IMG 20260703 WA0010

فيلات الإسكندرية المدينة الكوزموبوليتانية.. فيلا أنطونيادس نموذجًا

 

بقلم الأستاذة/ أريج أحمد عبدالمولى

IMG 20260703 WA0009 e1783106105367

 

 

أثناء قراءتي لكتاب “الثقافة السكندرية” للدكتورة الفاضلة عزة هيكل، استوقفتني جملة وردت فيه تقول: “في منطقة ‘صفر’، منزلًا على الطراز الكلاسيكي الحديث، الذي حل محل فن العمارة الشرقية. كل المنازل السكندرية في ذلك الوقت كانت مشيدة على مثال ‘الفيلات الإغريقية بالاديان’ (Palladiennes)”.

 

وبما أنني أدرس الآثار اليونانية والرومانية، فقد تملكتني الرغبة في البحث عن مفهوم “الفيلات الإغريقية البالادية” (Palladiennes).

 

مصطلح “بالاديان” أو “البالادية” هو أسلوب معماري مستوحى من تصاميم المهندس المعماري الإيطالي الشهير أندريا بالاديو، منذ القرن السابع عشر، واستمر في التطور حتى أواخر القرن الثامن عشر.

 

إذن، ما علاقة هذا المصطلح بالفيلات الإغريقية في الإسكندرية؟

 

في الحقيقة، اتخذ طراز “البالادية” طابعًا مغايرًا وفريدًا في مدينة الإسكندرية؛ وذلك يعود إلى طبيعة المدينة بوصفها مدينة “كوزموبوليتانية” أي عالمية ذات جذور هيلينستية وإغريقية. ونتيجة لذلك، شهدت الإسكندرية نهضة عمرانية كبرى، أسهم فيها نخبة من المعماريين الإيطاليين واليونانيين والفرنسيين.

 

وبناءً على ذلك، تبلور هذا الطراز في المدينة ليمثل فيلات ذات روح وجذور إغريقية كلاسيكية، ولكنها نُفِّذت وطُبِّقت بأسلوب المعماري الإيطالي “بالاديو”.

 

كان طراز هذه الفيلات السكندرية يتميز بما يلي:

السلالم الرخامية، ودرج خارجي بصف من الأعمدة، والنوافذ المزينة بزخارف خارجية مقوسة ومثلثة الشكل بالتناوب (وهي محاكاة مباشرة لمداخل المعابد الإغريقية القديمة).

والشرفة الوسطى ذات الدرابزين، التي تعلوها واجهة ضخمة مثلثة الشكل، وهذا هو الرمز الأبرز للطراز الكلاسيكي وأسلوب بالاديو، حيث يتوج المبنى بواجهة مثلثية ضخمة تمنحه طابع الفخامة والهيبة التاريخية.

 

وهذا ما وصفته الدكتورة عزة هيكل في كتابها عند حديثها عن منازل منطقة “صفر” في الإسكندرية.

 

ولعل أشهر مثال على هذا الطراز هو فيلا أنطونيادس:

 

تُعد فيلا أنطونيادس موقعًا شهيرًا ومهمًا للغاية في الإسكندرية، إذ إنها مُدرجة كمعلم تاريخي برقم 1250 في سجل صيانة المحافظة. تقع بالقرب من قناة المحمودية عند المدخل الجنوبي للإسكندرية، وتحيط بها حوالي 48 هكتارًا من المساحات الخضراء موزعة على عدة أقسام، تشمل حديقة أنطونيادس، وحديقة الزهور، وحديقة الحيوانات والنباتات، وحديقة النزهة.

 

وهذا هو أهم ما يميز طراز الفيلات البالادية، حيث كان بالاديو يشتهر بتصميم فيلات تعيش في تناغم مع الطبيعة والحدائق الشاسعة المحيطة بها، لتعكس الرفاهية والهدوء؛ وهو تمامًا ما يمثله قصر أنطونيادس، المحاط بحدائق فرنسية ويونانية شاسعة، وتتزين ممراته بتماثيل رخامية إغريقية تمثل الآلهة الإغريقية والفلاسفة القدماء (مثل زيوس، وأفروديت، وهوميروس).

 

كان السير جون أنطونيادس راعيًا بريطانيًا من جزيرة ليمنوس اليونانية، من سكان الإسكندرية، وداعمًا سخيًا للمدينة ومجتمعها اليوناني. في منتصف القرن التاسع عشر، أنشأ الفيلا والحديقة التي أصبحت فيما بعد أشهر حدائق الإسكندرية. أُقيمت في هذه الحدائق العديد من الحفلات، من بينها حفلٌ أُقيم تكريمًا للخديوي إسماعيل، حضره الأمير الشاب توفيق (نجل الخديوي وولي عهد مصر) ونخبة المجتمع السكندري. وتُستخدم الفيلا بشكل أساسي لإيواء مجموعة من التماثيل المنحوتة على الطراز اليوناني، والتي يملكها السير جون أنطونيادس.

 

تتكون الفيلا من ثلاثة طوابق، يضم كل من الطابق الأرضي والطابق الثاني 15 غرفة. توجد فيها العديد من البقايا الأثرية، بما في ذلك قبر غنوصي وخزان مياه.

 

يُعد السير جون أنطونيادس مثالًا حيًا على انفتاح الإسكندرية وتنوعها.

 

عندما تبرع أنطوني أنطونيادس، آخر مالك لفيلا أنطونيادس، بحدائقها لبلدية الإسكندرية، استُخدمت الفيلا كدار ضيافة لاستضافة كبار الشخصيات المصرية الزائرة، بمن فيهم ملوك بلجيكا واليونان وإيطاليا، وشاه إيران وزوجته المصرية الأميرة فوزية. شهدت الفيلا أحداثًا تاريخية مهمة، مثل توقيع المعاهدة الأنجلو-مصرية عام 1936، وتأسيس جامعة الدول العربية عام 1946. كما استضافت الفيلا فعاليات ترفيهية متنوعة، حيث كانت تُقام فيها حفلات في الحدائق ومعارض زهور سنوية طوال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

 

إن الخلفية الثقافية الغنية لهذا الموقع الرائع تشكل مصدر إلهام إضافي للتنوع والتعددية والتفاعل التي تمثلها مدينة الإسكندرية العريقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *