" المفتاح والمزاح " لرفيقة عثمان
بقلم الكاتبة/ هناء عبيد
صدرت قصة الأطفال “المفتاح والمزاح” للدكتورة رفيقة عثمان عن دار الهدى للطباعة والنشر كريم، وتقع في ١٧ صفحة ملونة، الرسومات أبدعتها ريشة الفنانة شيرين الخاني.
القصة تربوية توعوية، وهذا ما يجب أن تتسم به قصص الأطفال مع مراعاة أن تكون مسلية أيضًا لترشدهم إلى الطريق الصحيح دون أن تنفرهم. وهذا ما تبرع فيه الأستاذة رفيقة فهي تربوية بالدرجة الأولى.
تتحدث القصة عن الطفل وسيم الذي يخفي مفتاح سيارة خالته حنان التي زارتهم بعد قدومها من إسطنبول، وهو بذلك يعتقد أنه يقوم بعمل ظريف ومضحك، لكنه لاحظ مدى غضب وتوتر خالته وهي تبحث عن المفتاح، فشعر بالذنب، وتذكر أنها لم تكن المرة الوحيدة التي يتصرف بها بأسلوب مزعج، إذ أنه قام عدة مرات بالمزاح مع زملائه بالمدرسة.
سلطت القصة الضوء على الحالة النفسية للشخصيات، إذ استطاعت أن تبرز الصراعات التي مرت بها كل شخصية، ولعل ذلك من أهم الجوانب التي يمكن أن تتناولها قصص الأطفال؛ حتى تؤجج المشاعر، وتبين مدى أهمية الأخذ بالاعتبار نتائج التصرفات المزعجة، فقد رأينا مدى التوتر الذي أصاب الخالة حنان بسبب ضياع مفتاح سيارتها، وكيف أنه بدا واضحًا على وجهها، وكيف تبدل حالها حينما وجدوا المفتاح فقد “تغير وجهها، في لحظة. قبل قليل كان شاحبًا من القلق، والآن عاد إليه اللون، وارتسمت على شفتها ابتسامة واسعة، تنفست الصعداء…”
أيضًا استطعنا التعرف على مدى توتر الأم التي سارعت بالبحث عن المفتاح، ومدى التوتر الذي طرأ على وسيم حين لمس غضب الجميع، بحيث أخذ يرمش بعينيه دون إرادة، وأدرك حينها أن ما فعله لم يكن مزاحًا مقبولًا بل عملًا يسيء به إلى الآخرين، مما أدى إلى شعوره بالإحراج، فقد احمر وجهه وشعر أن قلبه يخفق بسرعة. وحينها تذكر إساءته لزملائه في المدرسة، حينما ربط حقيبة صديقه سمير بكرسي الصف، مما أحرج صديقه، وتذكر أيضًا كيف أنه أخفى قلم زميلته مينا، ومدى انزعاجها.
القصة تبرز دور الوالدين في التربية والتوجيه، فقد كان دور والد وسيم إيجابيًا، إذ لم يقم بتوبيخه أو تعنيفه كما يفعل بعض الآباء، بل على العكس من ذلك، فقد تحدث إليه بهدوء، وأخبره أن المزاح الذي يسبب القلق أو الأذى للآخرين ليس مزاحًا جميلًا، كذلك موقف والدته كان متسقًا مع موقف الأب، حيث أضافت لحديث زوجها بلطف: المزاح الحقيقي هو الذي يجعل الناس يبتسمون، لا الذي يزعجهم.
وبهذه التوجيهات الهادئة أدرك وسيم أنه قد أخطأ، وشعر بالندم. أما التعنيف، فكان من الممكن أن يدفعه إلى الخوف من العقاب أكثر من فهم خطئه والتعلم منه.
تناولت القصة أيضًا العلاقات الأسرية وأهميتها في حياة الطفل، من خلال زيارة الخالة حنان، وتواصلها مع الأطفال وحديثها إليهم عن إسطنبول وجمالها، وإحضارها الهدايا الجميلة لهم، وفي ذلك توطيد وتوثيق للعلاقات الإنسانية والأسرية.
نهاية القصة كانت موفقة وذكية، إذ أدرك وسيم أن المزاح المحمود هو ذلك الذي يدخل البهجة إلى القلوب، ويزرع البسمة على الشفاه، وقد ظهر ذلك جليًّا في تصرفه صباحًا حين قال لعائلته: مساء الخير يا عائلتي الحبيبة، مما دعا الجميع إلى الضحك بصوت عال.
القصة كتبت باللغة العربية الفصحى، وقد امتازت بالمتانة واحتوائها على المفردات الثرية المناسبة للفئة العمرية التي تتوجه إليها. جاء السرد سلسًا متناسبًا مع الأحداث، كما كان مسليًا وجاذبًا بحيث لا يدخل الملل على القارئ الصغير.
الرسومات جاءت منسجمة مع الأحداث، ولم تكن مجرد عنصر جمالي، بل أسهمت في إبراز مشاعر الشخصيات من قلق وحزن وفرح. وهو أمر مهم في قصص الأطفال التي يعتمد فيها الطفل على الصورة بقدر اعتماده على النص.
في المجمل، قصة المفتاح والمزاح قصة تربوية تقدم معالجة بسيطة وواضحة لموضوع تربوي مهم: الفرق بين المزاح الذي يصنع البهجة والمزاح الذي يتحول إلى أذى.
القصة تضيف إلى مكتبة الطفل العربي عملًا يجمع بين المتعة والفائدة، وتؤكد أن التربية يمكن أن تصل إلى الطفل من خلال الحكاية والموقف والشعور، لا من خلال النصيحة المباشرة وحدها.
