تلك الأنثى التي تتسوّر أفق الغياب
بقلم الكاتبة/ وفاء داري
في الحلم التقيتها
لم أعرف سرها،
غير أنّ قلبي
كان يخلع كلَّ معاطفِهِ
في الجهات التي مرّت منها
كأنّ الغيابَ أيضًا
يمتلك حرارةً سرّية
ما نحن سوى احتمالين تائهين
في أعماق قصيدة
لكنّ صوتَها استباحني
باغتني من شقوق اللغة
وأقام في خرابِي
كأنّ بعض الكلمات لا تُقال…
بل تُعاش نُدبةً في الروح
لم أصافحها أبدًا
لكن أصابعي ارتجفت كلّما مرّت
كأنّ الغيابَ ذاتَهُ
يملكُ يدين خفيّتين
يزرع هيبتها في جفنيّ
لم أغرق في سكرات حديثها،
غرقتُ في الظلِّ
الذي تُركَ على جدار أيّامي،
في تلك الهوّة الصغيرة
التي يفتحها الجمالُ
ينسحب تاركًا الروحَ تتدلّى
قنديلًا أعمى
لم أرَ عناق غمازات مبسمها عن قرب،
لم ألمس طيفها
لكنّ المدن كانت تتّسع كلّما تذكّرتُها،
وتضيقُ ككفِّ سجين
حين أحاول نسيانها
هي لم تكن لي ولا لغيري
كانت لشموخها
ولهذا أحببتُها
كنتُ أدسُّها بين بنات افكاري
وأتركها تنمو في رأسي
شجرًا من الأسئلة
لم أسرق منها مهاتفةً..
ولا مكاتبةً من وقتها،
لكنّها سرقتْ
ذلك الهادئ الذي كنتُه قبلها
ومنذ ذلك الحين ومن يومِها
وأنا أمشي بخسارتي
كما يحمل السجناء أسماءَهم الثقيلة
لم نتعشّقِ على الصَّدْر
ولا على العَجُز،
ولن نضلَّ الطريق ثم نعثر على بعضينا
في قصيدةٍ محترقه…
أو رصيفٍ تبلّله أمطار الشوق
لن أكون سندها، ولا حارسَ وحدتها،
ولا المرآة التي تتدرّب فيها على النجاة
أنا فقط ذلك الذي علّق قلبه
على مسمار الوهم
ثم صدّق أنّ النزيفَ
نوعٌ آخر من الموسيقى
لمن أشكو حيرتي؟
وانعكاسها في ظلي!
إذا كانت أُنثايَ أكبرَ من آفاق اللغة؟
إذا كان الجسدُ مجازًا يتعثّر به الكلام؟
كلّما حاولتُ وصفها
تكسّرت البلاغةُ في فمي
كزجاجٍ قديم،
ووقف الشعرُ وحيدًا
يرقّع عتمتي رايةً من أمل
تلك الغائبة/ الحاضرة
أنارت عتمتي
ففتحتْ في الحائط
نافذةً تؤدّي إلى الحُلم
والحمدُ للحنين
ذلك الوحش الصبور،
الذي طحن قلبي ببطء
كي أفهم أخيرًا:
أنّ بعض الحبّ لا يأتي ليُقيم،
بل ليوقظ فينا ذلك الخراب النائم
الذي يشبه الولادة.
