بنت مولانا
بقلم الكاتبة وروائية وسيناريست / ريم أبوعيد
تقفُ في الشرفة الصغيرة الوحيدة في تلك الغرفة الموصد بابُها من الخارج بإحكام، والخاليةِ من كل شيء عدا سرير معدني واحد وعِدة ملاءات مهملة ملقاة على الأرض، عيناها تدور في أرجاء الغرفة؛ بحثًا عن سبيل للخلاص. لم تعد تتذكَّر منذ متى وهي حبيسة في تلك الغرفة التي لا يربطها بها سوى شعور بالاغتراب والوحشة. نظرت من الشرفة بحذر إلى الأسفل؛ لتقيس المسافة ما بين الشرفة وبين الشارع الجانبي الذي تُطلُّ عليه، لم يكن الارتفاع شاهقًا ولكنه أيضًا لم يكن منخفضًا بالقدر الذي يضمن لها سلامة الوصول إلى مِرفأها المنشود بسلام وأمان. عادت تتلفت حولها في الغرفة وهي تشعر باختناق شديد وكأن الجدران تضيق من حولها حتى تكاد تُطبق عليها من كل اتجاه. لم تتردد في اتخاذ القرار الوحيد المتاح أمامها في تلك اللحظة، كانت تعي جيدًا أنها تجازف بحياتها، ولكنها كانت تدرك جيدًا أيضا أن بقاءها حبيسة ذلك المكان هو موتٌ حتميٌّ بطيء. أخذت تجمع الملاءات وتربط أطرافها معًا بإحكام، حتى انتهت منها جميعًا، ربطت طرف إحداها بقوة في قائم من قوائم السريرالمعدنية، دلَّت الملاءات من الشرفة ونزلت منها بحرص وهي تتشبث جيدًا بالحبل الممدود إلى أسفل والذي صنعته بنفسها من الملاءات. كانت دقات قلبها تتسارع من شدة التوتر والخوف حتى كادت تتوقف قبل أن تلمس قدماها أرض الشارع، التي ما إن وطأتها حتى تنفست الصُّعداء وأحست بطاقة الحياة تنساب من جديد في أوصالها. كان الشارع مزدحمًا عن آخره ولكنها لم تلتفت لأي من العابرين فيه، بل لم تتطلع حتى إلى وجوههم التي بدت لها ضبابية كضبابية نفوسهم وقلوبلهم التي صادفتها طيلة سنوات حياتها المنصرمة. ظلت تركض وتركض بلا توقف، كان الزحام يخفُّ من حولها شيئًا فشيئًا حتى اختفى الجميع تمامًا ولم يبقَ سواها في الطريق الذي بدأ هو الآخر يختلف عن ذي قبل. بدا ممهَّدًا ومعبَّدًا حين خرجت خروجًا آمنًا من وسط ذلك الزحام الذي يعج بأناس لم تكن يومًا ما تنتمي إلى عالمهم. توقفت لبرهة تلتقط أنفاسها اللاهثة المتعبة. لاح لها من على مسافة بابٌ خشبيٌّ صغير لم تلحظه حين بلغت منتهاها إلى هذه البقعة من الأرض، وكأنه انبثق من العدم فجأة، ولكنها وبالرغم من ذلك لم تستشعر أي غرابة في الأمر وكأن روحها كانت تسعى إلى الوصول إليه وتقودها نحوه بغير وعي منها. مشت بخطوات هادئة ومرتاحة نحو ذلك الباب ودفعته بكل ما فيها من يقين بأن خلفه تقع جنَّتُها المنشودة التي طالما أنبأها حدسها بأنها ستصل إليها ذات يوم، والذي صدق بكل ما يحمله الصدق من معانٍ. فخلف ذلك الباب الصغير الذي يبدو عاديًّا جدًّا من الخارج، رأت ما لا عين رأت، أرض شاسعة الاتساع يكسوها اللون الأخضر بأكملها، ليس لاتساعها نهاية محددة يستطيع بصرها أن يصل إلى مداها، ووسط هذه الأرض الخضراء شجرة وحيدة جذورها ضاربة في أعماق الأرض ممتدة بامتدادها، جذعها عظيم الحجم ناصع البياض كأنه يضيء من داخله دون أن يمسسه زيت، أغصانها ممتدة في كل مكان باتساق يثير الدهشة والانبهار، أوراقها خضراء يانعة تنبض بالحياة. سارت نحوها بخطوات؛ لهفة للسكينة والسلام التي كانت تنشدها طوال عمرها، جلست تحت ظلالها الوارفة وأغمضت عينيها ولأول مرة منذ أمدٍ بعيد تنعم بالراحة والأمان.
فتحت عينيها ككل صباح، تلفَّتت حولها وابتسمت بيأس يخالطه الرجاء. يأس حين وجدت نفسها مُمدَّةً على ذلك الفراش الوحيد الذي تتقاسم معه وحدتها في تلك الغرفة التي تكاد جدرانها تنطبق عليها من كل اتجاه وذلك الإحساس بالاختناق الذي يلازمها في كل مرة تستيقظ فيه من نومها منذ سنوات، ورجاء استمدته من تكرار ذلك الحلم الذي كان يعاودها من آن لآخر بذات التفاصيل. غادرت الفراش والغرفة والبيت كلَّه بعد أن رسمت على شفتيها ذات الابتسامة التي اعتادت رسمها بإتقان في كل المناسبات، والتي تحسدها عليها نساء كثيرات تظن كل واحدة منهن أن صاحبة تلك الابتسامة لم تعرف الشقاء يومًا ولم تعش معاناة أو حِرمانًا قط. أما هي فكان يسعدها ظنهن، كان يبقيها على قيد الحماية من ألسنتهن التي اعتادت أن تلوك ما ليس لهن به علم ولا شأن. قابلت الجميع بمرحها المعهود في تلك الأمسية المنعقدة لمناقشة كِتاب لأحد زملائها من الكُتاب، وهناك التقته ولأول مرة ذلك الذي جاء إليها من خلف غيوم الحلم حاملاً وهج الحياة في عينيه وبين أضلعه قلبٌ ينبض بحب كبير لها، حب قدري جمع بين روحيهما منذ أن وجدا في ذلك العالم البرزخي الأزلي، عرفها ولم تنكره. تكررت لقاءاتهما بعدها وأحاديثهما التي كانت تحمل بين طياتها الكثير من النداءات الخفية التي تَعِدُها بأيام قادمة بلون الحياة، ذلك اللون الأخضر الذي كسا حلمها الذي كان يروادها عن جبرٍ متحقَّق لا محالة يليق بصبرها الطويل. حين صارحها بحُبه أيقنت أنه كان الحلم الذي كان يسكنها وينام بين جفونها منذ أن جاءت إلى هذه الحياة، وأنه هو الروح التي خُلقت من أجلها في ذلك الوجود الأثيري البعيد. كان هو الحلم وتفسيره، الجنة وشجرة الخلد التي بشَّرتها بها السماء حين كانت روحها تطوف في الملكوت بعدما تخلد للنوم في تلك الليالي التي كانت تشتد بها رغبتها في الهرب من صخب البشر وضجيج حياة كانت تنقصها حياة.
