مسلسل اللون الأزرق

WhatsApp Image 2026 04 24 at 12.03.29 PM

بقلم الكاتبة/ شروق مجدي

رؤية تحليلية نقدية لواحد من الأعمال الدرامية لرمضان عشرين ستة وعشرين، وهو مسلسل اللون الأزرق، الذي يناقش قضايا ذات أبعاد نفسية صعبة للغاية. وهذا أهم ما تتميز به كاتبة هذا العمل، الكاتبة العظيمة مريم نعوم. مسلسل اللون الأزرق من إخراج سعد هنداوي، ويتكون من ١٥ حلقة. المسلسل من بطولة الفنانة جومانة مراد والفنان أحمد رزق.

في الحقيقة أرى أن الكاتبة مريم نعوم لها عدد لا بأس به من الأعمال الدرامية الأنثوية ذات الطابع والأثر النفسي، مثل تحت السيطرة، سجن النسا، بنت اسمها ذات، ولام شمسية. وأراها قد نقلت الواقع، فقد ناقشت قضايا نفسية معاصرة واقعية شائكة، كما نراها تضع إصبعها على تلك القضايا ناقلةً إياها بشكل درامي مؤثر ومأساوي. وهذا ما رأيناه في مسلسل تحت السيطرة وسجن النسا.

في حقيقة الأمر نرى أن مسلسل اللون الأزرق بداية من العنوان جذاب ومثير يلفت انتباه المشاهد من أول وهلة. فقد وفقت الكاتبة في اختيار العنوان، فاللون الأزرق يرمز للتواصل والتفاعل. ومما زاد العمل تميزًا أن الكاتبة أبرزت وجسدت شخصية الطفل حمزة، ذلك الطفل الذي يعاني من التوحد، وأهله، خاصة أمه، يحاولون معه جاهدين لجعله شخصًا إيجابيًا فعالًا يتفاعل مع المجتمع.

وفقت الكاتبة في اختيار الأسماء: آمنة وأدهم، بينهما تناغم قوي واضح وصريح. آمنة تبحث طوال الوقت عن الأمان لمستقبل ابنها ولنفسها، وهواجس بداخلها خوف من أن تموت في عمر مبكر وتترك ابنها. هواجس نفسية وصراع داخلي، وقد نجحت الكاتبة في تصوير هذا الصراع: صراع آمنة مع أفكارها، صوتها وصوت الهواجس التي تكمن بداخلها. لذا ففي نظري التناغم بين الأسماء آمنة وأدهم لم يكن قويًا في الصوت فقط، بل يعكس ما بداخل البطلة وخارجها: داخلها ظلام دامس وأفكار سوداء، وخارجها شجاعة وأمل وتفاؤل ورغبة في دفع حمزة إلى الأمام.

نجحت الكاتبة في تصوير التوتر النفسي بشكل تصاعدي، من حالة ينتابها الهدوء نوعًا ما والمشاركة بين أدهم وآمنة وخلق جو رومانسي، إلى خلافات قد تكون طبيعية بين الأزواج، لكن كل منهما يقع تحت تأثير ضغوط الحياة. وهنا نطرح التساؤلات. وفي الحقيقة تُحسب شهادة للكاتبة أنها تركت مساحة للمشاهد كي يضع توقعات عدة: هل آمنة لم تعد قادرة على تحمل عبء حمزة؟ هل تطلب الطلاق وتتركه لأدهم؟ هل ترغب في أخذ كل شيء: ابنها ونجاحها في حياتها العملية والزوجية؟

لكن الإجابة أنها ترغب في تأمين مستقبلها والاستمتاع بحياتها وأبسط حقوقها، نتيجة خوفها من الموت في سن صغير، خاصة أنه وراثة في عائلتها كما أشارت الكاتبة. أما أدهم، فكما أشرنا سابقًا إلى نجاح الكاتبة في خلق جو يملؤه الرومانسية، هل البطلة تخلقه محاولةً للهروب من ضغوطها أو محاولةً لنسيان تلك الهواجس؟ قد تنجح الكاتبة في محاولة حل العقدة ولو حلًا جذريًا، وقد تفتعل هذا الجو لتنشئ التواصل بين آمنة وأدهم.

لم يكن لآمنة غير صديقة واحدة، وهي ابنة خالها شيرين، لكنها توفيت. وهنا تريد الكاتبة توصيل رسالة أن الإنسان بطبيعته اجتماعي يميل إلى التواصل، يحب ويكره، فلا بد من إخراج المشاعر وتبادل الآراء مع الآخرين، فالصمت يولّد كبتًا. فالإنسان طوال ما هو داخل الصورة يراها بمنظور واحد، لا يرى جميع الأبعاد.

كما ذكرنا أن الكاتبة نجحت في خلق التوتر النفسي، فإنها أيضًا نجحت في خلق شيء من الصدمة، وهذا ما رأيناه حين بدأ أدهم ينجذب إلى سلمى. وهنا كانت التساؤلات: هل سيقع في حبها حقًا؟ هل يريد الهروب من زوجته وشكواها طوال الوقت؟ أم يحتاج إلى تكريس بعض الوقت كي يشكو همه فيجد من يستمع إليه؟

لكن في حقيقة الأمر كلاهما يحتاجان إلى تكريس وقت بعيدًا عن الضغوط النفسية. وقد صورت الكاتبة هذا في بعض مشاهد بسيطة، مثل خلق جو شاعري وتحضير أطباق شهية للعشاء من قبل البطلة. لكن كنا نود أن يكون هذا من قبل أدهم، مثل أن يعد لها رحلة ممتعة مثلًا، كي يبرز التواصل والحب والتناغم بشكل أقوى.

ويبقى سؤال للكاتبة: لماذا لم تُشر إلى التواصل غير اللغوي ليكون العنوان أكثر تعبيرًا وعمقًا؟

صورت الكاتبة مشهدًا رائعًا أبرز شخصية راوية، أم أدهم، بشكل جميل، عندما نبهته متسائلةً عمّا بينه وبين سلمى، فنبهته بالحفاظ على بيته والفضفضة مع زوجته. وكنا نود من الكاتبة أن تجعل للبطل صوتًا داخليًا، ضميره يوقظه، لكنها أرادت إبراز شخصية راوية تلك السيدة الطيبة القلب، التي تكون أحيانًا جامدة في كلامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *