نماذج من الاضطراب النفسي في حياة العباقرة والمبدعين
بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم
“وصلت أسوان كالساهر الذي طوى الليالي وصالا بغير راحة ، ثم ركن بجنبه لحظة واحدة إلي طرف الفراش ، إنه في سهرته ، يواصل الحركة ولا يبالي متي يرقد ليستريح ، ولكنه يرقد لحظة واحدة فلا يدري متي هو قادر علي النهوض .
وتملكتني فكرة الموت العاجل ، فادهشني أنني لم أجد في قرارة وجداني فزعا من هذه الفكرة ، وكدت أقول لنفسي إنني أطلبها ولا أنفر منها …!
وأخال أن صدمة اليأس كانت أشد علي عزيمتي من صدمة المرض ، أو علي الأصح ، من صدمة الأعياء ….
وأشد ما أصابني من هذا اليأس أنه كان يأسا من جميع الآمال ، ولم يكن يأسا من أمل واحد ، كان يأسا من معني الحياة ، ومن كل غاية في الحياة .
هو الموت إذن كما استقر في خلدي بلا أثر ولا خبر ، وهو الموت إذن أمضي إليه صفر اليدين من مجد الأدب ومجد الدينا ، ومن كل مجد يبقي بعد ذويه …وهل هذا يليق ؟ يا ضعية لرجاء المجد المتطلع إلي عشاق وعبادة ؟ “ .
بهذه العبارات السابقة رسم عباس محمود العقاد ( المرجع : ضيف ( شوقي ) ( ١٩٦٤ ) . مع العقاد . دار المعارف ( سلسلة اقرأ ) العدد ٢٥٩ ( ص ٨١ – ٢٨ ) مشاعره خلال فترة معاناة حادة في حياته المبكرة في مدينته بأسوان .
ومن المؤكد لو أننا طلبنا من أي طبيب نفسي أن يصف حالة هذا الكاتب الكبير من خلال تلك العبارات لما تردد أن يصف حالته بالاكتئاب . ففي هذه العبارات وصف نموذجي لاضطراب الاكتئاب بما في ذلك :
* العجز عن الاسترخاء والنوم ؛
* ومشاعر اليأس والتشاؤم ؛
* والإرهاق البدني ؛
* والاحساس بالركود والأعياء والعزوف عن النشاط الإيجابي ؛
* والشكاوي البدنية ؛
* والترحيب بالموت .
وفي تعليق له علي هذه الحادثة ، روى “ لأنيس منصور.“ – الذي حاول بدوره الانتحار عندما كان تلميذا صغيرا – ما ألم به من معاناة واضطراب التفكير . قال العقاد :
“يومها يا مولانا .. لم أجد شيئا يتفق مع عقلي ، لم أجد منطقا لأي شيء .. وجدت كل الناس مجانين ، وأنا العاقل وحده ، وجدت كل شيء قد اختلت موازينه .. بل انعدمت موازينه ، وأنا وحدي الذي أمسك ميزانا .. ما فائدته ؟ .. ما فائدتي ؟ .. إذن فليس مرغوبا ، ولا مطلوبا أن أعيش ، أو حتي أن أكون ، فقررت ألا أكون .. فإذا كان وجودي ليس باختياري ، فليكن موتي باختياري“ ( المرجع : مري ( بنيلوبي ) ( ١٩٩٦ ) . العبقرية : تاريخ الفكرة . ( ترجمة محمد عبد الواحد ، مراجعة عبد الغفار مكاوي ) . الكويت ، سلسلة عالم المعرفة : الملس الوطني للثقافة والفنون والآداب . (ص ٨٨ ) .
وما قاله العقاد يكشف عن صورة مألوفة لما يلعبه الاكتئاب والاضطراب النفسي في حياتنا من تشوش في التفكير ، وتشاؤم في المزاج ، وتطرف في أدراك الأمور بأسوأ التوقعات .
ولم يكن عباس “العقاد“ بين العظماء وحيدا قي هذا المجال ، ولا أول ولا آخر من عانى أو سيعاني الاكتئاب والاضطراب النفسي .
مثلا يكتب لنا الطبيب النفسي “رونالد فييف“ Fieve ، ، وهو طبيب نفسي معاصر ، ارتبط اسمه باكتشاف عقار الليثيوم Lithium المعروف بتأثيره الإيجابي في علاج حالات التقلب الوجداني ، يكتب لنا فصلا كاملا في كتابه ما يدل علي أن بعض المشاهير السياسيين من أمثال “ أبراهام لينكولن Abraham Lincoln محرر العبيد ، الرئيس السادس عشر للولايات الامريكية المتحدة ، و “ثيودور روزفلت“ Theodor Roosevelt ، و “وينستون تشرشل“ Winston Churchill ، قد عانوا بالفعل درجات حادة من التقلب الوجداني ، التي كان الاكتئاب أحد ملامحها الرئيسية .
فيصف لنا ”فييف“ أن “لينكولن“ عاني نوبات اكتئابية منذ فترة مبكرة في العشرينيات من العمر ، وآلي أن صار محاميا ، واستمرت معاناته حتي توليه رئاسة الولايات المتحدة . وفقا لما ذكره هو نفسه في خطاباته ، وما كتبه المقربون منه وعملوا معه عن معاناته . ولأن موجة الاكتئاب واليأس التي كانت تصيب “ لينكولن “ ، كانت تتلوها فترات من النشاط الزائد ، والاغراق الشديد في العمل ، فقد افترض “فييف“ أن “لينكولن“ عانى حالة من الجنون الدوري الخفيف ، أي ذلك النوع من الاضطراب الدوري ، والتقلب المزاجي الحاد بين الاكتئاب والهوس . ولأن أسرة “ لينكولن “ قد خلت من حالات مماثلة من هذا الاضطراب ، فقد افترض “فييف“ أيضا أن الاكتئاب الذي أصاب “ لينكولن “ لم يكن بسبب عوامل وراثية معروفة ، لقد كان أقرب ما يكون إلي ما يسمي بالاكتئاب الاستجابي ، والدليل علي ذلك ، أن الاكتئاب ظهر لديه مبكرا في العشرينيات من عمره حين دخل في موجة حادة من الاكتئاب إثر وفاة حبيبته . وكان يشاهد وهو يتجول ويعيش هنا وهناك علي شاطيء البحر ، وبين الغابات ، وهو يبدو مشتتا ، غائب الذهن ، مطأطيء الرأس ، مستغرقا في ذاته وأحزانه . ولم تشفع له ، فيما يبدو ، حتي حياته التالية عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة ، فقد كانت تنتابه نوبات من الاكتئاب منذ الشهور الأولي لتوليه الرئاسة ، تميزت بالهبوط الحاد في الطاقة علي الفعل والحركة ، والرغبة في الانزواء بنفسه ، في ظروف كانت تتطلب منه الدخول في معارك سياسية حاسمة . وقد ازدادت حدة المرض لديه ، عندما توفي ابنه في البيت الأبيض . بعدها ازدادت حالته سوءا لدرجة أنه جعل من يوم الخميس من كل أسبوع يوما للعزلة ، والإغراق في الحزن ، يعتكف خلاله بعيدا عن الآخرين وعن نشاطاته في توجيه أمور الدولة .
أما الصورة التي آخذها هذا الاضطراب لدي “ روزفلت “ فقد تماثلت مع الصورة نفسها لدي “لينكولن“ بفارق أساسي واحد ، وهو أن الاضطراب الدوري الذي غلب علي “روزفلت“ كان يجنح نحو الاستثارة الشديدة . فقد كان “روزفلت“ دائم الحركة والنشاط ، لا يكف عن العمل . صحيح أنه كان يتعرض بين الحين والآخر لنوبات من الاكتئاب ، إلا أنها كانت بالمقارنة ب “لينكولن“ فترات قصيرة ، كان يرجع بعدها لروحه المتفائلة النشطة .
أما “ تشرشل “ فقد عرف عنوانه كان مستهترا بحياته ونقوده ، ولا يولي نتائج أعماله ما يليق بها من اهتمام ، لدرجة أن “لويد جورج“ غريمه السياسي طالب بوضعه تحت المراقبة ، و “فرملته“ ، خوفا من نتائج أعماله علي مصير بريطانيا العظمي ، وهذه الخصائص كانت تميزه في الحالات التي لم يكن فيها مكتئبا ، أي في حالات الهوس . وفي مثل هذه الحالات عرف عن “تشرشل“ أنه كان لا يتوقف عن الكلام ، وأنه يقول ما كان يعن له دون ضوابط ، ولا يترك للآخرين فرصة للحديث أو لإبداء الرأي . واشتهر عنه أيضا أنه يتحول في مثل هذه الحالة إلي إنسان متسلط ، محب للسيطرة ، وللدخول في نشاطات متعددة ومتعارضة بما فيها الكتابة الأدبية والسياسية ، وتوجيه دف{ الحرب ضد هتلر ، وبناء الدولة في مواجهة السيطرة النازية في أوروبا ، والبدء في تنفيذ مشاريع طموحة ، لم يكن بمقدوره متابعتها فكان يتركها لمعاونيه لإنهائها إيجابيا أو سلبيا .
ولكنه كان أيضا يتعرض لحالات من الاكتئاب الحاد ، طوال عمره تقريبا ، كان يسميه بلغته الأدبية “ الكلب الأسود “ Black Dog ، لوصف المعاناة التي كانت تنهشه خلال أزمة الاكتئاب .
ويمنحنا الأدب العربي مثالا آخر موثقا عن هذا الاضطراب تمثله شخصية “ماري زيادة“ أو الآنسة “مي“ ، كما كانوا يسمونها في الأوساط الأدبية . عرف عن “مي” حب الأدب ، وإتقان اللغات الأجنبية . ومن المعروف عن هذه الكاتبة المرموقة أنها وهي في قمة مجدها الأدبي تعرضت لصدمات مريرة ، جعلتها تشعر بالوحدة والحزن والكآبة ، وتحولت تدريجيا إلي حب العزلة والابتعاد عن الناس شيئا فشيئا ، وهي التي اشتهر عنها أنها جعلت من بيتها في مصر صالونا ثقافيا مفتوحا لكل أصحاب الأقلام المعروفين في ذلك الوقت . وقد انتهت حياة “مي” إلي مستشفى الأمراض العقلية بلبنان لتقضي فيه عاما كاملا . وبالرغم من أن النقاد والأدباء يرون أنها انتهت إلي المستشفى نتيجة لحيلة دنيئة حاكها ابن عم لها طمع في ثروتها ، فأشاع أنها قد جنت ، فإنها كتبت رسالة لقريب لها في لبنان نشتم منها أعراضا للبذور الأولى من الاكتئاب . في بعض المقاطع من هذه الرسالة تقول “ إني أتعذب ياجوزيف ، ولا أدري السبب ، فأنا أكثر من مريضة ، وينبغي خلق تعبير جديد لتفسير ما أحسه . إني لم أتألم في حياتي كما أتألم الآن . ولم أقرأ من الكتب أن في طاقة إنسان أن يتحمل ما أتحمل . وددت لو علمت السبب علي الأقل … “.
إننا نعتقد ، أن مؤامرة إصدار الحكم بحجزها في مستشفي “العصفورية” للأمراض العقلية بلبنان ، فضلا عما افتقدته من دعم اجتماعي من المحيطين بها ، كل ذلك أضاف إلي إشعال غضبها المكتوم ، وحنقها ، فكان الانهيار العصبي ، والاستسلام للاكتئاب . وفي رأينا أن قصة “مي زيادة” تقدم برهانا واقعيا جيدا لنظرية اليأس المكتسب ، فهذه النظرية تكشف كيف أن تغيرات الحياة ، وتبدلاتها قد تساهم علي نحو فعال في اكتساب الاضطراب النفسي والعقلي .
وفي النهاية ، ومن عرضنا لهذه الأمثلة السابقة التي عانى أصحابها أعراض المرض النفسي ، فقد يستنتج القاريء المتعجل أن المرض النفسي والاضطراب العقلي سببان من أسباب العبقرية والشهرة . أو أن الابداع والعبقرية يقودان إلي الجنون والاضطراب . فهل الإبداع حقا هو مرض نفسي ؟ وهل العبقرية تدفع حقا إلي جنون ؟ أو أن هناك طريقة آخري لقراءة هذه النتائج والخروج منها باستنتاجات مختلفة .
