عندما يكون الكاتب مثقفًا مضطلعًا على التاريخ بحبّ، ومتأثرًا بعناصره بطريقة انفتاحية تستدعي استثارة قلم أديب سارد فلابد أن يجرب تلك الملكة أو الهبة في فضاء الكتابة وسينجح بالتأكيد ليس لكونه مؤرخًا كالسالف من المؤرخين ولا لكونه كاتب سيرة ذاتية كأدباء اتبعوا ذلك النوع وبرعوا به، بل لأنه كاتب يقبض على حدث تاريخي ويضعه في سياقه الزمني ثم تتوهج القصة بين يديه فيعمل خيالاته لينتقي أبطاله بذكاء ويحررهم من الأوراق القديمة ويضعهم في سرديته ضمن أقصوصة تعتمد على الخيال والذكاء والتوثيق والحقيقة “وهذه دون شك المهارة التي يشتهر بها سامح الجباس، فبالرغم من أن هذه الرواية تقع في ١٩٨ صفحة إلى أنها مكثفة وثرية…
والمتتبع لرواياته يقرأ سردياته ضمن فتراتها الزمنية وبشخوصها الاعتبارية بعين مدققة وذهنية واعية وخيال محلق لتكتسب عندها المتعات المتاحة للقارئ الواعي من توثيق وقصة ورواية وتشويق
فما المختلف هنا؟
عمد الكاتب إلى تدوير الزمن فلم يكتف بحقبة بل اعتمد في بناء سرديته على حبكة ثلاثية محكمة كما سماها في عنونة سرديته” عقدة وحبل”
فما هي العقدة وهل قِدمها مبرر للبناء وإشارة لعدم فكها وهل ذاك الحبل استدعى الحلول أم زاد العقدة تلك قوة ومتانة؟
اعتمد الجباس عقدة ثلاثية تدويرية وفضاءً متشعباً للسّرد يستلزم ذهناً صاحياً وقارئا واعياً
ثلاث أزمنة وثلاث مجموعات من الأبطال وثلاث قصص مختلفة تجمع بينها ثيمة “الحب والفقد”
١- جين تيمنًا برواية “جين اير” في الاسكندرية ١٩٤٤ وقصتها المنفصلة “قصة حب وتوثيق”
٢- عادل ١٩٦٧ “قصة حب وسفر وهجرة من الريف للمدينة بقصد العمل”
٣- هناء القاهرة ٢٠١٣ “قصة منفصلة تبدأ اجتماعية نفسية وتنتهي بحب وفراق”
والرابط بينهم أول الحبل بعقدته القديمة تلك هي رواية “جين اير الشهيرة لـ شارلوت برونتي”
وهذه التقنية التدويرية السردية الحداثية المبتكرة والمحفزة.
فلا المحب نال حبيبه في القصص الثلاث ولا العقدة فكت مهما طال الحبل وامتد وهذه مناسبة لأثني على عنونة العمل الذكية والتي تنم عن ذهنية متقدة وذائقة مميزة “حبل قديم وعقدة مشدودة”.
عالجت السردية مشاكل اجتماعية ونفسية في سياقاتها الزمنية والتاريخية وركزت على ثيمة الحب كونها المستمرة والعابرة للأزمنة، كما وأنها استحضرت الفترات التاريخية المميزة “النكسة والثورة /مابين قديم وجديد والحروب فيما بينها والتأثيرات الاجتماعية والإنسانية على الشخوص المختارة بدقة لتتواءم مع التصاعد الحدثي والحبكة الثلاثية المبهرة والتي تزيد من أهمية التوثيق وتثري السياقات السردية
“حروب /ثورات/علاقات /تطور تكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي/ هجرة من الريف للمدينة/صعوبات التأقلم/مشاكل الزواج والعنوسة/ وكلها ترتبط بحبال دقيقة وبكل براعة مع بعضها بخيط جامع وهو الحب والفراق.
اختلاف طرائق التواصل بين القديم” رسائل”والحديث “انترنت ووسائل التواصل الاجتماعي” مروراً بالتخييل والجرأة واللقاءات الحقيقية أو المرضية التخييلية أحياناً أخرى وهذه وجدناها في مستويات السرد الثلاث….
براعة الربط بين الشخوص ورواية”جين اير”
________
تعمد “الجباس” إدراج اسم “جين” كعتبة أولى ومن ثم الربط الأولي مع أحداث الرواية وبعد ذلك اعتمد على جمل وفقرات من الرواية كأسلبة إضافية تحسب كنقطة مضيئة في فضاء السرد.
يقول في صــــ ٩ :
تقول جين اير ” هل بوسعك أن ترشدني إلى مكان أجد فيه عملاً؟ إنني غريبة بلا معارف هنا وفي حاجة إلى أي عمل. ”
وهذا المقطع نستطيع اسقاطه على البطل الذكر “الطبيب والد جين نيقوس” وعلى البطل عادل.
الأنثى في السردية:
سلط الضوء على الأنثى المظلومة والضعيفة والتي تعاني عبر الأزمنة الثلاث من فقدان الحب والإجحاف والطمع وهذه نقاط إنسانية بالضرورة واجتماعية مع اختلاف الأزمنة والأمكنة.
هذه رواية يقال فيها وعنها الكثير وتستحق الفوز في “كتارا” والترجمة للغات عديدة، ليس فقط لأهمية السياقات والمزج بل لثراها التوثيقي وسعة أفقها ونمطها السردي بالإضافة للمقدرة والتي استقرت لدي من خلال متابعة عدة روايات لكاتبها حيث اتضح خطه المميز والذي لايشبه أحدا من حيث الاتكاء على وثائق وأحداث وتواريخ والبناء الدرامي عليها ومعها كسرديته المميزة” رابطة كارهي سليم العشي ” و روايته المختلفة والرائعة “بوستة عزيز ضومط” بنمذجتها المميزة تلك .

بقلم الكاتبة/ ريم محمد