الحمامات عبر التاريخ من صخب الروح الرومانية إلى طهارة النفس الإسلامية
بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور
لم تكن الحمامات العامة في العصور القديمة والوسطى مجرد أماكن للاغتسال، بل كانت مرآة تعكس ثقافة الشعوب، وفلسفتها في الحياة، ونظرتها للجسد والمجتمع. وإذا قمنا برحلة تاريخية للمقارنة بين الحمامات اليونانية الرومانية والحمامات الإسلامية، سنجد أننا ننتقل من عالم يقدس الجسد والاجتماع الصاخب، إلى عالم يحتفي بالطهارة والخصوصية الروحية.
في هذه المقالة، نستعرض الفروق الجوهرية بين هذين المعلمين العظيمين من حيث الفلسفة، والتصميم الهندسي، والوظيفة الاجتماعية.
1. الفلسفة والهدف الأساسي: المتعة ضد الطهارة
الحمامات اليونانية الرومانية (Thermae):
كانت تمثل المركز العصبي للحياة الاجتماعية. الفلسفة الحاكمة هنا هي “العقل السليم في الجسم السليم”، لكن مع تركيز شديد على الرفاهية، والمتعة، واستعراض القوة الهندسية والمكانة الاجتماعية. كانت مكاناً للسياسة، والرياضة، والنقاش الفلسفي، وحتى النميمة اليومية.
الحمامات الإسلامية (العمّامية):
جاءت تلبية لنداء ديني مباشر وهو الطهارة (الوضوء والغسل) كشرط أساسي للعبادة. تحولت الفلسفة من الاستعراض الاجتماعي إلى التطهير البدني والروحي. أصبحت الحمامات امتداداً للمسجد والمؤسسات الخيرية في المدينة الإسلامية.
2. التخطيط الهندسي وتدفق الحركة
رغم أن العمارة الإسلامية تأثرت بالهندسة الرومانية (خاصة البيزنطية) في نظام التدفئة تحت الأرض (Hypocaust)، إلا أن توزيع الغرف اختلف تماماً ليلائم طبيعة كل ثقافة.
الحمامات الرومانية كانت هائلة الحجم، ذات أسقف شاهقة ونوافذ واسعة تسمح بدخول الضوء، وتضم حدائق وملاعب رياضية (Palaestra). أما الحمامات الإسلامية، فكانت أكثر دائرية ومغلقة، وتعتمد في إضاءتها على “القمريات” (فتحات زجاجية صغيرة ملونة في القباب) توفر ضوءاً خافتاً يحافظ على حرمة المكان وخصوصيته.
المياه الجارية ضد الركود:
في الحمامات الرومانية، كان الاستحمام يعتمد على الغطس في أحواض مياه مشتركة (بِرك). أما في الإسلام، فنظراً لأن الماء الراكد قد يتنجس، اعتمدت الحمامات الإسلامية على المياه الجارية عبر صنابير (أجران) يسكب منها المستحم الماء فوق جسده، مع وجود “المغطس” في حالات ضيقة جداً وبشروط تجديد الماء.
العُري والخصوصية:
كان العري الكامل أمراً طبيعياً ومقبولاً في الثقافة الرومانية القديمة (ولفترات طويلة كانت الحمامات مختلطة). في المقابل، فرضت الحمامات الإسلامية قواعد صارمة لستر العورة (باستخدام مآزر خاصة تُلف حول الخصر)، وتم فصل حمامات النساء تماماً عن الرجال، إما بأيام مخصصة أو بمبانٍ منفصلة.
4. الدور الاجتماعي والثقافي
الرومانية.. نادي النخبة والشعب:
كان الحمام الروماني يضم مكتبات، وقاعات لإلقاء الشعر، وملاعب للمصارعة. كان السياسي يزوره لكسب أصوات الناخبين، والإمبراطور يبنيه ليخلد اسمه (مثل حمامات كاراكالا وديوكليتيان).
الإسلامية.. طقوس الحياة اليومية:
ارتبط الحمام الإسلامي بالمناسبات الاجتماعية والدينية؛ فكان هناك “حمام العريس” و”حمام العروس” قبل الزفاف، وحمام النفاس، وحمام العيد. تحول إلى ملتقى اجتماعي نسائي شهير يكسر عزلة النساء في البيوت، ولكن خلف أبواب مغلقة تضمن الأمان التام.
خاتمة
إن الانتقال من الحمام اليوناني الروماني إلى الحمام الإسلامي لم يكن مجرد تغيير في الطراز المعماري، بل كان تحولاً حضارياً أعاد تعريف علاقة الإنسان بجسده وبالمجتمع. فبينما احتفى الرومان بالجسد في فضاء مفتوح وصاخب، نجح المسلمون في تطويع نفس الهندسة العبقرية ليخلقوا فضاءً هادئاً يمزج بين نظافة البدن وعفة الروح. كتبت هذه المقارنة حبًا في الإسكندرية مدينتي التي طالما تذكرني بالحضارتين العظيمتين مما أثار فى نفسي العودة لأيام دراستي فى الجامعية لأعقد هذه المقارنة البسيطة ولأسلط الضوء على طبيعة الموضوع لنعرف مدى عراقة هاتين الحضارتين اللتين تألقتا ذات يوم فى مدينتي الحبيبة.
