بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور
يقف فندق *” _سيسل_* ” شامخًا كشاهد عيان على أرقى حقب الإسكندرية وأكثرها غموضًا وسحرًا. ليس مجرد مكاناً للإقامة، بل هو وثيقة تاريخية حية، وآلة زمن تتجاوز بك حدود العصر لتلقي بك في أحضان أربعينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
تأسس الفندق عام 1929 على يد عائلة “Metzger” (متزجر) اليهودية الفرنسية، والتي استعانت بالمهندس المعماري المبدع “جوسيبي ألسندري” ليعطي الفندق طابعه المعماري الفريد الذي يمزج بين العمارة الفلورنسية الإيطالية واللمسات الأندلسية والباروكية.
منذ اللحظة الأولى لاقتتاحه، تحول “سيسل” إلى قبلة الملوك، والسياسيين، والأثرياء يبحثون عن إقامة تدغدغ خيالهم وتمنحهم إطلالة مباشرة على بحر الإسكندرية الأسطوري.
لم تكن أروقة “سيسل” مخصصة للأمسيات والاقامه فقط، بل شهدت جدرانه أسرارًا غيّرت مجرى التاريخ الحديث:
غرفة عمليات الحرب العالمية الثانية: خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا أثناء معركة العلمين الشهيرة، اتخذت المخابرات البريطانية من الفندق مقرًا سريًا لضباطها.
الجاسوسية والغموض: بين الممرات الهادئة، كان الضباط والمخبرون يلتقون للثرثرة وتسريب المعلومات. حتى إن الفندق شهد إقامة الكاتب والضابط البريطاني إيان فليمنج (مبتكر شخصية جيمس بوند)، ويرى الكثير من المؤرخين أن تفاصيل وروائح الفندق كانت إحدى مصادر إلهامه في ابتكار شخصية العميل 007.
وإذا فتشت في أرشيف الفندق، ستجد قائمة أسماء تجعل المكان أقرب إلى متحف بشري:
المحاربون والسياسيون: أقام فيه رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، والرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور.
نجوم الفن والأدب العالمي: سكنه الروائي البريطاني لورانس داريل واستوحي منه أجزاءً من رائعته “رباعية الإسكندرية”. كما كان المقر المفضل للساحر تشارلي شابلن، والكاتبة أجاثا كريستي.
عمالقة الشرق: شهد الفندق إقامات متكررة لكوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والعملاق عمر الشريف، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
ما يجعل “سيسل” فريدًا حتى يومنا هذا ليس فقط أثاثه الخشبي الداكن وطرازه الكلاسيكي، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي حافظ عليها الزمن:
المصعد الخشبي القديم: مصعد يعمل يدويًا بكابينة خشبية وأبواب حديدية مشغولة، يُشعرك مع كل طابق تصعده أنك تغوص أكثر في عمق التاريخ.
الأجنحة المفرردة: تحمل الغرف والأجنحة حتى اليوم أسماء مشاهير الشخصيات التي أقامت فيها، لتبقى روح “تشرشل” أو “أم كلثوم” حاضرة في التفاصيل.
سيسل اليوم: روح الماضي بلمسة العصر
رغم انتقال ملكيته عبر العقود وصولاً إلى إدارته الحالية تحت مظلة الفنادق العالمية الحديثة، لا يزال “سيسل” محتفظًا بسحره الإسكندراني الخاص. لا يمكنك أن تجلس في شرفته المطلة على الميناء الشرقية، وتستنشق يود البحر المخلوط برائحة القهوة، دون أن تتخيل شابلن يبتسم في الزاوية، أو أجاثا كريستي تخط حبكة جريمة جديدة على إحدى طاولاته.
إن زيارة “سيسل” ليست مجرد حجز ليلة في فندق؛ بل هي تذكرة سفر مفتوحة لعصر الإسكندرية الكوزموبوليتانية الذهبي.


