
وشوشة النخيل: ثلاثية الخير والحب والعطاء قراءة في (الوجود ألآثاري لاستخدام النخيل في تاريخ السودان القديم) دراسة كتبها الدكتور أسعد عبد الرحمن عوض الله
بقلم الدكتورة/ بلسم عبد الحميد احمد القارح
مدير مكتب الأثارالاقليمي -البحر الأحمر
مدير متحف البحر الأحمر للآثار والتراث- السودان

مدخل
الكاتب هو باحث سوداني متميز تناول في دراسته للدكتوراه أهمية النخيل في التراث السوداني وأسهم بشكل كبير في تسجيل تراث النخلة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو إلى جانب أثني عشر دولة أخرى مما يبرز جهوده في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والذي هو حق للجميع.
على مر الزمان كانت النخلة تهمس في آذاننا تتنقل عبر أغانينا وحكاياتنا تحكي لنا عن الخير، الحب، والعطاء وتمثل جزء لا يتجزأ من حياتنا رمزًا للخصوبة والحياة، وشريكًا أساسيًا في البناء، الطقوس، والعادات التي توارثناها عبر الأجيال قد ارتبطت النخلة ارتباطًا وثيقًا بالحرف التقليدية السودانية، التي تَستخدم السعف والجريد في صناعة الأدوات اليومية مثل السلال والأطباق والمفارش، فضلاً عن دورها في البناء التقليدي. فهو لا يمثل فقط مكونًا من مكونات ثقافتنا بل هو الحاضر الذي يروي قصة إرث يمتد عبر العصور.
كان النخيل شريكًا دائمًا في كل تفاصيل حياتنا اليومية في بُعدها المادي والروحي كان حاضراً في لحظاتنا الكبرى: من الولادة والختان إلى الزواج حيث يلهمنا الحب والتجدد والراحة والطمأنينة وفي طقوس وداعنا يوضع جريد النخيل ليحيط بالمرقد الأخير في رسالة محبة ووفاء لمن رحلوا عنا لكنهم ظلوا أحياء في قلوبنا وإشارة إلى الحياة المستمرة بعد الموت حيث لا يتوقف العطاء.
هداياه وهباته تتنوع؛ من جذوعه التي كانت تُستخدم في بناء الأسطح والمنازل إلى جريده الذي كان يحمي الأسطح ويزينها و السعف الذي كان يُحول بيد الصناع المهرة إلى سلال وأطباق ومفارش. كما كان التمر يُؤكل طازجًا أو مجففًا، ويُحول إلى مشروبات لذيذة، إضافة إلى نوى التمر الذي كان يُستخدم في العديد من الوصفات العلاجية التي توارثناها عبر الأجيال.
منذ العصور القديمة كانت النخلة جزءًا أساسيًا من حياة السودانيين ورمزًا للابتكار والبساطة وقد أظهرت الاكتشافات الأثرية أن النخيل كان له حضور بارز في كل الحضارات السودانية مثبتا قدرة النخيل على التكيف معبرة عن بساطته ومرونته وقدرته على الاستمرار عبر العصور.
نستعرض هنا عددًا من اللقى الأثرية المصنوعة من النخيل على سبيل الذكر وليس الحصر. تم استخدام أجزاء مختلفة من النخيل في مناطق متعددة في جنوب الشلال الثالث حضارة (المجموعة “أ”) كانت الجذوع والجريد والسعف تُستخدم لبناء الأكواخ الكروية بما في ذلك الأسطح. في كرمة كان سعف النخيل يُصنع منه أدوات لأغراض متنوعة، بالإضافة إلى الأحزمة المضفرة التي كانت يستخدمها الجنود الرماة. أما في قصر أبريم بالفترة المروية، فتم تصنيع المقاطف من سعف النخيل التي كانت تستخدم في الزراعة وأغراض أخرى. في بلانة في فترة ما بعد مروي، تم تحويل سعف النخيل إلى سلال تستخدم لإزالة التراب وردمه. وفي فترة المسيحية كان النخيل يُستخدم في كلبنارتي وأتيري لصناعة الصنادل (الأحذية) بينما كان الليف يستخدم لصناعة الحبال لربط الحيوانات وأشياء أخرى. أخيرًا، في الضانقيل، كان سعف النخيل يُستخدم لصناعة البرش الذي كان يُلف به جثث المتوفين.
ونشير هنا أيضا إلى بعض التصوير والرسومات الأثرية التي ظهر فيها النخيل. في المصورات الصفراء التي تعود إلى الفترة من 235-218 ق.م، يظهر الملك أرنخامني وهو يقف، وفي خلفه تقف إيزيس، تحمل في يدها اليسرى جريد النخيل. أما في موقع البجراوية (170-160 ق.م)، فقد تم تصوير الملكة شانكداختي وهي جالسة، وتحمل في يدها اليسرى جريد النخيل.
في دنقلا العجوز على جدران قاعة العرش يوجد نقش يُظهر السيدة مريم العذراء تحمل طفلها الوليد وهو يسأل النخلة ثمرًا ليروي عطشهما ويسد جوعهما ويلهمها أمنًا ويقينًا ويُصوّرها بمثابة الأم الحنونة وفقًا لإحدى الروايات المسيحية عن رحلتهما فرارًا من الطغاة القاعة مشهورة باسم مسجد عبد الله بن أبي السرح التي كان يُعتقد أنها كنيسة ثبت مؤخرًا أنها كانت في الواقع قاعة للعرش مخصصة لاستقبال الضيوف خارج المدينة لتأمينها.
لقد كرمها الإسلام وليس ذلك بغريب فقد ورد ذكرها في سورة مريم حين خاطب الله السيدة مريم العذراء عليها السلام وهي تعاني آلام المخاض طالبًا منها أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب فيسد جوعها ويروي عطشها في آنٍ واحد إلى جانب قيمتها الغذائية منحها الله خصائص تساعد في تخفيف آلام الولادة مما جعلها شجرة مباركة في الإسلام تمامًا كما بقيت مباركة في التراث السوداني حاضرة في وجدان الناس ومعيشتهم على مر العصور
وحتى اليوم تظل النخلة ترافقنا في أفراحنا وتزين قبور أمواتنا، لتبقى رمزًا خالدًا للغذاء والحياة والتجدد في قلب الثقافة السودانية. أسميتها رفيقة سفرنا في الحياة
في العصور الحديثة ظلت النخلة ترافقنا في أفراحنا وتزين قبور أمواتنا مما يجعلها رمزًا خالدًا للغذاء والتجدد في قلب الثقافة السودانية—- أسميتها رفيقة سفرنا في الحياة.