أشباح الماضي
بقلم الأديبة / عائشة بنور- الجزائر
قالت سكينة وهي تنظر إلى باب غرفتها:
– الباب المغلق حينما يفتح بهدوء يمنحنا الدفء، ويشعرنا بالأمان، نقيم علاقة حميمية مع فاتحه دون أن نراه، ونشعر بعين الرضا نحوه …
فجأة يفتح الباب المغلق في وجه سكينة، وتتضح الملامح المتجهمة في الظلام الدامس، بعد تسرب الضياء من شقوق النوافذ الموصدة…
يغلق الباب مرَّة ثانية وبقوّة، فتهب من الداخل ريح باردة تنبعث منها رائحة نتنة، والملامح المتجهمة تختفي مع انفتاح الباب المغلق مرَّة ثالثة.
تقول سكينة:
– في البداية صدمني إغلاقه بقوَّة، وأشعرني بالريبة والخوف والنظر إليه بارتياب شديد لعل ما يخفيه سيبدِّد وحشة السؤال في مخيلتي…
تدفع الباب بهدوء، وتسمع أزيزه الحاد يخترق الصمت وهي تردِّد في سرِّها:
– أنَّ الوجوه التي أعرفها بعد إشعال النور، أضحت أشباحًا تتراءى لي خلف بيوت العناكب المنسدلة خيوطها على بقايا جثث محترقة، وخلف الأبواب المغلقة.
وحينما عدّت أدراجي إلى البيت وأنا أفتح الأبواب المغلقة بقوَّة، ارتميت في حضن جدَّتي، وقد شعرت أنها أحست بوجعي وحنيني لوالديَّ.
ربّتت على كتفي بحنوٍ قائلةً:
– خذي نفسا عميقا، وضعي رأسك على ركبتي، ونامي.
وقد رفعت يدها المبسوطة على الوسادة ووضعتها على رأسي وكأنَّها تغلق كل الأبواب التي فتحتها بقوَّة في ذاكرتي.
سكنت نفسي بعد الصدمة، وقيل لي فيما بعد، وأنا أدلف الباب ورائي للمرَّة الرابعة، دون أن ألتفت خلفي:
– أنَّ الباب فتح بقوَّة، و بمكر، وسرق كل أحلامنا.
– وأنَّ البيت المهجور منذ أكثر من عشرين سنة، ولدتِ به ووالدك احترق فيه إثر غارة جوية ألهبت المدينة .
كبرت أنا، والأرض التي أطؤها اليوم، كانت لي يوما ما واليوم تبدَّلت، لكن المكان لا يزال يرسم في ذاكرتي ملامحه واستنشق روائحه الزكية، وتدمع عيناي كلما يُفتح الباب للمرَّة الخامسة في ذاكرتي، وأرتمي في أحضان جدَّتي وأنام…
Facebook
X-twitter
Youtube
Whatsapp