للرجال فقط

WhatsApp Image 2026 04 02 at 9.52.30 PM

الكاتبة التونسية / فاطمة الزهراء بناني

WhatsApp Image 2026 04 02 at 9.53.00 PM

الساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحا من يوم سبت، والزوجة تستعد للخروج للعمل، مودعة زوجها الذي ظل في الفراش لأن-اليوم يوم راحته.
فتحت الباب وخرجت، ثم شغلت محرك السيارة.. وما هي إلا لحظات حتى غادرت المكان… لم تسر بها السيارة إلا بعض مترات، حاذت الرصيف وتوقفت هناك وتركتها مكانها ونزلت بسرعة. وذهنها مشوش… ووجهها شاحب وعيناها ورمتان توشيان بعدم النوم…وحثت الخطى عائدة إلى المنزل..لعلها نسيت أمرا أكيدا؟.لكن حركاتها تنمان على خلطة من الأحاسيس بين نار الخوف وبعض أمل.
خوف من أن ما حرم النوم على جفونها حقيقة…وأمل من أن ماأطال سهادها البارحة مجرد شك… نعم شك لا يقين…ليته مجرد هواجس لا صحة لها…رددتها مرات وهي تنزع حذاءها مرتعشة رغم الحذر.ثم تسللت على أطراف أصابعها ودقات قلبها تكاد تفضح ما فعلت..وولجت من باب المطبخ الذي تعمدت تركه مفتوحا قبل المغادرة،ودخلت قاعة الجلوس ملتصقة بجدار غرفة نومها مرهفة السمع،رغم طبول الحرب التي تطرق دفتي قلبها تكاد تخلعهما…وبصعوبة حاولت السيطرة على نفسها فوصلها صوته مزهوا،متغزلا” أنت : وردة أيامي،وبشرى أحلامي…لا لا لا لقد غارت في ألف داهية.ليتك كنت بين أحضاني، أشتم عطرك الرائع يا عمري…أنت لا تعلمين ما أعانيه.فرائحتها تفوح بصلا وثوما وكمونا ههههه….طبعا لا وجه للمقارنة..ما أبعد عطرك على الزعتر والكراث ورائحة الحرمل هههههه..
انتابها دوار..وكادت تسقط أرضا..ثورة الشك التي قاومتها أياما وليالي وكذبت فيه ظنها باتت حقيقة عارية لا ريب فيها ويقينا صارخا مرا أليما .
استنجدت بالجدار تسترد بعضا من أنفاسها التي كادت تتقطع،وخرجت من صدرها الجريح شبه كلمات:”الملعون يخدعني كل هذه المدة..إنها النهاية…رحماك يا سعادتي الخادعة.. اليوم سقطت أول سارية من سواري هذا البيت الذي ظننته موطنا لأمنياتي..رباه. لقد ضاعت كل الأحلام وتبخرت مع عطر عشيقته اللعينة….الخائن بعثر أجمل التفاصيل في حياتي..وسرع آخر أنفاس حبنا بيد خائنة عابثة….الحقير..كيف سأقدر على لمسه؟..على محادثته ؟ كيف أحضنه وحضنه أصبح نجسا قد لوثته أنفاس أنثى عابثة…ضاع الصدق في قذارة فعلته.. وقضى على كل أثر جميل..ونثر القبح في ربوع هذا البيت الذي ظننته رائعا…
لمن أهمس حبيبي بعد اليوم؟لمن ألبس الحرير..وأرش العطر؟…لمن أهب انتظاري ؟ …لمن..؟لمن…؟
لملمي سوسن شظاياك. وتماسكي. ثم انتفضي من جديد كعنقاء خرجت من تحت ركام الرماد…لتحلق من جديد…اخرجي من تحت الحطام امرأة جبارة …لا تنسي أبدا أنك حواء التي لم يصمد أمامهاآ دم وانزلته من الجنة أرضا مقابل إرضائها..غيري كل المعادلات..أعيدي خلط الأوراق ..فاللعبة لا بد من تغيير قوانينها الرتيبة…”.
