
مطبخ الكتابة ..
بقلم الشاعرة / نهلة السحلي

أعتقد أن المرأة أحق بمطبخ الكتابة من الرجل.. فليعد الرجال إلى عصرهم البائد في الفروسية والقيم والخُلق أو لعب الشطرنج وزراعة الأرض، فهذه مهنتهم الأسمى، فلتهتم عقولهم بالكيمياء والفيزياء والرياضيات وحسابات الكواكب والنجوم والإحصاء والبنوك..
أعتقد ان الكتابة مهنة نسوية بحتة وليس للرجل حق الخوض فيها فمنذ اكتشف الإنسان النار والمرأة تتقلد سطوة الحكي والغناء والسرد وكان الرجل يعود مرهقًا لينام، حينها كان العالم أكثر رخاءً وبهاءً..
كتابة المرأة حريرية رقيقة وليس لها مآرب أخرى كاجتذاب الرجال مثلًا؛ فى حين أن الشعراء يقتنصون بقصائدهم اليمامات الشاردة والغزلان الوحيدة، أو ربما تكبر مطامعهم إلى سبي القمر نفسه..
المرأة حين تعد الوجبات تعي معني إطعام البطون الجائعة وكيفية تزيين الموائد وإضافة بهاراتها الحارقة إلى الوجبات،الكتابة تتشابه كثيرًا وعملية الطبخ كاختيارالكلمات الطازجة الخضراء ومقياس الإناء وكمية الدهن وكيفية الطهو، فرائحة الطعام الشهي التي تجتذب حتى حوائط الجيران هى نفسها فى السرد متى تشعل النيران على السطر ومتى تطفأها وكيف لا تترك القاريء الذى يملؤه التشوق للإحتراق..
الكتابة هى متعة الطبخ ومتعة إطعام جائع يلهث خلف حكاية جميلة حالمة تسحبه من قدميه إلى ما فوق الغيم والعودة بالجنية والحوريات..
المرأة أدرى بالرجل بضعفه بحزنه حتي بجموده وقسوته فهى تعلم متى تلين ومتى تطحن رأسه كحبوبها فى الرحي..
تعلم متى يكون ناضجًا ليهضم ما تقول ومتى يستعصى على النار ولا يكون لينًا..
تلك المرأة التى أرضعت وليدها حليب صدرها وشاهدته يشب رجلًا هى أدرى به كليًا حتي وإن كانت تصنعه أسدًا لتحتمي به من تقلبات الزمن والوقت ورعد الأيام المحتمل..
المرأة تركت للرجال الكرة والملاعب والملاكمة والقنص وعراك الذئاب والحروب؛ إلا من رحم ربي..
شهرزاد هى أكثر النساء وأشهرهن تليها جدتي القروية التى كان يجلس والدي على حجرها تداعب خصلات شعره الأبيض وتقص عليه حكاياها القديمة وقيم الرسل والأنبياء..
أما ما يحدث الآن على الساحة
من تواجد الرجال فى القص والسرد والمطبخ الحكائي فهو كبرامج التلفزة التى يشتهر بها الرجال فى الطبخ..
أعتقد هذا خطأ بحت من المرأة التى لابد وأن تعود الى صوابها ورونقها وعدم التكرار الممل كمن لا تجيد إلا طبخ نوع واحد من الطعام كالفاصوليا مثلًا فتصيب البيت كله بالملل وبالغثيان..
ابتعاد المرأة عن التنوع والإبتكار فى المطبخ الحكائي سمح للرجل كماكدونالدز مثلًا فى الانطلاق والشهرة وإضافة بهارات أكثر حرقة وجذبًا للشباب والكبار على حد سواء..
الملل الذى أصاب المرأة فى القراءة هو ما أضعف قدرتها اللغوية أعني الطهوية الممتزجة بالتجديد، التعود على شكل حلة المحشى دون البهارات وطبقة البصل واللحم وربما بضع من فصوص الثوم والكثير الكثير من الأناقة فى التقديم.
أعتقد أنى كامرأة أصابني الملل والخجل من قلة المقبلات اللغوية المشهية فى أطباق الأدب وصرت أعتمد على الوجبات الجاهزة أو الكلشيهات المعدة مسبقًا والتى احتفظ بها فى الفريزر لسرعة التقديم..
افتقد المطبخ الحكائي النسوى للدهشة وللرائحة والنكهة والنتيجة هو استغلال الرجل لذلك ليتحكم فى برامج الطبخ الاقتصادي المتلفز المفتعل..
لابد وأن يجتمع الرجل والمرأة على طاولة المفاوضات لتزهر موائدنا الأدبية ونكف عن الطهي بلا رائحة..
لانريد ان نملأ بطون أقصد عقول الجيل الجديد بمزيد من الميوعة التى تؤدي الى هروبهم بعيدًا ليشتروا من مطابخ عالمية تقدم ما لايليق أحيانًا بأمعائهم؛ عفوُا عقولهم..
فليعد الرجل إلى ملعب الكرة والحقل والبنك والجامعة إن لم يكن كالمتنبي وعنترة وامرؤ القيس..