراب الشوارع .
كانت المقاهي ممتلئة، فجأة، تغيرت نبرة الريح، بدأت تصفر بين فجوات ” قلعة قايتباي ” وتحول لون البحر من الأزرق الهاديء إلى الرصاصي الداكن … استبشر ” عم أمين ” وهو يلملم بضاعته، وابتسمت ” نور ” وهي تفتح نافذة مرسمها .
كان الشتاء يختبر مدى اشتياق الإسكندرية لروحها . ومع أول قطرة سقطت على رصيف الكورنيش، تنفست المدينة الصعداء .
عادت الرائحة المألوفة … واختلطت ضحكات الناس بصوت الرعد البعيد .
أدرك الجميع ان جمال الإسكندرية في ذلك الصخب الشتوي، الذي يجعل كل فنجان قهوة قصة، وكل تمشية على البحر ذاكرةً لا تُنسى .
