مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة للروائي تيسير خلف

WhatsApp Image 2026 06 04 at 9.59.53 PM

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة للروائي تيسير خلف

بقلم الكاتبة / ريم محمد

WhatsApp Image 2026 06 04 at 9.59.54 PM


“مانيدو، قصة حب جليدية”، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض، منذ فجر التاريخ والحكايات الأولى، مرورًا بالأزمات الإنسانية والسياسية والنفسية والأخلاقية، وصولًا إلى جليد أونتاريو وبحيرة أجيماك، واستمرارًا مثريًا وتاريخيًا ممزوجًا بحكاية تخييلية جامعة لخيوط السرد بحرفة مؤرخ وسارد…


خير افتتاحية أستهل بها هذا المقتطف، والذي جاء على لسان بطلتها الأنثوية لين في معرض حديثها مع يونس ناجي”: “إن أردت أن تروي لي قصة أخرى، فهذا أنسب وقت. لكن، لتكن قصة مختلفة، مثيرة، تحرّض على الخيال والتأمل، ذات حبكة معقدة ونهاية مفاجئة. لا مانع إن كانت صادمة أو مزلزلة، من تلك القصص التي لن تكون بعدها كما كنت قبلها”.


بهذه الافتتاحية فقط أستطيع أن أفي الرواية حقها فعلًا، فذاك القارئ المتتبع لأنموذج تيسير خلف السردي يعرف تمامًا أنه لن يستطيع تجاوز ما قرأه، وأنه سيستمر معه لوقت طويل. فالنوع السردي الذي يقدمه في سردياته سيتعلم منه المعلومة التاريخية، وسيترك لديه أثرًا مختلفًا من حيث الفائدة والمتعة والمعرفة؛ فكيف يستطيع أن يفعل ذلك بالمتلقي؟


تظهر الثقافة الواسعة مع الأثر الإنساني الحضاري، كما تجتمع في قصة ذات أبعاد تخييلية، لكنها ممزوجة بحرفة سارد متمكن من خيوط حبكته، يعرف ماذا يقول ومتى يقول وكيف يقول…


عن الرواية

مانيدو هي قصة الأرواح المتحابة المتعانقة التي التقت وتآلفت في قصة حب لم تكن جليدية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كانت من الحرارة بحيث أذابت جليد السرد، ومزجت الإنساني من العواطف بالمعلومة عن تاريخ وآثار قبور ما قبل التاريخ، وسبكت المعنى بالمبنى في معرض السرد، وتجشمت عناء الرحلة العابرة للقارات والأمكنة من الحرارة إلى البرودة، ومن سوريا وفلسطين والأردن إلى إيغنس في شمالي كندا وبحيرتها المتجمدة. من الآثار وقيمتها باعتبارها إرثًا للشعوب منذ فجر الحياة والحضارات الأولى على سطح الأرض، إلى القبور وأشكالها والمدافن، مرورًا مضيئًا بخيط جامع ذكي على محاولات الطمس والتزييف وسرقة الهوية الحضارية لأبناء الأرض في قضيتنا الأم.


توليفة إنسانية حقيقية للحقائق ارتبطت بشخوص تخييلية متوائمة مع الواقع بنفس وجداني وإنساني، كانت الطبيعة اللاعب الأساس فيها، حيث فرض المكان نفسه وحضوره كبطل رئيسي ومحرك للحدث.


أمكنة حارة من الاستذكار وتقنية الفلاش باك “سوريا/فلسطين/الأردن”، وأمكنة باردة تمثل الحاضر “كندا وأونتاريو وبحيرة أجيماك”. وبينهما كان الحضور الأنثوي من أساطير الخلق وموروثاتها بين الشعوب كافة “الأم الأولى” بمسمياتها المختلفة عبر التاريخ، الجامعة لسكان الأرض شرقًا وغربًا “معلومة تاريخية جاءت على لسان آثاري مثقف هو البطل يونس ناجي”، واستحداثًا للأنثى الحبيبة لين، وارتباطًا بمفهوم الأمومة الحقيقية “الأم” وما يقابلها من حياة. فالأم هي المعادل الموضوعي للحياة، وهذه الحياة المستقرة هي الوطن والأرض التي تضم أبناءها أحياء فوق الأرض وأمواتًا في القبور، وإن اختلفت مسمياتها فحجارتها شاهدة على الأثر.


خصوصية الطرح


التجأ خلف إلى قصة حب ليثري وجدان القارئ ويحرك شعوره، بينما طُرحت قضايا حارة في أمكنة باردة جليدية، ساهمت بها الأسطورة؛ أسطورة الخلق، فهي كانت منذ البداية أي “قبل الرواية وبعدها” كما يحب أن يسميها. وكم يحتاج الإنسان إلى ممارسة إنسانيته للعودة إلى الموروث الخاص بإعادة الخلق وتشكيله، وإثبات إنسانيته عبر البحث عن القبور الأولى ومقاربتها للنجاة من هذا الجنون الذي يحيق به من كل جانب.


القبور تتشابه شرقًا وغربًا، والأساطير تتجانس، وحتى الأم الأولى هي ذاتها وإن اختلفت مسمياتها، باعتبارها إرثًا للإنسانية يحتاج إلى استنطاقه وحمايته ليبقى. وهذا أسلوب في الدفاع عن الحضارة والإنسان في مواجهة الشرور والحروب ومحاولات سلب الهوية؛ سيتكلم عنه ونسمع حكاياته لننجو جميعًا، وسيطابق ما تعلمه ويبحث عن إثباته ليضيف أدلة وجوده على هذه الأرض. فقد كان “سليل النطوفيين”.


كل هذا وغيره الكثير نجده في ماء السرد الذي يمتد إلى “خمس ساعات فعلية” مقابل حياة كاملة بكل ما فيها، بطلها يونس ناجي الذي انتخبته الأم ليتكلم عنها، والذي نجا بإنسانيته وحلّق مع أرواح من سبقه وتكلم معها وألفها.


يقول على لسان سارده: “مسحة واحدة من باطن خده كانت تحمل رسالة أثقل من الصخور التي درسها في حياته، لقد أدرك أنه خيط متصل لم ينقطع أبدًا، سليل مباشر لرجل عاش قبل اثني عشر ألف عام على الأرض التي ولد فيها والده”.


فهو سليل للنطوفيين، السكان الأصليين للأرض المقدسة. الأم العظيمة التي استطاعت حماية أبنائها وأعادت بناء ما تهدّم بحسب الأسطورة، هي ذاتها ستعيد البناء من جديد، وآثار الأولين شاهدة على قوة الانبعاث والقدرة على الخلق من جديد برغم كل العبثية والكوارث التي مرت وتمر.


يونس ناجي نجا عندما أدرك كل شيء وفهم ووصل، حين التقى في أمكنة مختلفة بالأم العظيمة، ولو اختلف شكلها ومسمياتها. وقد شاهدها في “بريقة القنيطرة” وكلمته، ثم عاود مشاهدتها في أونتاريو وكلمته. هذه الأم العظيمة والجدة والحافظة لتراث الشعوب تتكرر وجدانيًا وإنسانيًا لتكون صلة الوصل بين الحياة والموت وشاهدة على الاستمرارية.


اللون الجليدي


حرص خلف في سرديته على إلباس الحاضر لبوس الصقيع، الثلج الأبيض، وكان ما يوائم ذلك اللون الأزرق الصافي عيون المحبوبة “لين” وعيون الأم، لأن السماء الصافية هي النجاة والانعتاق الأخير، والأنثى هي الدليل والرابط بين كل فصول الرواية. وكما نجا “شعب أوجيبوي” بفضل الأم التي أعادت محاولات الخلق وأثبتت إنسانيتها رغم الاختلافات والنظرات الدينية المتعصبة أحيانًا، ستنجو شعوبنا بإنسانيتها كذلك؛ فالأم العظيمة موجودة هنا وهناك، وما هذا الانعتاق إلا محاولة خلق جديدة للإنسان.


رمزية نقار الخشب


اعتمد الكاتب في سرديته على الإيقاع الحسي المتكرر، ما أسهم في إيقاظ حواس المتلقي وتثبيت فكرته. “تكرار النقر على الخشب يقابله تكرار رنين الجوال”؛ نقاط حسية في فضاء السرد تؤثث لفكرة محاولات لا بد أن تنجح.


يقول عن نقار الخشب: “يكرر قصّاصو شعب أوجيبوي أن هذا الطائر هو حاميهم من الأرواح الشريرة. لا يقدمون لمستمعيهم المأخوذين بمتعة السرد أي سبب لتكريسه طوطمًا، رمزًا مقدسًا، بل يتركون الأمر لخيالهم. لكن الكثيرين، وبعد قليل من التأمل، يربطون بين ضربات منقاره المتواترة والضربات على الطبول المقدسة”.


فخلف يتقن تزيين سرده بحكايات الأسطورة في المواضع المناسبة التي تخدم حبكته وتربط خيوطها. الإنسان هو ذاته مهما اختلفت مسمياته ولغته وأمكنة تواجده، بل مهما اختلفت مشاربه. ومنذ أسطورة الخلق الأولى هو باقٍ بإنسانيته وإرثه، متفوق ومستمـر بمحاولاته. وتلك القبور المتماثلة بين الشرق والغرب دليل حسي ومادي على ديمومته؛ يفنى الجسد وتستمر الروح وتترك أثرها.


الحبكة الحداثية


بالرغم من أصالة الموضوع ومنهجيته “عالم آثار إنساني هارب من أتون الحروب وتضييقات الظلم” إلى فضاء العلم الذي يبني ويؤثث لحقب أخرى، ربما يكون فيها الإنسان قد تعافى من ندوب الماضي وآلامه، كالمسيح الذي شبّهه خلف بالبطل “ناجي” من حيث الشكل، واستمر الأثر والتماثل في عذاباته ومحاولاته اليائسة للخروج.


خرج من الشرق لينجو ويعرف أكثر عن تلك الأم وعن “قبور الدولمن”، ليغوص في جليد “بحيرة ليلي باد” وحيدًا مع ذكرياته وآلامه، فيتخلص منها بالانعتاق. ربما هذا ما نحتاجه في شرقنا: التخلص من آلامنا في درجة التجمد لنتخفف من أوزارها وننجو. وربما بعد تلك المكاشفة والاستذكار والتأمل والحب ننجو…


عمل سردي إنساني حداثي، ثقافي تأريخي، وجداني عاطفي، عبقري ومستمر وسيستمر.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *