مالم أَحْكِهِ لأمّي

WhatsApp Image 2026 09 05 at 3.37.34 AM

مالم أَحْكِهِ لأمّي

أ. د. وداد نوفل

WhatsApp Image 2026 09 05 at 3.17.56 AM

 

كبرت ُ يا أمي  

كبرت حتى صار في وجهي من العمر مايكفي 

لأبدو قوية 

وفي قلبي من الوجع مايكفي 

لأعود إليكِ طفلة . 

 

مضتْ أعوامٌ طويلةٌ منذ غبتِ ، 

وتعلّمت بعدها أن أمشيَ وحدي 

أن أبتلع دمعي ، وأُواري شجني ، 

أن أقولَ : أنا بخير ، 

حين لم يكن في داخلي شيئ بخير . 

 

كبرتُ ياأمي ، 

لكنني لم أكبر عن حاجتي إليكِ ؛ 

فبعض الاحتياج لايشيخ ، 

وبعض اليُتم لايبرأ ، 

وبعض الغياب كلما طال ، ازدادا في القلب أنينًا ، وفي الروح حنينًا . 

 

أمي ، 

أحتاجك الآن أكثر مما احتجتك وأنا صغيرة ؛ 

فقد عرفتُ من الدنيا مالم أكن أعرف ، 

وذقتُ من الخذلان مالم أتوقع ، 

ورأيتُ وجوها أحببتها تتغير ، 

وقلوبًا ائتمنتها تخون ، 

وأيدي ظننتها ستشد أزري ، فإذا بها تزيد كسري ، وتتركني وحيدة ساعة العُسر ، حين كنتُ أحوج إلى الجبر . 

 

أمي ،

أحتاج أن أجلس إليكِ مرةً واحدة ، 

لا  لأطلب حلّا ، ولا  لأسترد مامضى ، 

بل لأحكي فقط …

أحكي لكِ كمْ تعبتُ وأنا أتظاهر بالقوة ، 

وكمْ ضحكتُ وفي صدري بكاء ، وكمْ صبرت وفي قلبي عناء ، وكمْ سامحتُ وفي الروح جرح ، وكمْ صمتُّ وفي النفس بوح ، وكمْ مضيتُ لأن الوقوف لم يكن خيارًا ، ولأن الرجوع لم يعُد قرارًا . 

 

أريد حضنك ياأمي ؛ 

ذلك المكان الذي لم أكن أعرف ، وأنا فيه ، 

إنه آخر بقاع الأرض التي 

سأشعر فيها 

أنني آمنةٌ بلا شرط ، 

ومقبولة كما أنا ، 

ومفهومة بلا شرح . 

 

منذ رحلت ياأمي ، وأنا أعرف معنى أن يكون للإنسان بيتٌ ، 

ولا يكون له مأوى ، 

وأن يكون حوله كثيرون ، ولا يجد بينهم مَن يسمع الشكوى ، 

وأن تحيط به الوجوه ، ولايجد بينها وجهًا يستطيع أمامه أن ينهار مطمئنًا ؛ 

فلا يخشى لومًا وعتابًا ، 

ولا صدّا ، ولا غيابًا . 

 

ياأمي ، 

أنا المرأة التي كبرتْ ، ونضجتْ ، 

وتعلمتْ ، واحتملتْ ، 

وعرفتْ من الحياة صفوًا وكَدَرًا ، 

ومن الناس قُربًا وهَجْرًا ، 

ومن القلوب وفاء وغدرا ، 

لكن 

في أعماقي طفلة لم تكبر منذ رحيلك ، 

كلما أوجعتها الدنيا التفتت تبحث عنكِ ، 

وكلما أثقلها الأسى ، حنّت إليكِ ملاذًا ومُرتجى ، 

وكلما أوحشتها الحياة بعدكِ ، هتفت استئناسا باسمك . 

 

أمي ، 

لو عاد العمر لحظةً إليكِ ، لما شكوتُ لكِ وجعًا واحدًا ، 

لبكيتُ فقط بين يديك ، وفي حضنك طويلا ، 

حتى يهدأ كل شيئ ؛ 

القلب الذي أضناه التماسك ، 

والروح التي أتعبتها المكابدة ، 

والعمر الذي مضى بين صبر واصطبار ، 

وبين استمرار وانكسار . 

 

أمي ، 

أشتاق فقط ، 

إلى أن أكون ابنتك  ، 

ويؤلمني 

بعد كل هذا العمر 

أن تكون لي حكاية طويلة جدا 

ولا تكوني هنا لأحكيها لك ِ .

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *