بقلم الدكتورة/ براءة جاسم
لقد أصبحت ظاهرة الإنتحار أزمة عالمية لا يمكن تجاهلها؛ فحالة تحدث كل ٤٠ ثانية، ومقابل كل شخص ينهي حياته هناك ٢٥ يحاولون. إليك أبرز الحقائق العلمية والمجتمعية حول هذا الخطر وكيفية الوقاية منه:
أسباب تتجاوز الاكتئاب:
رغم ارتباط الظاهرة بالاكتئاب (يوجد ٣٠٠ مليون مصاب عالميًا يكبدون العالم خسائر فادحة)، هناك مسببات أخرى لا نتحدث عنها كالفصام، ثنائي القطب، اضطرابات الأكل، الصدمات، التنمر، التعرض للعنف أو الاغتtصاب، والأزمات المادية والأسرية.
خطر يهدد جميع الفئات:
يُعد السبب الثاني للموt للشباب (١٥-٢٩ عامًا)، وسببًا رئيسيًا لو.فاة السيدات في السنة الأولى بعد الولادة. وحتى الأطفال ليسوا بِمأمن؛ ففي عام ٢٠١٦ فقد.نا عالميًا قرابة ١٠ آلاف طفل (٥-١٠ سنوات)، وغالبًا ما يكون السبب التنمر، أو العنف المنزلي، أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
أهمية الطوارئ النفسية:
تشير الإحصائيات إلى أن ٩٠% تقريبًا ممن تخلصوا من حياtهم عانوا أمراضًا نفسية قابلة للعلاج. لذا نحتاج لمراكز طوارئ تعمل على مدار الساعة بمتخصصين مؤهلين؛ فالسؤال المباشر للمريض “هل تفكر في ذلك؟ / هل لديك خطة؟” ومناقشته علميًا يُنقذه ولا يحفزه أبدًا.
.
سلاح الإعلام ذو حدين:
التأثير السلبي (تأثير فيرثر): التناول الدرامي والأدبي السلبي، أو تغطية أخبار المشاهير تحفز على “التقليد” (Copy cat)، كما حدث بعد رحيل الكوميديان “روبن ويليمز” بزيادة ٢٠٠٠ حالة.
التأثير الإيجابي (تأثير باباجينو): الالتزام بإرشادات إعلامية وقائية يخفض النسب، كما حدث في النمسا (١٩٨٧م) بانخفاض الحالات بنسبة ٨٠٪.
.
علامات تحذيرية (هم لا يرحلون فجأة):
هناك إشارات كالتحدث عن الموت، العزلة، اليأس، واضطرابات النوم. يجب تدريب المتعاملين مع الشباب للتعرف عليها وإرشادهم للمختصين قبل فوات الأوان.
.
الحل في التكاتف:
رغم أن مصر من أقل ٢٠ دولة في هذه النسب، إلا أننا نحتاج لاستراتيجية شاملة لنشر الوعي في المدارس والنوادي والأسر، وتقبل المرض النفسي دون وصم، وفصل التوعية العلمية عن السرد المثير للتفاصيل الذي تمارسه أحيانًا وسائل التواصل.
الأزمة العالمية وإحصائياتها:
لقد أصبح الانتحار أزمة عالمية تعاني منها المجتمعات بشكل عام، ولم يعد بإمكاننا تجاهلها أو التظاهر بأنها غير موجودة؛ فالإحصائيات خطيرة وتنذر بكارثة مُحْدِقة. حالة فقدان حياة كل 40 ثانية، ومقابل كل شخص يُقدم على ذلك هناك ما يقارب 25 شخصًا يحاولون القيام بالأمر.
.
ويعد هذا السلوك ثاني سبب للموت بين سن الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين، هذا ما كشفت عنه المنظمة العالمية للصحة. وتشير إحصائيات ودراسات أخرى إلى أن تلك الظاهرة واحدة من الأسباب الرئيسية لموت السيدات في السنة الأولى بعد الولادة، وهذا موضوع يحتاج لسلسلة مقالات للحديث عنه خاصة عندما نعلم أن المرأة غالبًا ما تصاب بالاكتئاب بعد الولادة الأولى أو الثانية.
.
وحسب بعض الإحصائيات أيضًا، فإن نسبة الإقدام على إنهاء الحياة لدى الرجال تصل إلى أربعة أضعاف ما عند النساء، ولكن نسبة تفكير النساء في القيام بذلك أكبر من الرجال.
الارتباط بالاكتئاب والأمراض النفسية:
.وبالرغم من أن هناك ارتباطًا شرطيًّا عند معظم الناس بين تلك الخطوة والاكتئاب، فإذا ذُكر أحدهما ذُكر الآخر، إلا أن هناك أمراضًا وأسبابًا أخرى -لا نتكلم أو نكتب عنها كثيرًا- تؤدي إلى النتيجة ذاتها أيضًا؛ منها: الفصام، وثنائي القطب، والقلق الشديد، واضطرابات الأكل، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الشخصية، والهلاوس السمعية والبصرية، وتعاطي الكحوليات والمخدرات، والتنمر، والتعرض للعنف اللفظي أو النفسي أو الجسدي أو الجنسي، الصدمات، والاغتصاب، والتعرض لحدث جلل، والمشاكل الأسرية، والألم العاطفي بسبب الخسائر كوفاة أحدهم أو الخروج من علاقة مهمة لدى الشخص، وفقدان العمل، والمشكلات المادية، والفشل الدراسي، ووجود حالة سابقة في العائلة، وأمراض عضوية مزمنة، وآلام جسدية شديدة،… إلخ.
لكن الحديث يدور عن الاكتئاب بصورة كبيرة ربما لأنه الأكثر شيوعًا بين الأمراض النفسية؛ حيث إنه يوجد نحو 300 مليون شخص مصابين بمرض الاكتئاب على مستوى العالم (حسب إحصائيات المنظمة العالمية للصحة)، ويعدُّ من أكثر الأسباب أو الأمراض التي تؤدي إلى وفاة الشخص بيده.
بالإضافة إلى أنه عبء على العالم كمرض؛ فهو يؤثر على مختلف مناحي الحياة، وله تأثيرات سلبية على الفرد وعلاقاته مع من حوله، ودراسته أو عمله، بجانب أنه يؤثر على الصحة الجسدية أيضًا، فلا يتوقف عند حدود المرض النفسي فقط.
انتحار الأطفال والتنمر:
وكما أن الاكتئاب يؤدي بنسب مرتفعة إلى تلك النهاية، هناك أيضًا التنمر الذي ينتج عنه إقدام الكثير من الأطفال والشباب على إنهاء حياتهم؛ فبعض الدراسات تلفت إلى أن ما لا يقل عن نصف تلك الحالات التي تحدث بين الأطفال والشباب سببها التنمر.
وربما نتساءل: هل ينهي الأطفال حياتهم؟ وتكون الإجابة المؤلمة: نعم، الأطفال يفعلون ذلك أيضًا، ولو بحثنا عن الدراسات والمقالات والتقارير العالمية الخاصة بهذا الموضوع سنقرأ جملة تتكرر في غالبيتها؛ وهي “على الرغم من أنه نادر الحدوث”، حين يتحدثون أو يكتبون عن رحيل الصغار بين سن الخامسة والعاشرة. لكن لي رأيًا شخصيًّا وهو أن الأرقام التي تعكسها الإحصائيات ليست قليلة (حتى لو كان طفلًا واحدًا في السنة فهو رقم مرعب)، فما بالك أن المنظمة العالمية للصحة تشير إلى أن عدد الأطفال من خمسة إلى عشرة سنوات الذين ماتوا بسبب هذا الفعل في العالم أجمع خلال عام 2016م كان ما يقارب 10 آلاف طفل!
ويعدُّ هذا الأمر في أمريكا عاشر سبب لموت الأطفال في المرحلة الابتدائية، وقد أكد بعض الباحثين في دراسة بعنوان “وفاة الأطفال في سن المدرسة الابتدائية والمراهقين في وقت مبكر”، والتي استخدمت تقارير وبيانات الوفاة (National Violent Death Reporting System (NVDRS)) بين عامي 2003 و 2012م إلى أن تلك الحالات كانت بسبب الاكتئاب، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لدى الأطفال (ADHD)، ومشاكل في الأسرة ومع الأصدقاء. وسنجد أيضًا أن عددًا لا حصر له من قضايا وفاة الأطفال المتعمدة التي يسلط عليها الضوء في الإعلام الأمريكي هي قضايا مرتبطة بالتنمر أو العنف المنزلي.
استراتيجية المواجهة والوعي في مصر:
رغم أننا في مصر نعدُّ من العشرين دولة الأقل نسبة في هذه الظاهرة على مستوى العالم، ولكن لا بد أن نحاول منع حدوثها من الأساس من خلال وضع استراتيجية ممنهجة، والأمر يحتاج لتكاتف مجتمعي وليس الأمر متروكًا لمؤسسة أو وزارة بعينها، بل لا بد من تكاتف الجميع.
نحتاج إلى وضع خطة لنشر الوعي لدى الأسر، وفي المدارس، والنوادي، ومراكز الشباب، والمستشفيات، ومختلف الدوائر. يجب علينا توعية مجتمعاتنا بضرورة وكيفية تقبل المرض النفسي والعلاج النفسي، دون أن نصم المريض النفسي، والبعد عنه، أو اتهامه بالجنون. ونحتاج لتوفير الرعاية النفسية خصوصًا في حالات الطوارئ كمراكز (مفتوحة على مدار الساعة) فيها متخصصون لاستقبال مثل هذه الحالات، فليس كل متخصص نفسي مدرَّب وقادر على استقبال ومساعدة هذه الحالات (لا بد من تأهيل المتخصصين)؛ لأن الإحصائيات العالمية تشير إلى أن غالبية من رحلوا اختيارياً (بنسبة 90% تقريبًا) كانوا يعانون من أمراض نفسية يمكن علاجها.
تأثير “الكوبي كات” والأدب (تأثير فيرثر):
وعلى الميديا المسموعة والمقروءة أن تكون عمودَ أساسٍ في بناء التوعية ونشر ثقافة عامة لأهمية دورهم. فما أسعد أن نقرأ رواية أو قصة أو خبرا، أو نشاهد عملًا دراميًّا للتسلية وتمضية الوقت، أو برنامج، لكن هل فكر أحدنا أن هذه الأمور قد تكون سببًا في إنهاء أو إنقاذ حياة أحد الأشخاص؟!
هناك ما يسمى (Copy cat suicide) “تقليد الفعل”؛ وتسمى في العلوم الاجتماعية والطب بـ”تأثير فيرثر” نسبة إلى رواية الأديب الألماني “فولفغانغ فون غوته” التي بعنوان “أحزان فيرثر” (The Sorrows of Young Werther)، وهي الرواية التي سببت له الشهرة في جميع أنحاء العالم. وفيها يقتل البطل “فيرثر” نفسه بعدما رفضته الفتاة التي أحبها.
وهذا يوضح تأثير بعض القصص أو الروايات أو أي من فنون الأدب الأخرى على نفسية القراء بالسلب والتحفيز على إنهاء حياتهم إذا مروا ببعض الأزمات التي تسبب لهم اليأس والإحباط؛ فبعد وقت قصير من نشرها عام 1774م، بدأ الشباب في تقليد بطل الرواية من خلال التشبه به في ملابسه التي كانت عبارة عن سراويل صفراء وسترات زرقاء، ونُشرت تقارير تفيد باستخدام العديد من الشبان نفس أسلوب “فيرثر” لقتل أنفسهم بسبب اليأس والإحباط؛ وأدى ذلك إلى حظر الرواية في بعض الأماكن على مستوى العالم. ومن الأمثلة التي تسبق تلك الرواية، رواية “روميو وجولييت” التي كتبها الأديب الإنجليزي العالمي وليم شكسبير؛ والتي وجهت لها انتقادات من بعض المتخصصين بأنها جعلت لـموت “روميو” المتعمد ومن بعده فورًا “جولييت” رونقًا خاصًّا، كأنه الخلاص الوحيد من آلام الفراق.
تأثير المشاهير والدراما:
بالطبع تختلف آراء الخبراء حول هذه الظاهرة ومدى تأثير القصص أو ما يقدم على تحفيز وزيادة نسبة وقوعها أو التقليل منها. وهناك دراسات كثيرة وأبحاث تدعم حقيقة التأثير السلبي والإيجابي في زيادة الوعي والتقليل من النسب أو العكس. وهناك أمثلة على ارتفاع معدلات إيذاء النفس المفضي للموت بعد إقدام المشاهير عليه، كما حدث في حالة الممثل الأمريكي الكوميدي الشهير “روبن ويليمز” خلال عام 2014م، التي لاحظ المختصون بعدها زيادة “غريبة ومثيرة” في تلك الحالات؛ فقد أنهى حوالي 2000 شخص حياتهم في الشهور الأولى بعد رحيل “روبن”.
.
وهناك مسلسل أمريكي شهير يتحدث عن طالب أقدم على ذلك وترك تسجيلات له عبر فيها عن أسباب إقدامه على ذلك. وقد أثار ضجة في الخارج كبيرة بعد عرضه ما بين مؤيد ومعارض؛ فهناك من رأى أنه يزيد الوعي تجاه هذه القضية، في حين ثار آخرون وقالوا إنه يزيد من نسب تكرارها لدى الشباب. وقد تابع هذا المسلسل الكثير من المراهقين في مصر أيضا، لكنني لن أذكر اسمه ولا أي تفاصيل عنه.
التأثير الإيجابي (تأثير باباجينو):
وفي سياق آخر، هناك ما يسمى بـ(Papageno effect) وهو التأثير الإيجابي للإعلام، وجاءت التسمية من أوبرا قدمت في القرن الثامن عشر الميلادي “المزمار السحري”، قدم فيها حلول بديلة لـفكرة التخلص من الحياة.
.
ومثال لهذا التأثير، ما حدث في النمسا عام 1987م حينما قامت بحملة وقائية في وسائل الإعلام “إرشادات إعلامية للإبلاغ عن تلك الحالات”؛ بهدف تقليل نسب الوقائع في مترو الأنفاق بشكل خاص والظاهرة بشكل عام، وقد انخفضت النسبة إلى نحو 80% في مترو الأنفاق خلال 6 أشهر من بدء الحملة. وتختلف مواثيق الصحافة في تناول هذه الحوادث من بلد لآخر؛ فهناك دول لا تذكر أي شيء عند وقوعها، وبلدان تنشر تفاصيل، وبلاد أخرى تكتب بتحفظ؛ حتى لا تكون هناك تأثيرات سلبية على القراء. إذن يجب على الميديا أن تكون واعية في تناول أمور كهذه، ونشدد على خطورة وسائل التواصل الاجتماعي؛ فكلٌّ يكتب ما يحلو له دون وعي.
أهمية الحديث المنقذ والتقييم النفسي
لكن الأهم من هذا كله هو الفصل بين مناقشة هذه الظاهرة والأمراض وكيفية علاجها، والكلام عنها وعن حالات بعينها بتفاصيلها التي تؤدي لزيادة النسبة؛ فقضية كهذه يجب التعامل معها بوعي وعلم؛ لأن هناك فكرًا خاطئًا لدى الكثيرين بأن الحديث حول هذا الموضوع أو توجيه سؤال: هل تفكر في إيذاء نفسك؟ يجعل المرء يفكر في الأمر.
.
لكن على العكس من ذلك تمامًا؛ فالحديث عنه يساعد من يمرون بضيق على مراجعة أنفسهم، ويسمح لهم بالتعبير عما يمرون به. ولقد عملت عدة سنوات في قسم الطوارئ النفسي بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان من ضمن عملي أنا وباقي زملائي تقييم الشخص الذي نلتقيه؛ كي نقرر إن كان خطرًا على نفسه (ينوي فعل ذلك فعلاً)، أو على الآخرين (يفكر في أذية الآخرين)، لنقدم له الرعاية اللازمة لمساعدته على تخطي الأزمة التي يمر بها.
وكان من ضمن الأسئلة التي تُطرح عليه: “هل تفكر في التخلص من حياتك؟”، فإن كانت الإجابة بنعم؛ ننتقل للسؤال الذي يليه: “هل لديك خطة؟” (لنعلم هل هي مجرد أفكار بسبب ما يمر به من ضيق أو مشكلات، أو لديه خطة عملية يرتب لها). ولو سألت جلَّ المتخصصين سيجيبك بأن هذه الأسئلة لا تؤدي إلى تلك النتيجة ولا تزيد من التفكير فيها. وأكد من أرادوا فعل ذلك سابقًا أن ما “أنقذهم من أنفسهم” هو الحديث عنه مع المختصين المؤهَّلين لذلك.
الإشارات التحذيرية والخاتمة:
“هم لا يرحلون فجأة”؛ بمعنى أن هناك إشارات تحذيرية حينما يراجع المحيطون بمن رحل أنفسهم؛ سيتذكرون بعض الكلمات أو التلميحات أو التصرفات التي صدرت منهم، كانت تؤكد تفكيرهم في إنهاء حياتهم، وكان ينبغي عليهم التنبه لذلك قبل فوات الأوان. وهذه الإشارات التحذيرية من الأمور التي يجب إلقاء الضوء عليها في كل الوسائل المتاحة، ويجب تدريب من يعملون في أماكن تحتك بالأطفال والشباب بصورة مباشرة ليتمكنوا من مد يد العون أو إرشادهم للمتخصصين.
وتوجد بعض النقاط التي تدل على أن (الشخص) يفكر في إنهاء حياته؛ منها: الشعور من خلال كلامه أنه يائس، ويتحدث عن ألم نفسي شديد لا يطاق، يتكلم كثيرًا عن الموت، وينعزل، وتحدث لديه اضطرابات في النوم سواء بالقلة أو الكثرة،… إلخ. والسؤال المطروح هنا، كيف نستطيع توسيع دائرة الوعي سواء من المريض أو المحيطين به أو المجتمع، لتفادي أو تخفيف هذه الأعراض حتى لا تصل إلى النتيجة الكارثية التي تنتهي بقرار يؤدي إلى التخلص من الحياة بشكل نهائي.


