بقلم دكتورة / نجوى محمد سلام ” الفراشة الحالمة”
عشت طيلة سنوات عمري أستجدي القدر أن يغرس في دروبي فسيلات الفرح لكن دون جدوى ، منذ وعيت ورحلتي يكسو نبضها الأوجاع ،طفلة أعماقي عاشت تحلق في سماء الأحلام ، يصافح قلبها ربيع الأماني فتخضر بألوانها ربا المشاعر المقدسة وتسعد ببهاء طلتها مدارات شموس الأمل .
تجاوزت طفولتي ومراهقتي ولازالت طفلتي بود تتراقص على أنغام أحلامي ، تمدني بعنفوان جراءتها على انتزاع ألوان الغربة القاتمة التى حاولت الاستقرار بروحي منذ حملت أولي انكساراتي .
عالمي الذي استوطنته أجنة البهجة فقد ألقه وبريقه الآسر ، وزارني الضياع والشتات ليعيد تشكيل ملامح رحلتي في الحياة ، تداعت علي وتين قلبي جروح عطب أنوثتي التي لا تندمل أبداً ، مهما حدثتكم عنها فلن تشعر بحجم معاناتي إلا أنثى مثلي ، يجيش في أعماقها أنين العقم الذي حطم كل مراكب سعادتي ونزع أشرعتها بغتة وأسقطني في متاهات ليله البهيم .
لم أكن أدري احساس أنثى عاقر ظلمتها نظرة مجتمع أبله ، اجتث زهور حياتها وأسقطها عنوة في بحور الضياع ليل نهار ، تركها لمخالب فتنة الانجاب الممتدة حقولها عند مطلع كل طمث .
طفلة أعماقي التى تشعل مشكاة الأمل وتنسج مدناً من الأحلام تمدني بطاقة إيجابية كانت أكثر وعياً منى على تقبل واقعي المرير ، ساعدتني مراراً أن أغادر مرافئ دوامات نهش الجيران والأقارب والتى لا تبوح لك إلا بالأوجاع .
طفلتي العنيدة المتمردة داخلى لا تكف عن الثرثرة والنداء : أنت أنثى مكتملة الأركان ، لكن هيهات هيهات انحسرت كل مشاعري فلم يبق لي سوى أثر زوجة وافقت مرغمة أن تعيش برفقة حية تسعى لرغبة زوجها في إنجاب ولى عهد ، مرت الشهور وطلت هبة الله لثلاثتنا ، فكان مصيرى بعدها الطرد ، غرد العصفور الجميل فترنم لصوته أبيه ولبى نداء الحية بطلاقي .
عدت أدراجي أجرجر أذيال خيبة عطب أنوثتي ، استقبلني أخوتي استقبال الفاتحين خصوصاً حينما علموا حقيقة راتبي الكبير ، بود رحت أوزع كل ما أملك على أطفالهم طليعة كل شهر ، مضت سنواتي وأنا أتجه صوب سواحل الاغتراب خصوصاً بعد فقد أبي وأمي ، في حضرتهم لم أكن بحاجة لرجل ، أشبعوني عطفاً وحباً فامتلأت كل أركان وزوايا روحي بهم ، لقنني أخى وأختي دساتير رفضهم لأى عريس لي وبغشاوة صدقت ادعاءاتهم ، حتى جاءتنى صدمة فقد أبي وأمي في أسبوع واحد ، واستلمت صكوك إرثي .
همساً سمعتهم يتقاسمون وجودي بينهم لينهلوا من إرثي ، فهم ورثتي ويجب الحفاظ على إرثهم من اقتناص أى غريب يرغب في الزواج منى ، يا الله انهارت كل جدران الحماية وتصدعت أركان سندي ، مناوشاتهم سعرت براكين ثورتي عليهم وعلى عادات وتقاليد مجتمع بالية ، حرمنى الاستقرار النفسي في حضن زوج صالح يصلح عطب رجل مر بي يوماً ولم يحسن استضافتي .
فضفضت لرفيقة عمري بما أتجرعه من ويلات مجتمعية ، بالصدفة كانت لدينا زميلة عمل كان أحد أقاربها يشابهنى فيما مررت به ، رتبت لنا موعداً ، حين رأيته كأنه أنا ، استعدت معه طفلتى الشقية رغم تجاوزي وقتها التاسعة والخمسون ، اعترض أخي وأختى ، ضربت برأيهم عرض الحائط ولم أقم لنظرة المجتمع أهمية ، واجهت زميلات العمل ورفيقات دراستى وأخبرت الجميع ليلة عرسي وأنا أرتدي فستاني الأبيض : أنثى أنطلق في حضرة نقاوة عيني الذي ينتشلني من حصار الاغتراب ونهش الوحدة.


