الكاتبة/ إنجي شلتوت
هل تأملت يومًا في مستوى الرفاهية التي تعيشها، حتى كدت تعتادها فلم تعد تشعر بقيمتها؟ فكم من الأشياء التي تمر عليك في يومك مرور الكِرام؛ كانت حلمًا مستحيلًا لأسلافك، بل وربما ترفًا لم يخطر لهم على بال، ولا أتحدث هنا عن أيّ أسلاف.
هل تأملت حال قارون، أغنى أثرياء بني إسرائيل؟ فقد شق على عصبة من الرجال حمل مفاتيح خزائنه، ومع ذلك لم يعرف يومًا رفاهية أن يضغط زرًا صغيرًا فيهب عليه هواء بارد من جهاز تكييف.
كان أقصى ما يملكه أن يقف حوله الخدم يلوّحون بالمراوح ساعات طويلة، بينما تجلس أنت اليوم في غرفة مكيفة، وتشتكي إن ارتفعت الحرارة درجة واحدة.
ولم يتخيل قارون يومًا بطاقة صغيرة لا يتجاوز وزنها بضع جرامات، تحمل قيمةً تفوق ما كنّزه في صناديقه، ولا تطبيقًا مصرفيًا يتيح لصاحبه أن ينقل قدرًا من المال من طرف العالم إلى طرفه الآخر وهو يحتسي فنجان قهوته.
هل فكرت في الملوك والأمراء الذين قطعوا الصحاري والبحار أسابيع وشهورًا وناموا في الطرقات، وتعرضوا للأمراض وقطاع الطرق؟
تخيل دهشتهم لو رأوا طائرة في السماء تحملك من قارة إلى أخرى في ساعات معدودة، بينما تتذمر أنت لأن رحلتك تأخرت أربعين دقيقة.
ولم تتمنَ الملكة حتشبسوت غسالة للأطباق مثلًا، ولا ثلاجة تجمّد الطعام، ولا موقدًا يعمل بلمسة إصبع.
لم يذق فرعون مشروبًا مثلجًا أُخرج من الثلاجة قبل دقائق، ولم يعرف مذاق المثلجات في أيام الصيف اللاهبة. هي أشياء اعتدناها، لكنها كانت لتبدو أقرب إلى السحر في أعينهم.
ولم يعرف ابن سينا أن هناك أشعة دقيقة تُعرف بالليزر، يستطيع الأطباء بها تصحيح البصر أو إزالة حصوات الكلى أو معالجة كثير من العلل دون شقوق كبيرة وآلام طويلة المدى، كما أنه لم يسمع عن الأشعة المقطعية ولا التصوير بالرنين المغناطيسي. أمضى عمره يحاول فهم الجسد الإنساني، بينما تستطيع اليوم أن ترى أعضاءك الداخلية معروضة أمامك على الشاشة خلال دقائق.
ولم يحلم الجاحظ بمكتبة يحملها في جيبه تضم آلاف الكتب والمخطوطات، بينما يكفيك اليوم أن تكتب اسم أي كتاب فيظهر أمامك خلال ثوان.
ولم يعرف صلاح الدين الأيوبي معنى أن تتحدث مع شخص في أقصى الأرض، وترى وجهه في اللحظة ذاتها من خلال جهاز صغير يسمى الهاتف المحمول، فقد كانت الرسائل تقطع المسافات في أسابيع وربما شهورًا، أما نحن فنضجر إذا تأخر الرد دقائق، أو تعطل تطبيق الواتساب ساعة واحدة.
فماذا لو جاء أحدهم إلى زماننا هذا؟ من المؤكد أنه سيظن أننا نعيش في قصور من المعجزات. ولو اجتمع قارون وحتشبسوت وابن سينا والجاحظ حول مائدة واحدة في عصرنا هذا، ثم شاهدوا مسلسلًا على شاشة التلفاز، لانشغلوا بما نتمتع به من رفاهية أكثر من أي شيء آخر.
والأعجب من ذلك أن أحفادنا بعد مئة عام أو مئتين، قد ينظرون إلينا بالطريقة ذاتها، ربما سيروننا بدائيين رغم كل ما نعدّه اليوم ذروة الرفاهية، فالعلم لا يتوقف والتكنولوجيا لن تكف عن مفاجأتنا، ولو بعد حين.
فالرفاهية التي نعدها اليوم أمرًا عاديًا، هي بلا شك أعجوبة تاريخية في أعين السابقين، ولسوف تصبح ذكرى بدائية في أعين اللاحقين.


