نقيصة
بقلم الدكتورة/ نجوى محمد سلام( الفراشة الحالمة)
اعتبروها نقيصته ، لكنني ربما لتشرب أفكاري بألوان الحدائق الملونة كنت أراها بصمة استثناء تميزه ، طلته بروحي كانت أيضا استثنائية مثله ، أنجذبت إليه صدفة كتبت ربورتاجاتها سلالم المبني الأدبي بمدرسة أم المؤمنين الثانوية بنات ‘ رغم انتمائي للقسم العلمي فصول الفائقات فرنسي ، كانت وقتها اللوائح الداخلية بمدرستي تفصلنا قسمين اللغة الفرنسية والألمانية كل حسب مجموعه في المرحلة الإعدادية ، عادات وتقاليد عائلتي كانت تجبرنا جميعًا علي دراسة القسم العلمي شئنا أم أبينا .
قَدِمَ لمدرستنا من إحدى مدارس الصعيد ولا نعرف السبب ، طويل باعتدال تهابه وترغبه ، شعره كعباءة جدتي القطيفة التي عانقت جسدها عناقها الأبدي بعد وفاة جدي كلما خرجت ، إبتسامته التي تشق أحزاننا عنوة كان لاسمه نصيب كبير منها .
يومها تذكرت وأنا في الدقائق الأخيرة بحصة الأحياء غياب جارتي وزميلتي بالمدرسة هند بسبب نزلة البرد التي ألمت بها – لله درها من نزلة جمعتني بمن أحببت – وما طلبته مني من إعطاء واجبات مادة الجغرافيا لزميلتها سعاد بالفصل ، استأذنت مدرس الأحياء وذهبت علي عجل ، حلقت بجناحاي كفراشة لتزل قدمي علي درجات السلم فانتبهت لصوته ناصحاً : معلش السلمة دي عايزة تتصلح أبقي خدي بالك المرة الجاية .
كانت تلك هي مرتي الأولي التي أحدثه فيها لكنها لم تكن المرة الأخيرة فقد توالت الأحاديث بيننا بعدها وكر خيط الأبجدية .
لم يكن من مبرر لمكوثي فترات طويلة بمبني الأدبي غير الذهاب لحجرة الموسيقي التي تجاور حجرته ، لذا تعمدت أن تكون الموسيقي مجال اختياري في لائحة اختيار المجالات ، ورغم كوني لا أفقه شيئًا عن السلم الموسيقي لكني عشقت نوتاته أو هكذا ادعيت لوالدتي وقتها .
أبي كان مقربًا جداً لي ، كان رجلاً ذكيًا بما يكفي لكشف تورد أنثاه الوحيدة فجأة ، كشف سري المباغت سريعا خصوصًا حينما كان يلقنني دروس البلاغة ويستدرجني حواره لأسقط في براثن الاعتراف .
أكملت عامي بجدارة وتفوق ، وتجرأ باسمي وتقدم لخطبتي لكن أمي – سامحها الله – ثارت ثائرتها ضده حين وقعت عيناها علي عصاه ، واكتشفت صداقة أنامله لطريقة برايل .
حاول أبي ثني عزمها لكنها كانت من ذلك النوع من النساء التي لا تقهر ، استقبلتني عتبات الجامعة بالأحضان والموت أيضاً ، فقد عانق بسامي الثرى إثر حادث انفجار نفث سمومه إرهابي ، مضت السنين وغزل نتف الثلج أنسجته علي شعري وتلاعبت يد الزمن بملامحي وأنا كما عهدي معه رجلي الذي لا يغيب .