لم تقصد عملها بل هربت للبحر تستعير من موجه العتاوة والشراسة…وهبت عليها نسمات باردة زادت ملوحتها في تعميق الجرح النازف..المفتوح…لم تتألم..بل تلذذت وجعها. فما عاد للوجع ألم بعد ما حدث..لم تعلم كم لبثت ..لأنها كانت منشغلة بترتيب أفكارها .غادرت البحر وعادت تجر أذيال الخيبة وقد غاب ذهنها عن العالم، فلا عاد العالم يسع وجعها..ولا عاد الزمن يشدها الى الواقع..ولا الواقع يربطها بالحياة..فأي معنى للحياة وهي تقف على أطلال حب عصف بطهره عابث لا مسؤول.؟.
.عادت إلى بيتها امرأة …تفوح من أنفاسها رائحة الانتقام.. والغيض الدفين…وكأنما هي سحابة غامضة سبقت العاصفة..
أدارت المفتاح. وفتحت الباب..وخطاها تحمل جثة أنفاسها أنات.. باردة..يابسة.. تخرج من قلب نازف..وعقل مصدوم..
عادت ولم تهتم بهذا الوغد الذي اعترضها وصابون الحلاقة يكسو ذقنه.فانتبه لمقدمها وقال بتساؤل:”
مابك؟هل أنت مريضة؟عزيزتي هات يدك لمساعدتك”.
لم تجبه ودفعت يده الممدودة إليها باشمئزاز..واقتربت بفتور واضح من أول أريكة..وتركت جسمها يسقط ..وذهنها غائب عن الوجود. غير مبالية بهذا الخادع الذي قتلها بأسئلته المطلية بالنفاق والبهتان.. فأغمضت عينيها..حتى يكف عن الكلام الذي يذبحها..فلاهي قادرة على سماع صوته الكاذب..ولاعلى رؤيته يتلوى كأفعى غادرة..ولا على استنشاق رائحة الخيانة الخانقة تفوح من كل قطعة من جسمه..الذي ما عاد لها من اليوم…هو مجرد جيفة تتراقص عليها الغانيات الرخيصات.
أغمضت عينيها…وشغلت شريط حياتها،تتصفحه لحظة بلحظة،بين نار الغبن،ولهيب الغيض.وجحيم الذكريات الكاذبة…التي كم بدت لها تافهة .لم تكن تستحق منها كل ما بذلته من عطاء مجاني لا معنى له. وفي داخلها هاتف يهتف أإلى هذا الحد كنت غبية..؟
نظر إليها،ظانا أنها نامت..وجذب الباب خلفه بهدوء وتركها في أتون الماضي تصطلي بحقيقة حاضرها التي ذبحتها من الوريد إلى الوريد.فكانت كجريح لا الجلوس أراحها..ولا الوقوف هدأ من روعها،ولا المشي بث فيها الطمأنينة…ولا التفكير أخرجها من هذه الورطة…حتى الدموع شمتت فيها فما انهمرت لعلها تغسل بعضا من حزنها العميق…
انعطفت على الراديو تفتحه فإذا أم كلثوم تغني “الحب كلو…” عاجلت بأسكات صوتها وهي تصيح:عفوا سيدة الكل،كاذبة أنت،عن أي حب تتغنين؟أنت أيضا خدعتني بكلماتك ،وزينت لي الدروب…فبنيت أحلاما عريضات ومشيت في طريق ظننته مقمرا.. وها أنا أقف على الأطلال بعد ثورة الشك التي أيقظتني من غفلتي على هذا الكابوس الذي اقض مضجعي واستعبدني……
وهذه الصور..صورنا..عيد ميلادي..خطبتنا.. زفافنا…أوهام..أوهام كاذبة…خدعة هائلة..مات الحب…فسجوه..وهاتوا الكفن..والنعش وجهزوه للدفن.. قبل أن تفوح روائح العفن…أكرموه .واقبروا معه قلبي المخدوع فإكرام القلوب الجريحة دفنها..وقدموا لي التعازي..تعازي عشرين سنة أضعتها بين الطاعة والخنوع.. أمسح وأكنس.وأنظف وأدلل وأطعم ثعبانا خائنا ينهش لحمي..ويطفح خبزي..ويمتص دمي ويكفر بحبي.. ويتندر بي بين العشيقات.. ويسخر من صدقي…أعلنها لنفسي…اليوم طلقت الفرحة مع حبه..وأضرمت حريقا في أحشائي لا يطفئه إلا الإنتقام..
