مالم أَحْكِهِ لأمّي
أ. د. وداد نوفل
كبرت ُ يا أمي
كبرت حتى صار في وجهي من العمر مايكفي
لأبدو قوية
وفي قلبي من الوجع مايكفي
لأعود إليكِ طفلة .
مضتْ أعوامٌ طويلةٌ منذ غبتِ ،
وتعلّمت بعدها أن أمشيَ وحدي
أن أبتلع دمعي ، وأُواري شجني ،
أن أقولَ : أنا بخير ،
حين لم يكن في داخلي شيئ بخير .
كبرتُ ياأمي ،
لكنني لم أكبر عن حاجتي إليكِ ؛
فبعض الاحتياج لايشيخ ،
وبعض اليُتم لايبرأ ،
وبعض الغياب كلما طال ، ازدادا في القلب أنينًا ، وفي الروح حنينًا .
أمي ،
أحتاجك الآن أكثر مما احتجتك وأنا صغيرة ؛
فقد عرفتُ من الدنيا مالم أكن أعرف ،
وذقتُ من الخذلان مالم أتوقع ،
ورأيتُ وجوها أحببتها تتغير ،
وقلوبًا ائتمنتها تخون ،
وأيدي ظننتها ستشد أزري ، فإذا بها تزيد كسري ، وتتركني وحيدة ساعة العُسر ، حين كنتُ أحوج إلى الجبر .
أمي ،
أحتاج أن أجلس إليكِ مرةً واحدة ،
لا لأطلب حلّا ، ولا لأسترد مامضى ،
بل لأحكي فقط …
أحكي لكِ كمْ تعبتُ وأنا أتظاهر بالقوة ،
وكمْ ضحكتُ وفي صدري بكاء ، وكمْ صبرت وفي قلبي عناء ، وكمْ سامحتُ وفي الروح جرح ، وكمْ صمتُّ وفي النفس بوح ، وكمْ مضيتُ لأن الوقوف لم يكن خيارًا ، ولأن الرجوع لم يعُد قرارًا .
أريد حضنك ياأمي ؛
ذلك المكان الذي لم أكن أعرف ، وأنا فيه ،
إنه آخر بقاع الأرض التي
سأشعر فيها
أنني آمنةٌ بلا شرط ،
ومقبولة كما أنا ،
ومفهومة بلا شرح .
منذ رحلت ياأمي ، وأنا أعرف معنى أن يكون للإنسان بيتٌ ،
ولا يكون له مأوى ،
وأن يكون حوله كثيرون ، ولا يجد بينهم مَن يسمع الشكوى ،
وأن تحيط به الوجوه ، ولايجد بينها وجهًا يستطيع أمامه أن ينهار مطمئنًا ؛
فلا يخشى لومًا وعتابًا ،
ولا صدّا ، ولا غيابًا .
ياأمي ،
أنا المرأة التي كبرتْ ، ونضجتْ ،
وتعلمتْ ، واحتملتْ ،
وعرفتْ من الحياة صفوًا وكَدَرًا ،
ومن الناس قُربًا وهَجْرًا ،
ومن القلوب وفاء وغدرا ،
لكن
في أعماقي طفلة لم تكبر منذ رحيلك ،
كلما أوجعتها الدنيا التفتت تبحث عنكِ ،
وكلما أثقلها الأسى ، حنّت إليكِ ملاذًا ومُرتجى ،
وكلما أوحشتها الحياة بعدكِ ، هتفت استئناسا باسمك .
أمي ،
لو عاد العمر لحظةً إليكِ ، لما شكوتُ لكِ وجعًا واحدًا ،
لبكيتُ فقط بين يديك ، وفي حضنك طويلا ،
حتى يهدأ كل شيئ ؛
القلب الذي أضناه التماسك ،
والروح التي أتعبتها المكابدة ،
والعمر الذي مضى بين صبر واصطبار ،
وبين استمرار وانكسار .
أمي ،
أشتاق فقط ،
إلى أن أكون ابنتك ،
ويؤلمني
بعد كل هذا العمر
أن تكون لي حكاية طويلة جدا
ولا تكوني هنا لأحكيها لك ِ .
