
أدب الفتيان: جسرٌ بين الطفولة والنضج : رواية (كعك جابر) للأديبة السورية فيحاء نابلسي أنموذجًا دراسة ذرائعية مستقطعة
بقلم الناقدة السورية دكتورة/ عبير خالد يحيي

إغناء:
يعدُّ أدب الفتيان أحد الفروع المهمة في الأدب، إذ يشكّل مرحلة انتقالية بين أدب الأطفال وأدب الكبار، مستهدفًا الفئة العمرية التي تتراوح بين الثانية عشرة والثامنة عشرة عامًا. يتميز هذا الأدب بقدرته على محاكاة اهتمامات الفتيان وتطلعاتهم، مستعينًا بأساليب سردية مشوّقة، وموضوعات تمسّ واقعهم النفسي والاجتماعي، مما يجعله أداة فعالة في بناء وعيهم وتوسيع آفاقهم الفكرية.
يعتمد أدب الفتيان على عناصر سردية تشدُّ القارئ، مثل المغامرة، والتحدي، والبحث عن الهوية، فضلاً عن استكشاف القضايا الاجتماعية والقيم الأخلاقية بطريقة تناسب مستوى إدراك الفتيان وتساهم في تنمية شخصياتهم. كما أنّه يُسهم في تشكيل وعيهم النقدي، ويحفّزهم على التفكير والتساؤل، مما يجعله وسيلة تعليمية وتثقيفية بامتياز.
من جهة أخرى، يجمع أدب الفتيان بين التسلية والفائدة، حيث يقدّم قصصًا تتراوح بين الواقعية والخيالية، مستعرضًا تجارب الحياة من زوايا مختلفة، مما يتيح للفتيان فرصة لفهم العالم بشكل أعمق. كما يتيح لهم التعرف على ثقافات أخرى، واكتساب مهارات جديدة من خلال الشخصيات التي تواجه تحديات مختلفة.
وفي ظل التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، يتطور أدب الفتيان ليواكب العصر، حيث أصبح يدمج بين النصوص التقليدية والتقنيات الحديثة مثل الكتب التفاعلية والروايات الرقمية، ما يجعله أكثر جذبًا للأجيال الشابة.
بهذا، لا يقتصر أدب الفتيان على كونه نافذة للمتعة، بل هو بوابة إلى التفكير، والوعي، والاستكشاف، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في رحلة الفتيان نحو النضج والوعي الثقافي.
الرواية المعنونة ب ( كعك جابر ) للأديبة السورية فيحاء نابلسي تنتمي إلى أدب الفتيان. يتضح ذلك من خلال تناولها لقضايا تخص الأطفال والمراهقين، مثل معاناة البطل “جابر” في ظل الحرب السورية الأخيرة، والتحديات التي تواجهه في حياته اليومية، بما في ذلك فقدان عائلته والتشرّد والفقر، بالإضافة إلى أحلامه وتطلّعاته. الرواية تعتمد على أسلوب بسيط وسلس يناسب الفئة العمرية المستهدفة، وتتناول موضوعات اجتماعية وإنسانية بأسلوب قصصي مشوّق.
• البؤرة الفكرية في الرواية
تتمحور البؤرة الفكرية في هذه الرواية حول معاناة الأطفال والفتيان في ظل الحرب واللجوء، وتأثير ذلك على هويتهم وأحلامهم وتكوينهم النفسي والاجتماعي. من خلال شخصية “جابر”، تسلط الرواية الضوء على الحرمان، والتشرد، والفقدان، والصراع الداخلي بين التمسّك بالأمل والانكسار أمام الواقع المرير.
تعتمد الرواية على ثنائية التناقضات في تشكيل رؤيتها الفكرية، حيث تُظهر الفرق بين نار الحرب ونار الحياة، وبين الفقر والغنى، وبين الطفولة الحالمة والقسوة التي يفرضها الواقع. كما تتناول مفهوم المقاومة الداخلية، حيث يحاول البطل أن يحافظ على إنسانيته وسط الظروف الصعبة، من خلال رمزية العجين والكعك، الذي يتحول في وعيه إلى أداة للانتقام من الشر، قبل أن يعيد اكتشاف قيمته الحقيقية كرمز للحياة والاستمرار.
إضافةً إلى ذلك، تناقش الرواية فكرة اللامساواة الاجتماعية، حيث تقارن بين حياة جابر البسيطة المليئة بالحرمان، وحياة الطفلة “سالي” التي تعيش في الرفاهية على بعد أمتار قليلة منه. كما تسلط الضوء على أحلام الهجرة والبحث عن مستقبل أفضل، مقابل التشبث بالأمل في العودة إلى الوطن.
بذلك، تتشكّل البؤرة الفكرية للرواية حول تأثير الحرب على الأطفال، وصراع البقاء، والبحث عن الأمل وسط الدمار، والاختلاف الطبقي كعامل مؤثّر في تشكيل المصير، ممّا يجعلها نصًّا يعكس الواقع الإنساني بأبعاده المختلفة.
• الخلفية الأخلاقية:
تعتمد الرواية على خلفية أخلاقية إنسانية قوية، حيث تبرز مجموعة من القيم الأخلاقية التي تتجلّى في سلوك الشخصيات الرئيسية، وعلى رأسها البطل “جابر”. تتناول الرواية مفاهيم الخير والشر، وتُظهر كيف يمكن للظروف القاسية أن تؤثر على المبادئ الأخلاقية للأفراد، لكنها في الوقت ذاته تؤكد على قدرة الإنسان على التمسك بالقيم حتى في أحلك الأوقات. عبر الثنائيات القيميّة الضدّية التالية:
1. الخير مقابل الشر
الرواية تطرح تساؤلًا جوهريًا حول مفهوم النار، حيث يتساءل جابر: “هل كل النيران واحدة؟”، في إشارة إلى الفارق بين النار التي تدفئ وتطهو الطعام، والنار التي تحرق وتدمر البيوت. هذا الطرح الأخلاقي يعكس فكرة أن الأدوات نفسها قد تُستخدم للخير أو للشر، بناءً على نوايا مستخدميها.
2. العدالة والظلم
تتجسّد العدالة والظلم من خلال المفارقة الطبقية بين جابر وعائلته، وبين الطفلة “سالي” التي تعيش حياة الترف. تسلّط الرواية الضوء على التفاوت الاجتماعي، وتطرح تساؤلًا ضمنيًا حول مدى عدالة العالم، لكنّها في الوقت نفسه تدعو إلى التسامح والصبر بدلًا من الحقد الطبقي.
3. الأمل مقابل اليأس
تُبرز الرواية أهمية الأمل في مواجهة المحن. فعلى الرغم من الظروف القاسية، تبقى والدة جابر مثالًا على الصبر والتفاؤل، حيث ترفض الهجرة وترى أن الحرب ستنتهي، بينما تمثل خالته “دعاء” الوجه الآخر للمعاناة، إذ ترى في الهجرة الحل الوحيد. هذا الصراع الأخلاقي يطرح جدلية الاستسلام مقابل المقاومة، ويوجه القارئ نحو ضرورة الإيمان بإمكانية التغيير.
4. المسؤولية الأسرية والتضحية
تقدّم الرواية نموذجًا للأم الحاضنة التي تتحمّل المسؤولية رغم المصاعب، حيث تعمل والدة جابر في المخبز لتأمين لقمة العيش، ما يعكس قيمة التضحية ونكران الذات. كما أن جابر نفسه، رغم كونه طفلًا، يشعر بالمسؤولية تجاه عائلته ويحاول المساهمة في تحسين وضعهم.
5. الضمير وتأنيب النفس
يمرّ جابر بصراع داخلي عندما يدرك أنّ تصرفاته قد تؤدّي إلى خسارة والدته لعملها بسبب الجرذان التي اجتذبتها الكعكات التي ألقاها. هذا الصراع يعكس مفهوم الضمير وتأنيب النفس، وأهمية تحمّل نتائج الأفعال، وهو عنصر أخلاقي جوهري في الرواية.
6. التعاطف والإنسانية:
يتجلّى البُعد الإنساني والأخلاقي في لحظة اكتشاف جابر للفتيان الذين يبحثون عن الطعام في القمامة، حيث يشعر بالخجل من نفسه لأنه كان يسعى “للتخلص من الوجوه القبيحة”، بينما كان هناك من يحتاج لأي لقمة تسدّ جوعه. هذا التحول في وعيه يعكس قيمة التعاطف والإحساس بمعاناة الآخرين.
7. أهمية التعليم كوسيلة للتحرّر
الرواية تعكس فكرة أن العلم هو السبيل للخروج من الفقر والجهل، حيث يظهر الفتيان الذين لا يذهبون إلى المدرسة كضحايا للظروف القاسية، في حين أن جابر يتمسك بالدراسة رغم التحديات، وهو ما يعكس رؤية أخلاقية تعزز أهمية المعرفة في تحسين حياة الإنسان.
تتضمن رواية كعك جابر جانبًا تربويًا واضحًا، حيث تنقل قيَمًا إنسانية وأخلاقية من خلال الأحداث والتفاعلات بين الشخصيات.
– التربية على الصبر والمثابرة: تعكس الرواية قيمة الصبر في مواجهة المحن، حيث تتعامل والدة جابر مع النزوح والفقر بصبر، وتحث ابنها على التحمل والإيمان بأن الأوضاع قد تتحسن.
جابر نفسه يتعلّم كيف يتكيف مع واقعه الجديد، سواء في المدرسة أو العمل مع والدته.
– تعزيز قيمة المسؤولية: يتحمل جابر مسؤولية أكبر من عمره، فيساعد أمه، ويتفهم صعوبة الحياة، ويحاول تقديم العون للأطفال الأكثر احتياجًا منه. يُظهر اهتمامًا بأخلاقه وسلوكه، مثل تجنبه المشاجرات المدرسية حتى لا يزيد من أعباء والدته.
– مفهوم العدل والرحمة: يبدأ جابر بتصور العدالة بشكل طفولي (انتقام الجرذان من الوجوه القبيحة)، لكنه يدرك لاحقًا أن العدل الحقيقي لا يتحقق بهذه الطريقة، مما يعلمه الرحمة والتعاطف مع الآخرين، حتى مع من هم أقل حظًا منه. موقفه من الأطفال الذين ينبشون القمامة يتغير، حيث يشعر بالمسؤولية تجاههم بدلًا من الحكم عليهم.
– أهمية التعليم والمعرفة: والدته تصرّ على أن يكمل دراسته رغم الظروف، مما يعزز فكرة أن التعليم هو أداة التغيير الوحيدة. مقارنة جابر بين حياته وحياة الأطفال الأكثر حظًا، مثل “سالي”، تدفعه للتفكير في أهمية السعي وراء المعرفة لتحسين مستقبله.
– رفض الهجرة غير الآمنة: الخالة دعاء ترى أن الهجرة هي الحل، بينما والدة جابر ترفض المغامرة بأرواحهم في قوارب الموت، مما يقدم وجهتي نظر حول البحث عن مستقبل أفضل، ويدفع القارئ للتفكير في الخيارات الصعبة التي تواجه الأسر في الحروب.
الرواية ليست فقط سردًا لمعاناة طفل لاجئ، بل هي درس تربوي في الصبر، المسؤولية، العدالة، والتعليم، مما يجعلها مفيدة للأجيال الناشئة في فهم تحديات الحياة وتطوير القيم الأخلاقية والاجتماعية.
إجمالًا، الخلفية الأخلاقية في الرواية تقوم على التوازن بين الخير والشر، العدل والظلم، الأمل واليأس، المسؤولية والأنانية، مما يجعلها نصًا أخلاقيًا بامتياز، يدعو إلى التفكير في القيم الإنسانية العميقة، ويشجع القارئ على التمسك بالمبادئ حتى في أصعب الظروف.
• المستوى البصري في الرواية
1. دلالات العنوان
يحمل العنوان “كعك جابر” دلالات رمزية متعدّدة تتقاطع مع المضمون السردي:
البعد الواقعي: يشير العنوان مباشرة إلى الكعك الذي يُعدّ في المخبز حيث تعمل والدة جابر، مما يعكس جزءًا أساسيًا من بيئة السرد.
البعد الرمزي: يتجاوز العنوان مجرد الإشارة إلى الطعام، ليحمل رمزية الأمان والاستمرارية والمقاومة، حيث يصبح الكعك رمزًا للحياة التي تستمر رغم الحرب والدمار.
البعد النفسي: الكعك يمثل لجابر وسيلة للتعبير عن مشاعره، إذ يحرقه عندما يشعر بالقهر، ويعيد تشكيله بطرق مختلفة تعكس حالته النفسية، مما يبرز تفاعل الشخصية مع محيطها عبر الرمز البصري.
التناقضات الدلالية: يجمع العنوان بين اللذة والألم، الحياة والموت، الأمل واليأس، فبينما يُفترض أن يكون الكعك رمزًا للمتعة والاحتفال، فإنه في الرواية يرتبط بالحرمان والوجع.
2. الشكل البصري للمتن السردي
يتسم المتن السردي في الرواية بطابع بصري قوي، حيث تعتمد الكاتبة على وصف دقيق ومكثف للمشاهد، مستخدمًا لغة حسية تستدعي الصور في ذهن القارئ، مما يجعله قريبًا من أدب الفتيان، بل ويقترب أحيانًا من تقنيات قصص الأطفال المصورة.
أ. توظيف الصور الحسية
الألوان: يظهر اللون بشكل واضح في وصف النار، والكعك، والبيئة المحيطة. فالنار تتراوح بين الدفء المدمر والمفيد، والكعك يمرّ من اللون الوردي الجميل إلى اللون الأسود المحترق، مما يعكس تحول الأحداث والمشاعر.
الإضاءة والظلال: يتم توظيف الضوء والظلام لخلق أجواء درامية، مثل الظلام الذي يحيط بالحياة الجديدة لجابر في المرأب، مقابل الإضاءة المبهجة في حياة “سالي”، مما يعزز البعد البصري للصراع الطبقي.
ب. المشاهد السينمائية
الرواية غنية بالمشاهد الحركية التي تأخذ شكل لقطات سينمائية مصورة، مثل:
مشهد جابر وهو يرى الطائرات الحربية تحترق في خياله.
مشهد الجرذان وهي تأكل الكعك المتخيل كوجوه الأعداء.
مشهد الأطفال وهم يبحثون عن الطعام في القمامة.
هذه المشاهد مرسومة بدقة وكأنها لوحات مرئية تتحرك أمام القارئ، مما يجعل النص غنيًا بالمستوى البصري.
ج. الصور المرسومة الرمزية المستوحاة من أدب الأطفال
تتضمن الرواية صورًا نجدها عادة في قصص الأطفال، رغم أن موضوعها أكثر عمقًا وقسوة، ومن ذلك:
تشبيه الطائرات الورقية بالطائرات الحربية: حيث يحوّل جابر عجينه إلى طائرات ثم يراها تحترق، مما يعكس التقاط البراءة داخل واقع الحرب.
مشهد الكعك المحروق كوسيلة للانتقام: يشبه هذا المشهد بعض الأفكار التي نجدها في قصص الأطفال، حيث يُستخدم الطعام أو الدمى للتعبير عن مشاعر الشخصيات.
رمزية الحيوانات: وجود الجرذان والقطط في السرد ليس مجرد وصف بيئي، بل يحمل رموزًا أخلاقية واجتماعية. فالجرذان التي تأكل الوجوه ترمز إلى العقاب، بينما القطة المدللة عند “سالي” ترمز إلى الفجوة الطبقية.
وصف المشاعر عبر الأشياء: مثل تصوير الحزن والخذلان من خلال الأشياء المحيطة، كاحتراق الكعك، أو الجدران المتسخة للمرأب، مما يجعل السرد أقرب إلى لغة الحكايات المصورة.
تمزج الرواية بين البعد الواقعي والرمزي في تشكيل المستوى البصري، مما يجعلها غنية بالصور الحسية التي تخدم الفكرة العامة للنص. كما تستعين بتقنيات بصرية قريبة من قصص الأطفال، من حيث التلاعب بالرموز والألوان والأشكال، لكنها تستخدمها بعمق يناسب الفتيان، مما يجعلها نصًا بصريًا بامتياز، قادرًا على تحفيز خيال القارئ والتأثير فيه بصريًا ونفسيًا
• المستوى اللغوي والبلاغي والجمالي في الرواية
1. المستوى اللغوي
تتميّز لغة الرواية بأنها سلسة وبسيطة، لكنها في الوقت ذاته غنية بالمعاني والرموز، مما يجعلها مناسبة لفئة الفتيان، حيث تجمع بين سهولة الفهم والعمق الدلالي. يعتمد الكاتب على أسلوب السرد الوصفي والحواري، مع الحفاظ على واقعية التعبير وقربه من لغة الحياة اليومية.
اللغة الوصفية: يعمد الكاتب إلى التصوير الدقيق للأحداث والمشاهد، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد الأحداث أمامه، مثل وصف النار والكعك المحروق، أو الأحياء المدمرة بفعل الحرب.
اللغة الحسية: يوظف الكاتب الألفاظ التي تحرك الحواس، مثل رائحة الكعك، حرارة النار، برودة الليل، صخب الشارع، مما يجعل النص نابضًا بالحياة.
اللغة الرمزية: يستخدم الكاتب الأشياء اليومية كرموز، مثل النار (الخير والشر)، الكعك (الحرمان والحنين إلى الحياة الطبيعية)، الجرذان (الدمار والفساد).
2. المستوى البلاغي:
يبرز في الرواية الأسلوب البلاغي المتنوع، حيث يستخدم الكاتب عدة أدوات بلاغية لإثراء المعنى وتعزيز الجماليات السردية، ومنها:
التشبيهات والاستعارات:
“النار التي يوقدها الطيبون تُنضج الطعام، والتي يوقدها الأشرار تُدمّر البيوت.” → استعارة تربط بين الخير والشر باستخدام النار كرمز.
“تمنّى لو أن هناك جرذًا عملاقًا بحجم الديناصور يلتهم المجرمين.” → تشبيه يبرز غضب جابر وحلمه بالعدالة.
التضاد (المفارقات):
“النار تحرق البيوت، لكنها أيضًا تنضج الخبز.” → مفارقة تعكس ازدواجية الأشياء في الحياة.
“في الجهة الأخرى من الحي، تعيش سالي في قصر، بينما يعيش جابر في مرأب مظلم.” → تضاد طبقي واضح يبرز الظلم الاجتماعي.
الكناية:
“كانت يداه ترتجفان وهو يرى الطائرات الورقية تحترق.” → كناية عن الخوف والقلق.
“أمهُ لديها قدرة عجيبة على تحويل أي شيء عادي إلى شيء جميل.” → كناية عن الأمل والصمود في وجه المحن.
3. المستوى الجمالي
تمتاز الرواية بجمالياتها السردية والفنية، حيث لا تقتصر على تقديم قصة مؤثرة فحسب، بل تقدمها بأسلوب أدبي مشحون بالعاطفة والرمزية.
إيقاع النص:
تتغير وتيرة السرد وفقًا لحالة الشخصيات، حيث يكون سريعًا في لحظات القلق والتوتر (مثل مشهد الجرذان)، وهادئًا في لحظات التأمل والحلم (مثل تأمل جابر للمستقبل).
التصوير الفني للمشاهد:
يعتمد الكاتب على وصف بصري سينمائي، حيث تبدو بعض المشاهد كأنها لقطات متحركة، مثل مشهد الطائرات الورقية وهي تحترق في خيال جابر.
التفاعل النفسي مع الأشياء:
الأشياء ليست مجرد عناصر في البيئة، بل تصبح امتدادًا لحالة الشخصيات النفسية، فمثلاً:
الكعك المحروق يعكس غضب جابر.
العجين الذي يشكّله على هيئة طائرات وأشكال مختلفة يعكس خياله ورغبته في السيطرة على الواقع.
الجرذان التي تأكل الكعك تمثل قوى الشر والدمار.
تجمع الرواية بين البساطة والعمق، الواقعية والرمزية، السرد الوصفي والحواري، مما يجعلها نصًا غنيًا على المستوى اللغوي والبلاغي والجمالي. فهي تستخدم لغة قريبة من القارئ، مدعومة بصور بلاغية مؤثرة، مع توظيف الرموز والاستعارات والمفارقات لإثراء المعنى، مما يجعلها عملاً أدبيًا متكاملًا قادرًا على التأثير في القارئ بصريًا ونفسيًا.
• المستوى الديناميكي:
يتميز السرد في الرواية بالحركية والتفاعل المستمر بين الشخصيات والأحداث، مما يمنح النص ديناميكية عالية تجعله مشوّقًا ومترابطًا. يعتمد الكاتب على التوتر السردي والتصاعد الدرامي، حيث تبدأ الرواية بمشاهد الحياة اليومية لجابر، ثم تتطور الأحداث بشكل تدريجي ليجد القارئ نفسه أمام صراعات معقدة، سواء داخلية (صراع جابر النفسي) أو خارجية (الظروف القاسية التي تحيط به).
ديناميكية الأحداث:
تتنوع المشاهد بين لحظات التأمل والسكون (كما في تأمل جابر للنار والكعك) ولحظات التوتر السريع (كما في مشهد الجرذان أو اكتشاف الأولاد الذين يبحثون في القمامة).
يوجد تصاعد درامي واضح، حيث ينتقل البطل من طفل يتأمل النار والكعك، إلى طفل يواجه صراعات مع المجتمع والحرب والفقر.
تتغير مشاعر جابر على مدار الرواية بين الغضب، الحزن، الأمل، الخوف، والإحساس بالمسؤولية، مما يعكس تطورًا نفسيًا طبيعيًا وديناميكيًا للشخصية.
البناء الدرامي:
تتبع الرواية البناء الدرامي التقليدي المكوّن من خمس مراحل رئيسية، مع استخدام بعض التعديلات التي تجعلها أكثر حداثة وعمقًا:
1. البداية (الوضع الأولي)
يتم تقديم البيئة العامة التي يعيش فيها جابر، حيث نراه في المخبز يساعد والدته، ونتعرف على وضعه العائلي بعد الحرب.
يتضح الصراع الأولي من خلال حديثه عن النار، والخراب، وفقدان الأب، والعيش في المرأب، مما يؤسس للثيمات الرئيسية.
2. التصاعد الدرامي (الصراع وتطوير الحبكة)
تبدأ الصراعات الصغيرة بالظهور، مثل تساؤلات جابر حول الحرب والعدالة، ثم تتطور لتصبح أزمات أكبر، مثل مواجهته للفقر، والحاجة إلى العمل، ورؤية الأطفال يبحثون في القمامة.
تظهر شخصيات أخرى تعمّق الصراع، مثل خالته دعاء التي تريد الهجرة، والفتاة “سالي” التي تمثل التناقض الطبقي.
3. الذروة (لحظة الانفجار الدرامي)
يصل الصراع إلى أقصى توتره عندما يكتشف جابر أن الجرذان التي اجتذبتها الكعكات التي ألقاها قد تؤدي إلى فقدان والدته لعملها.
لحظة اكتشاف الأطفال الذين يبحثون في القمامة هي نقطة تحول، حيث يدرك أن معاناته الشخصية ليست الوحيدة، وأن هناك من يعيش ظروفًا أشد قسوة.
4. الهبوط (الحل الجزئي للأزمات)
يبدأ جابر في اتخاذ قرارات أكثر مسؤولية، حيث يتوقف عن استخدام الكعك كأداة غضب، ويحاول مساعدة الآخرين بدلًا من التركيز على مشاعره السلبية.
المشاهد الأخيرة تعكس نوعًا من التصالح الداخلي، حيث يتقبل واقعه لكنه يبقى متعلقًا بالأمل.
5. النهاية (الخاتمة المفتوحة على المستقبل)
لا تنتهي الرواية بحل جذري لكل المشكلات، لكنها تترك القارئ أمام تساؤلات حول مصير جابر، وهل ستتحسن حياته، وهل ستنتهي الحرب؟
هذه النهاية المفتوحة تعزز الطابع الواقعي للرواية، حيث لا توجد حلول سحرية، بل استمرار للصراع الإنساني.
التقنيات السردية
تعتمد الرواية على عدة تقنيات سردية تعزز من قوتها وتأثيرها الفني، ومن أبرزها:
1. السرد بضمير الغائب
يستخدم الكاتب السرد بضمير الغائب، مما يمنحه حرية في التنقل بين الشخصيات والأحداث، كما يتيح للقارئ رؤية المشاهد من منظور أوسع.
هذا النوع من السرد يساعد على تقديم وصف دقيق للأحداث والمشاعر دون أن يكون السارد متحيزًا تمامًا لشخصية جابر.
2. الحوار الداخلي (المونولوج النفسي)
يعتمد الكاتب على المونولوج النفسي في العديد من المشاهد، حيث نرى جابر يحاور نفسه، متسائلًا عن الحرب، والعدالة، ومستقبل والده، وغيرها.
هذه التقنية تجعل القارئ أكثر ارتباطًا بالشخصية، حيث يشاركه أفكاره الداخلية وصراعاته العاطفية.
3. تيار الوعي
يظهر تيار الوعي في لحظات التأمل لدى جابر، مثل تفكيره في النار، أو تخيل الطائرات تحترق، أو تأمله لحياة الأغنياء.
هذه التقنية تعزز من الطابع الفلسفي للرواية، حيث لا تعتمد فقط على الأحداث، بل على تفسيرها وتحليلها من منظور الشخصية الرئيسية.
4. المفارقة الطبقية (الواقعية النقدية)
تلعب الرواية على التناقضات الاجتماعية الصارخة، مثل حياة جابر مقابل حياة سالي، أو معاناة الأطفال الفقراء مقابل ترف القطط المدللة.
هذه التقنية تُستخدم كأداة نقد اجتماعي، حيث تعكس الفجوة بين الفئات المختلفة بطريقة غير مباشرة لكنها مؤثرة.
5. توظيف الرموز
النار = الازدواجية بين الخير والشر.
الكعك = الحلم بالاستقرار، لكنه يتحول إلى رمز للغضب أحيانًا.
الجرذان = الفقر والدمار، لكنها تتحول لاحقًا إلى كائنات مظلومة تسعى للبقاء، مما يعكس تحوّل وعي جابر.
القطة المدللة لسالي = رمز للترف والطبقية التي لا تشعر بمعاناة الفقراء.
6. الأسلوب البصري السينمائي
الرواية غنية بالمشاهد البصرية، مثل مشهد الجرذان تأكل الكعك، أو مشهد الأطفال في القمامة.
هذه المشاهد توظف تقنيات السينما، حيث يعتمد الكاتب على الوصف الدقيق للحركة، والإضاءة، وتغير زوايا الرؤية.
تُظهر الرواية تماسكًا في البناء الدرامي، وحيوية في السرد، وتنوعًا في التقنيات السردية، مما يجعلها عملاً أدبيًا عميقًا ومؤثرًا. فهي لا تكتفي برواية الأحداث، بل تجعل القارئ يعيشها، ويدخل في أجوائها النفسية والاجتماعية، مما يعكس نجاحها في تحقيق التفاعل الديناميكي بين الشخصيات، والأحداث، والمعاني العميقة.
صنَّف كعك جابر ضمن أدب الفتيان، وهو نوع أدبي يتطلب توازنًا بين التشويق، الرسائل التربوية، والواقعية المناسبة لعمر القارئ المستهدف. بناءً على ذلك، يمكن تقييم مدى تحقيق الرواية لأهدافها وفقًا للمعايير التالية:
1. تطابق الموضوع مع اهتمامات الفتيان
✅ تحقق بدرجة عالية
الرواية تتناول قضايا ذات صلة بالفتيان، مثل الحرب، النزوح، المسؤولية، الصداقة، والتعليم، وهي موضوعات مؤثرة وتجذب اهتمام الفئة العمرية بين (10-16 عامًا).
وجود شخصية رئيسية قريبة من سن القارئ (جابر) يساعد الفتيان على التماهي مع الأحداث والتفكير في تجاربهم الخاصة.
2. الأسلوب واللغة
✅ تحقق بدرجة جيدة جدًا
اللغة واضحة وسهلة، لكنها ليست تبسيطية لدرجة تفقدها عمقها، مما يناسب الفتيان دون أن يكون السرد طفوليًا.
الحوارات طبيعية وتعكس طريقة تفكير المراهقين، خاصة في تفاعل جابر مع والدته، أصدقائه، والمجتمع.
3. التوازن بين التسلية والتوجيه الأخلاقي
✅ تحقق بدرجة متوسطة إلى عالية
هناك جانب مشوّق في الرواية من خلال متابعة مغامرات جابر في المخبز، تعامله مع أصدقائه، وتطوره الشخصي.
رغم وجود رسائل تربوية واضحة (المسؤولية، الصبر، أهمية التعليم)، فإن بعض الفتيان قد يجدونها مباشرة أكثر من اللازم، مما قد يقلل من جاذبية السرد.
4. التفاعل العاطفي والتأثير النفسي
✅ تحقق بدرجة عالية
الرواية تثير التعاطف والاهتمام من خلال تصوير واقع الحرب، لكنها لا تغرق في الميلودراما، بل تحافظ على بصيص الأمل، مما يجعلها مناسبة للفتيان دون أن تكون مؤلمة بشكل مبالغ فيه.
شخصية جابر تطوّرت بشكل يجعل القارئ يرافقه في رحلته العاطفية ويفهم صراعاته الداخلية.
5. الحبكة والدراما السردية
✅ تحقق بدرجة جيدة
الحبكة منظمة وتمضي بتسلسل منطقي، لكنها في بعض الأجزاء تسير بوتيرة بطيئة نسبيًا، مما قد يؤثر على تجربة القراءة لدى بعض الفتيان الذين يفضلون الأحداث الأسرع.
النهاية مفتوحة وتعكس الواقع، لكنها قد تترك بعض القرّاء الشباب في حالة من عدم الاكتمال، خاصة أنهم يميلون إلى حب النهايات الأكثر وضوحًا.
6. مناسبة الفئة العمرية
✅ تحقق بدرجة جيدة جدًا
الرواية تحترم عقل الفتيان دون أن تحتوي على محتوى غير مناسب.
بعض الرموز (مثل الجرذان التي تأكل الوجوه القبيحة) قد تكون ثقيلة على بعض القرّاء الصغار، لكنها تعزز البعد الرمزي والفكري للرواية.
التقييم النهائي
تحقق كعك جابر أهدافها كرواية للفتيان بدرجة (85-90%).
تمتلك لغة مناسبة، قصة مؤثرة، وشخصيات يمكن التعاطف معها.
تمزج بين التشويق والتوجيه الأخلاقي دون وعظ مباشر.
يمكن تحسين الإيقاع السردي في بعض الأجزاء لجذب الفتيان الذين يميلون إلى حبكات أسرع وأكثر ديناميكية.
نجحت الرواية في تقديم تجربة مؤثرة وتعليمية للفتيان، مع بعض النقاط التي يمكن تعزيزها لجعلها أكثر تشويقًا وانسيابية للقارئ الشاب.
• المستوى النفسي :
تُعنى الرواية بالنمو النفسي لشخصية جابر، حيث نرى تحولات مشاعره وتجاربه الداخلية التي تعكس حالة الصراع النفسي بين التمسك بالأمل والاستسلام للواقع القاسي. تتجسد الأبعاد النفسية من خلال عدة جوانب:
1. الصراع النفسي والتوتر الداخلي
جابر يعيش في حالة اضطراب داخلي مستمر بسبب الحرب، وفقدان والده، والمعاناة اليومية.
يظهر الصراع النفسي في تساؤلاته المتكررة حول العدالة والظلم، والفرق بين الخير والشر، ولماذا يعيش بعض الأطفال في رفاهية بينما يعاني هو من الفقر؟
يلجأ إلى إسقاط مشاعره السلبية على الأشياء، مثل إحراق الكعك كوسيلة للانتقام من القهر الذي يشعر به.
2. مراحل النمو النفسي وتطور الشخصية
تمر شخصية جابر بعدة تحولات نفسية:
المرحلة الأولى: الوعي بالمأساة: في البداية، يكون جابر في حالة صدمة غير مستوعبة لحجم الخراب الذي أصاب حياته.
المرحلة الثانية: الغضب والرغبة في الانتقام: يتجلى ذلك في محاولاته لحرق الكعك وتشكيله كوجوه المجرمين الذين دمروا بلدته.
المرحلة الثالثة: إدراك البؤس الجماعي: لحظة اكتشاف الأطفال الذين يبحثون عن الطعام في القمامة تُحدث تغييرًا جوهريًا في وعيه، حيث يبدأ بالشعور بأن معاناته ليست فردية، بل هناك من يعاني أكثر منه.
المرحلة الرابعة: تحمل المسؤولية: بدلاً من التمرد السلبي، يبدأ جابر في إيجاد طرق لمساعدة الآخرين، مما يعكس نضجه العاطفي والفكري.
3. التحليل النفسي للسلوكيات الرمزية
إحراق الكعك: ليس مجرد فعل عادي، بل يمثل تفريغًا نفسيًا لغضبه، وتحويلًا للألم الداخلي إلى شيء ملموس.
مراقبة الجرذان تأكل الكعك: يعكس حاجته لرؤية “الشر” يتلاشى بطريقة رمزية، لكنه لاحقًا يدرك أن الجرذان تبحث عن البقاء مثل البشر، مما يؤدي إلى تحول في نظرته للأمور.
تأمل حياة “سالي” الغنية: يشير إلى شعوره بعدم العدالة الطبقية، لكنه لا يصل إلى الحقد، بل إلى إدراك الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
– المدخل السلوكي (مدخل التساؤلات)
تعتمد الرواية على مدخل التساؤلات كأداة سردية لتعزيز التفاعل النفسي والفكري، حيث تطرح العديد من الأسئلة الفلسفية والوجودية من خلال أفكار جابر:
1. التساؤلات حول العدالة والظلم
“هل كل النيران واحدة؟” → تساؤل رمزي عن الفرق بين الخير والشر، والبناء والتدمير.
“لماذا تحترق البيوت بالنار نفسها التي ننضج بها الكعك؟” → سؤال يعكس رغبة في فهم العالم من منظور أخلاقي.
“لماذا تعيش سالي في قصر، بينما أعيش في مرأب؟” → يعكس إدراكه المبكر للطبقية والفجوة الاجتماعية.
2. التساؤلات حول الهوية والمستقبل
“هل سنعود إلى بلدتنا يومًا ما؟” → يعكس إحساسه بالضياع وعدم الاستقرار.
“أين أبي؟ هل ما زال حيًا؟” → سؤال يعبّر عن ألمه العاطفي ورغبته في التمسك بالأمل.
“هل ستنتهي الحرب حقًا كما تقول أمي؟” → يوضح الصراع بين الأمل والتشكيك في الوعود غير المؤكدة.
3. التساؤلات حول الخير والشر
“هل يمكن أن يكون هناك أشرار طيبون؟” → يطرح سؤالًا يعكس النضج التدريجي في فهم طبيعة البشر.
“لماذا يسرق البعض بينما يعمل آخرون بجد؟” → يعكس رغبته في فهم دوافع السلوك البشري.
4. التساؤلات حول المسؤولية الاجتماعية
“هل يمكنني أن أساعد الآخرين؟” → انتقال من التفكير الذاتي إلى التفكير الجماعي.
“هل يجب أن أساعد الأولاد الذين يبحثون في القمامة؟” → بداية تطوّر حسه الإنساني والوجداني.
تعتمد الرواية على المستوى النفسي العميق في تحليل مشاعر جابر ونموه النفسي من طفل غاضب إلى شاب أكثر وعيًا ونضجًا. كما تستخدم مدخل التساؤلات كأداة فلسفية وسردية تجعل القارئ يشارك في التفكير مع البطل، مما يعزز التفاعل النفسي والتأمل في القضايا الإنسانية والاجتماعية المطروحة.
– المواعظ التي يرسلها النص:
تحمل الرواية العديد من المواعظ والدروس الأخلاقية والإنسانية، التي تُقدم بطريقة غير مباشرة، مما يجعل القارئ يتفاعل معها دون الشعور بأنها وعظ مباشر، بل كجزء من التجربة السردية التي يعيشها البطل “جابر”.
1. الصبر في مواجهة المحن
تعكس الرواية فكرة أن الحياة مليئة بالصعوبات، لكن الاستسلام ليس خيارًا.
والدة جابر مثال على الصبر والأمل رغم الظروف القاسية، حيث تصرّ على العمل بكرامة والتمسك بالأمل في العودة إلى بلدها.
على العكس، تمثّل خالته “دعاء” الوجه الآخر، حيث تغلب عليها الرغبة في الهروب بدلاً من المواجهة، مما يطرح للقارئ تساؤلًا: أيهما الخيار الصحيح؟
2. العدل ليس متاحًا للجميع، لكنه هدف يستحق السعي له
توضح الرواية أن العالم ليس عادلًا، حيث يعيش البعض في بيوت مرفّهة بينما يعاني آخرون من الفقر والتشرد.
رغم هذا الظلم، لا تدعو الرواية إلى الحقد الطبقي أو الانتقام، بل إلى الوعي بأهمية التغيير والسعي إلى العدالة بطرق أخلاقية.
3. التعاطف والتكافل الاجتماعي
عندما يرى جابر الأطفال يبحثون عن الطعام في القمامة، يتحول وعيه من التركيز على معاناته الشخصية إلى الإحساس بمعاناة الآخرين.
يتعلم أن الغضب وحده لا يكفي لتغيير الواقع، بل يجب التفكير في الآخرين والعمل لمساعدتهم.
4. القوة ليست دائمًا في الانتقام، بل في السيطرة على المشاعر
يبدأ جابر الرواية بمحاولات لإحراق الكعك كنوع من التنفيس عن غضبه، لكنه يدرك لاحقًا أن ذلك لا يغير الواقع، بل يزيده سوءًا.
يتعلم أن تحويل الغضب إلى فعل إيجابي أكثر تأثيرًا من الانتقام الأعمى.
5. لا تحكم على الأمور من ظاهرها فقط
الجرذان التي كان جابر يراها ككائنات مقززة أصبحت لاحقًا رمزًا لكائنات تبحث عن البقاء، مثل البشر تمامًا.
هذا يرسل موعظة مفادها أن الأحكام السريعة قد تكون خاطئة، وأنه يجب فهم الظروف قبل الحكم على الآخرين.
6. المعرفة والتعليم هما السبيل للخلاص
جابر يصرّ على استكمال تعليمه رغم الظروف، بينما بعض الأطفال الآخرين اضطروا لترك المدرسة من أجل العمل.
هذا يرسل رسالة واضحة بأن العلم والمعرفة هما السبيل للخروج من الفقر وتحقيق مستقبل أفضل.
الرواية تحمل مواعظ إنسانية عميقة حول الصبر، العدل، التعاطف، ضبط النفس، وعدم الحكم على الآخرين بسرعة. لكنها لا تقدم هذه المواعظ بشكل مباشر أو تقريري، بل تجعل القارئ يعيشها ويتفاعل معها من خلال تجربة جابر وتحولاته النفسية والاجتماعية.
– تحليل التناص في الرواية:
رواية كعك جابر (من تأليف فيحاء نابلسي) تتناول معاناة الأطفال في الحروب، وتسلط الضوء على النزوح والتشرد والفقدان من خلال شخصية الطفل جابر. هذا الموضوع يفتح المجال للتناص مع عدة أعمال أدبية ذات طابع مشابه، مثل:
1. رواية “الأمير الصغير” لأنتوان دو سانت إكزوبيري
أوجه الشبه: هناك تقاطع بين عالم الطفولة في كعك جابر وعالم الأمير الصغير، حيث يواجه الطفل في كلتا الروايتين واقعًا صادمًا يحاول فهمه من خلال الأسئلة والتأملات البريئة.
أوجه الاختلاف: بينما يعكس الأمير الصغير نظرة فلسفية ورمزية للحياة من خلال مغامراته، يتمحور كعك جابر حول مأساة حقيقية يعيشها الأطفال في مناطق النزاع.
2. رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري
أوجه الشبه: كلتا الروايتين تتناولان حياة الفقر والمعاناة، حيث يضطر الأطفال إلى التعامل مع واقع قاسٍ يتجاوز أعمارهم.
أوجه الاختلاف: الخبز الحافي تسلّط الضوء على الحرمان والمجتمع المهمش من منظور أكثر قسوة ومباشرة، بينما كعك جابر تبني عوالمها من خلال المخيلة الطفولية والحلم بالعودة إلى الحياة الطبيعية.
3. رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل
أوجه الشبه: التناص هنا رمزي؛ فطريقة تصوير جابر للنار (النار الطيبة والنار الشريرة) وأيضًا استخدام الجرذان لالتهام الوجوه القبيحة يمكن مقارنتها بالرمزية المستخدمة في مزرعة الحيوان، حيث تعكس الشخصيات رموزًا سياسية واجتماعية.
أوجه الاختلاف: رواية أورويل تتناول الديكتاتورية والفساد السياسي عبر الاستعارات الحيوانية، في حين أن كعك جابر تعتمد السرد الواقعي المرتبط بالطفولة والحرب.
4. رواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني
أوجه الشبه: كلتا الروايتين تسلطان الضوء على التهجير وفقدان الوطن، حيث يتمحور السرد حول شخصية تحاول استيعاب التغيرات القسرية في حياتها.
أوجه الاختلاف: عائد إلى حيفا تتناول التهجير الفلسطيني من منظور شخص بالغ يعود إلى مدينته، بينما كعك جابر تركز على منظور طفل نازح يعيش الصدمة في الوقت الحاضر.
يمكن اعتبار كعك جابر نصًا متناصًّا مع أدب الحروب والنزوح، حيث تستمد عناصرها من مخزون أدبي واسع يعكس معاناة البشر في ظروف مماثلة.
ملاحظات نقدية على رواية كعك جابر
رواية كعك جابر تقدم تجربة سردية تدمج بين التوثيق الواقعي لمعاناة الأطفال في الحروب والنزوح، وبين الرمزية التي تعكس نظرتهم الخاصة للعالم. ورغم قوة الفكرة والأسلوب، هناك بعض النقاط التي يمكن أن تكون محل ملاحظة نقدية:
1. نقاط القوة:
أ. الأصالة في طرح الموضوع
الرواية تعكس صورة حقيقية عن النزوح والفقدان من خلال يوميات طفل لاجئ، وهي تجربة سردية نادرة مقارنة بالأعمال التي تركز عادةً على تجارب البالغين.
استخدام شخصية طفل كبطل رئيسي يمنح النص صدقًا عاطفيًا ويجعل القارئ يتماهى مع المعاناة بطريقة أكثر تأثيرًا.
ب. التوظيف الرمزي
توظيف الرموز مثل النار، الجرذان، والعجين أضاف بعدًا فلسفيًا للسرد، حيث تعكس النار مفهومين متضادين (التدمير والبناء)، بينما الجرذان تمثل العقاب أو العدالة من منظور طفولي.
هذا النوع من الرمزية يمنح الرواية عمقًا يتجاوز حدود السرد التقليدي الواقعي.
ج. اللغة والأسلوب
لغة الرواية سهلة ومباشرة لكنها تحمل أبعادًا نفسية وفكرية عميقة، مما يجعلها في متناول فئات عمرية مختلفة.
الحوار بين الشخصيات بسيط لكنه يعكس أزمات وجودية كبرى، مثل مفهوم العدالة، الفقدان، والبحث عن حياة أفضل.
2. نقاط يمكن تعزيزها أو مراجعتها:
أ. تطوير بناء الشخصيات
شخصية جابر جاءت متماسكة ومتطوّرة، لكنه أحيانًا يبدو أكبر من عمره، حيث يطرح أسئلة فلسفية تتجاوز إدراك طفل في مثل ظروفه.
بعض الشخصيات الأخرى، مثل الأم أو سعيد، كان يمكن تطويرها أكثر وإعطاؤها أبعادًا نفسية أعمق تعكس صراعاتها الداخلية، بدلًا من التركيز فقط على أدوارها الوظيفية في القصة.
ب. الإيقاع السردي والتوازن بين المشاهد
الرواية تحافظ على إيقاع متزن، لكنها في بعض الأجزاء تصبح بطيئة نوعًا ما، خاصّة في المشاهد التي تتكرّر فيها معاناة الشخصيات بشكل مباشر دون تقدّم درامي واضح.
يمكن تعزيز الحبكة بإضافة نقاط تحوّل درامية أقوى، مثل حدث مفاجئ يغير مسار القصة، بدلًا من أن يكون كل شيء متوقعًا منذ البداية.
ج. نهاية الرواية
الرواية تعتمد على الواقعية، مما يجعل القارئ يتوقع نهاية مفتوحة أو غير سعيدة، لكن كان يمكن تقديم تطور ختامي أكثر تأثيرًا يرسّخ الرسالة الإنسانية للرواية.
لم يتم إعطاء إجابة واضحة حول مصير الأب المفقود، وهو عنصر كان يمكن استثماره دراميًا بشكل أكبر.
كعك جابر رواية تحمل تجربة إنسانية صادقة، وتوظف السرد الطفولي والرمزية ببراعة، لكن يمكن تعزيز عمق الشخصيات وتكثيف بعض المشاهد لإعطاء الرواية تأثيرًا أكثر تماسكًا.
التجربة الإبداعية للكاتبة فيحاء نابلسي في رواية “كعك جابر”
تعكس كعك جابر تجربة إبداعية تمزج بين السرد الواقعي والأسلوب الرمزي، حيث تعبر الرواية عن معاناة الأطفال في ظل الحرب والنزوح من خلال قصة الطفل جابر. تتجلى التجربة الإبداعية للكاتبة في عدة عناصر:
1. الموضوعات الأساسية:
الحرب والنزوح: تسلط الرواية الضوء على تداعيات الحرب على العائلات، خاصة الأطفال، من خلال تجارب النزوح والفقدان والحرمان.
الطفولة المبتورة: تصور الرواية فقدان البراءة في سن مبكرة، حيث يواجه جابر وأقرانه تحديات أكبر من أعمارهم، مثل الفقر والحرمان والخوف من المستقبل.
المقاومة بالأمل: رغم قسوة الواقع، تحاول الشخصيات الحفاظ على الأمل والتمسك بالحياة، وهو ما يظهر في رغبة جابر في الاستمرار بالتعلم والعمل رغم الظروف الصعبة.
2. الأسلوب السردي والتقنيات الفنية:
السرد بوجهة نظر الطفل: تعتمد الرواية على منظور جابر، ما يمنح السرد طابعًا بريئًا لكنه عميق في الوقت نفسه، حيث يفكر جابر في قضايا كبرى بطريقة فطرية، مثل الفرق بين النار التي تحرق البيوت والنار التي تخبز الكعك.
الرمزية القوية: يتم توظيف الرمزية بذكاء، مثل الجرذان التي تلتهم وجوه العجين التي شكلها جابر لتشبه المجرمين، مما يعكس فكرة العدالة الطفولية والانتقام غير المباشر.
التناوب بين الواقع والخيال: تلجأ الكاتبة إلى استخدام تقنية الأحلام والتخيل كوسيلة للهروب من الواقع، حيث يتمنى جابر أن يكون كل ما جرى مجرد كابوس يستيقظ منه ليجد نفسه في حياة طبيعية.
3. البعد الإنساني في التجربة الإبداعية:
تصوّر الرواية معاناة اللاجئين دون مبالغة درامية، بل عبر أحداث يومية بسيطة، مثل البحث عن الطعام أو محاولة توفير الدواء للطفلة المريضة، مما يعزز التأثير العاطفي لدى القارئ.
توظف الكاتبة الحوار بشكل حيوي، خاصة بين جابر ووالدته، ليكون وسيلة لفهم العالم من منظور طفل، إذ يطرح أسئلة فلسفية عن الحرب والحياة، مما يضفي على النص طابعًا حواريًا يعكس القلق الوجودي للطفولة في زمن الأزمات.
4. نقاط التميز في الأسلوب الإبداعي:
بساطة اللغة وعمق الفكرة: تتميز الرواية بأسلوب سهل لكنه يحمل دلالات عميقة.
الربط بين الرمزية والواقع: جعلت الكاتبة الرموز جزءًا طبيعيًا من حياة الطفل، مثل العجين الذي يشكله جابر ليعبر عن غضبه على من دمروا حياته.
القوة العاطفية: تتجلّى في المشاهد التي تصور الفقدان واليأس، لكنها لا تغفل إدخال لحظات دافئة تعكس الترابط الأسري والتضحية.
الخاتمة:
تُبرز كعك جابر تجربة إبداعية قوية، حيث استطاعت فيحاء نابلسي تقديم سرد عميق حول الحرب من خلال عينَي طفل، بأسلوب يمزج بين الواقع والخيال، الرمزية والبساطة، واليأس والأمل.