جهزت مائدة الطعام ونادته باسمه…لأول مرة تناديه محمودا..
جلس بصمت وهو يردد في سره :محمود؟..أين يا عمري…يا حبي..يا روحي؟ اه!أتكون شكت في الأمر؟
أجابته عيونها التي تسترق النظر إلى ملامح وجهه المضطربة ويداها تجذبان الكرسي المقابل بدل الكرسي المحاذي لكرسيه.
-ليس شكا بل هو اليقين بأم عينه.
رد:الأمر لا ينبئ بخير ففي عينيها كلام لا تصرح به شفتاها
-بل في قلبي نار. وبارود…
-أيام وتهدأ.أنا أعرفها جيدا..قد تكون ضغوطات العمل.
-أنت مخطئ هذه المرة..أيام وأهد هذا البيت على رأسك.
قالت بهدوء فيه نوع من الاستفزاز:
-كل يا محمود. أراك اليوم مشتت الفكر.مالك؟.
رد بصوت خافت :
-بل أنت غير عادية اليوم.
قالت:
-كان كابوسا قاتلا حول دماغي إلى بركان.
قاطعها بشرود
-عن أي كابوس تتكلمين؟
ردت:
-صداع البارحة،كاد رأسي ينفجر من الألم.وخاصم النوم جفوني..أه لو جربته..إنه مرير..مرير..
قاطعها مستغربا سلوكها اليوم.
-الحمد لله أنه مر بسلام..لا بد أن ترتاحي.
عادت تحدث نفسها من جديد:
-أنت مخطئ. إنه السكون الذي يسبق العاصفة.وحق دموعي..وحق كبريائي. . وحق النار التي تلتهم أحشائي… ستحتسي من نفس الكأس.
تكاد دموعها تفضحها لكنها تسيطر عليها وتكبح جماح انهمارها…وتهدأ..فتبعث الطمأنينة فيه.. فيهمس لنفسه من جديد
-الحمد لله!كم كنت واهما…زوجتي حمل وديع .كيف تفطن وهي تستثيقني..ولن يخطر ببالها شيء..حمدا لله.
-قضمت التفاحة بشراهة وحدثته عيونها
-قل ما لذ لك.حمل وديع..أرنب غبي…العبرة يا عبقري بالنتيجة.

أوت إلى فراشها..وزوجها يستعد للخروج للعمل قائلا:
تمتعي بأسبوع إجازة.استردي فيه عافيتك..فأنت مرهقة من كثرة العمل ..والروتين القاتل.
ودعها وغادر البيت.
شغل محرك السيارة…راقبته من النافذة…أسرعت إلى الأبواب توصدها.عادت إلى الفراش ..رفعت الوسادة.أخرجت وريقة صغيرة..تأملتها ونقلت منها رقما ودخلت في مكالمة مطولة ..محتواها رموز وشفرات كانما هي تعمل في المخابرات.وطالت المكالمة..تبتسم تارة وترسم تكشيرة أخرى وأحيانا تتظاهربالاستغراب…. وكان نصف المكالمة مجاملات مصطنعة.. وقهقهات مزيفة…تنهي المكالمة قائلة …كل خطوة لا بد أن تكون مدروسة… إلى اللقاء مساء.
تتنفس الصعداء..أيها اللعين سترى..سترى.
الساعة السابعة مساء. تسللت إلى الطابق الرابع..وجدت باب الشقة مفتوحا…دخلت تتلفت يمنة ويسرة… كل الأبواب مغلقة ..والمدرج خال..والمصعد متوقف..والصمت يسود المكان..أغلقت الباب وراءها…. استعملت الهاتف بعض الوقت… رن من جديد..فأسرعت تغادر الشقة بعد أن وصلتها إرسالية قصيرة قرأتها بسرعة وأسرعت نحو المصعد بخطى حديثة.. تلتفت قبل أن تصعد..ترى زوجها يخرج مستاء..ينظر لها ..ويسرع نحوها..ينفتح المصعد تدخله…تشغله.. ..يجري خلفها…لكن المصعد ينزل.. تغادر..تركب سيارة كانت في انتظارها .تلقي نظرة على سيارة زوجها بهزء…فقد عطبت الإطارات بأن أفرغتها من الهواء قبل أن تصعد إلى الشقة المجاورة التي يلتقي فيها عشيقته…نزعت الشعر المستعار..والكعب العالي وتركتها لدى صديقتها.قائلة أسرعي ..أسرعي…أرجوك .لا بد أن أعود بسرعة..
أدارت المفتاح في قفل الباب ..وولجت بيتها.. علقت المعطف الأبيض مكانه..
ألتفت باحثا بين وجوه المارة وال
راكبين عن معطف أبيض ..
غسلت وجهها..وارتدت ملابس النوم واندست في الفراش. وقد بدأت دقات قلبها تهدأ شيئا فشيئا..
أدار المفتاح في قفل الباب..تفطنت إليه فتظاهرت بالنوم..
تسلل إلى غرفة النوم.. فتح الدولاب..المعطف الأبيض مكانه..وهي تنام كما تركتها. والكتاب الذي تعودت على قراءته كل ليلة مفتوح أرضا..رباه ..الشك يعصر قلبي..ويقتلني… يطوح بي ..أنها هي ….رأسي سينفجر… هي ..لا…المعطف نفسه..الكعب العالي لا أعرفه..لون الشعر ليس بلون شعرها..لكن المشية مشيتها والخطوات .وحركات اليدين ..والالتفاتة.. كلها تشير أنها هي ..هي بعينيها..سأسألها.. وكيف أسألها..وماذا سأقول لها ..أكنت في شقة صديقي؟ هل يخدعني ويطعنني من الخلف.؟لا لا هراء سوسن لا تفعلها ..أنا أعرفها..إنها هي..بل تشبهها لعلها عشيقة الملعون خالد؟ …لم يخبرني بذلك… لا بد أن أبحث عن الكعب العالي والشعر المستعار..مؤكد أنها خبأتها في أحدى الغرف ..والنظارات….أين هي؟..يركض كالمعتوه.
يعودإلى غرفة النوم…تتثاءب وتتمطى..وتقول له …يبدو أنني نمت كثيرا..كم الساعة؟ لما لم توقظني؟مالك حبيبي؟أراك شاردا منزعجا…
رد تائها:لا.لا لا .أعاني صداعا حادا ألم بي منذ ساعة…
أجابت :
-أنا عكسك.لقد نمت ملء جفوني.
عاوده الشك من جديد.
-هل تهزأ مني؟إذا فعلتها اللئيمة وقتلتني بدم بارد.
وبحاسة حواء السادسة.قرأت ما يدور في رأسه.فقالت:
-هل أعطيك حبة مسكنة مثل التي أخذتها قبل النوم. .وأخرجت من الدرج علبة دواء ناولته إياها ..فنظر لها قليلا ..ثم أخذها.
هدأ باله بعض الشيء
-أتكون صادقة؟ لقد تركتها في حالة صعبة.لكن خيالها وهي تركب المصعد لن يفارقني طول العمر.
قالت في نفسها.
-سيظل لعنة تقتفي أثرك .وتفسد عيشك مثلما نغصت حياتي.
تثاءبت ،وتمطت بدلال وقامت بغنج نحوه تخاطبه؟
-مالك حبيبي؟ألا ترى أنك مقصر في حقي؟تعال إلى حضني.
مشى إليها مشية الحائر المهموم وهو يهمس كيف أهرب منك إليك؟
مدت يدها إلى زر آلة التسجيل متظاهرة بالبحث عن أغنية رومنسية فإذا بالعندليب يصدح بألم :
-لا تكذبي إني رأيتكما معا… أسرعت تغير القرص الليزري وهي تقول :
-ما هذا النكد؟
أحجم بجفاء،فجذبته إليها.وفي فؤادها كلام لا يسع الكون وشماتة كبرى.
جمع شتات قلبه وتشجع وقال :
-هل أنت،،؟
فردت :
-وهل أنت….؟
ثم أطلقت العنان لضحكة ظاهرها حب وباطنها شعور بالنصر والانتقام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *