دور المثقف في عصر التهافت الأخلاقي

WhatsApp Image 2026 02 05 at 2.28.59 PM

دور المثقف في عصر التهافت الأخلاقي

الكاتبة / زينب السعود

WhatsApp Image 2026 02 05 at 2.27.18 PM


الثقافة هي القوة الناعمة للمجتمعات وهي المصفاة الدقيقة التي تمر عليها جميع الأحداث المفصلية والوقائع المحلية والعالمية . يقع  المثقفون أحيانا في حالة من الحيرة والتردد بين النأي بالنفس أو الخوض في بعض ما يطرح مجتمعيا وعالميا. لكن التصنيف لم يعد بالمطلق بين المحلي والإقليمي والعالمي ، بل تجاوزه إلى إنساني ولا إنساني وبشري وأبشع مما تصفه كلمة حيواني . فبين فكرة إماتة الباطل والإحجام عن المساهمة في نشر القلق أو الشائعات أو تلميع بعض الظواهر المنبوذة اجتماعيا ومنحها دعاية مجانية ، وفكرة مسؤولية المثقف ودوره في المشاركة بإرساء قواعد الوعي ، والتنبيه على ما يطرأ في الفضاء العام من تحولات سالبة تدك البناء القيمي والأخلاقي للأفراد والبيئة الاجتماعية بشكل عام . 

عندما ظهر ما يسمى بملفات (جيفري أبستين )إلى العلن أول مرة كان الأمر في العالم العربي أشبه بالحواديت التي تصلنا من عوالم بعيدة ، كأننا نشاهد فيلما ممعنًا في الفجور الأخلاقي لشرذمة من الممثلين الذين تهاووا إلى أعمق نقطة يمكن أن يصلها الإنسان من  الحضيض. عادت أخبار (أبستين ) وجزيرته قصة تجعلك تصدق لوهلة أن  كاتبها شبح  حاك بذرتها من خيال نجس آسن  ، عادت إلى الواجهة مرة أخرى لكنها هذه المرة تستعرض نفسها ومشاهد أطفال غزة ونسائها ما زالت غصة ترخي بظلالها الكئيبة على عموم الشعور الإنساني العالمي الصادق الذين أعملت فيهم آلة القتل الصهيونية كل أدواتها بل تفننت في صور المقتلة وشاهد العالم كيف تباد فئة من البشر جوعا وبردا وحرقا ودفنا تحت انقاض البيوت والمساجد والكنائس والمدارس. مشاهد (أبستن )هذه المرة تحمل فيما يتداول عنها من أخبار وشائعات ومبالغات وتهويلات أسماء لمثقفين وكتّاب بل وعلماء عالميين مثل بيتر عطية وريتشاريد دوكنز ونعوم تشومسكي وستيفن هوكنج وغيرهم . ظهور هذه الأسماء على السطح لا يعني بالضرورة تورطهم الكامل أو الجزئي ولكنه يجعلنا نستحضر دور المثقف وسط المال المتسخ الذي يراد له الطهارة عبر تمويل مراكز البحث في أعرق الجامعات في العالم . المثقف الغربي المتواطئ مع أمثال (أبستين ) هو في الحقيقة مشارك بطريقة ما في عملية الهدم الأخلاقي والإنساني التي تقوم بها شرذمة تخلت عن أبسط قواعد الإنسانية . ما يتم تداوله من صور الأطفال والقاصرات والنساء اللاتي يتم استغلالهن في الأعمال المشبوهة إنسانيا وأخلاقيا يجعل مثقفي النخبة الحداثية والذين اتخذوا من التنوير الغربي شعارا ومبدأ لكتاباتهم وطرحهم الفكري ومعهم منظري النْسوية في حالة ثقافية حرجة أمام جمهور متلقيهم . كيف سيدافع هؤلاء عن صورة الثقافة  الغربية التي روجوا طوال عقود كثيرة لمثاليتها وتفوقها على الثقافة العربية ، وما هاجموه من أخلاقيات الدين وقيم المجتمع باسم محاربة التراث وتاريخ لا أقول أن كل ما فيه كان مشرقا ويصلح للنمذجة ، ولكنه تاريخ في مجمله اعتنى بفكرة الفضيلة والأنسنة  . لقد نزعت غزة المزيد من الستارات المهلهلة التي لم تتمكن من درء عورات نخبة تتحكم بالمال والاقتصاد تشايعها بعض الأقلام النخبوية ممن أصمت آذانها عن صوت الضمير ، وسمحوا لأسمائهم أن تنتهكها مشاهد أبستين وإن حاولوا تصدير أنفسهم ومن باب التكفير عن الذنب بالظهور في مظهر المنحاز للإنسان.

وثائق ( أبستن ) المزلزلة للوعي الجمعي للإنسانية هزة عميقة للقوة الثقافية الناعمة التي عليها أن تكون بمستوى عال من الوعي والمسؤولية وعدم الهروب من مواجهة دور المثقف الحقيقي ، والاكتفاء بإطلاق الدعابات والتندر بما تحمله الصور والأخبار فالأمر أكبر من أن نستخدمه لمداعبة الجمهور على صفحات التواصل في عالمنا العربي ، الأمر ببساطة يبرر ما فعلته آلة المال الاستعماري في بلادنا ، وكيف كان قتل أطفال غزة أمرا عاديا ومعتادا في ظل ما شاهدناه من صور وقرأناه من جرائم ضد إنسانية البشر. 

إنه زمن يضع الثقافة في اختبار صعب مع دورها الحقيقي ومسؤوليتها كسلاح ناعم في وجه درن الحضارة الغربية المزعومة  في ظل سقوط آخر قشرة تحجب عوراتها  ، وزمن يتطلب من المثقف العربي أن يقوم بدوره لإعادة إنتاج علاقتنا مع أنفسنا وتراثنا والآخر ، ومراجعة صادقة لمفاهيمنا المستوردة من الغرب وإخضاعها للفرز والتنقية .

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *