بقلم الكاتبة/ هناء عبيد
هل يمكن للقلم أن يصل إلى الجفاف يومًا؟!
المواضيع تنساب كنهر دافق لا ينضب، كل تجربة يمر بها الإنسان تستطيع أن تفتح مجلدات من السرد. فالحياة مليئة بالأحداث المتنوعة التي لا حصر لها، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
والإنسان بطبعه أسير لكل هذه التغيرات التي تحدث تأثيرًا كبيرًا عليه، أضف إلى ذلك أن كل شخص في هذا الكون متفرد بوجهة نظره، فرغم احتمالية تشابه الظروف، إلّا أن وقعها على النفس قد يختلف من فرد إلى آخر، مما يوسع آفاق الكتابة في المقالات والدراسات والأعمال الأدبية.
لكن رغم كل هذه الوفرة، إلا أننا نجد بأن الكثير من الكتاب يقفون عند محطة ما، وقد مرّوا بما يعرف بالحبسة الإبداعيّة.
ترى ما هي العوامل التي يمكنها أن تصمت القلم، وأن تقف عائقًا أمام تدفق أفكار الكاتب؟ وهل هذا الأمر طبيعي أم أنه يعد مرحلة مقلقة؟
لا شك بأن الظروف السياسية القاسية، والمربكة التي تمر بها بلادنا العربية، والرؤية الضبابية جمدت الأقلام، وجعلتها تتردد في الكتابة، كما أن بعض القوانين التي تفرض عقوبات وتضع تشديدات على نوعية المواد المنشورة، أسهمت في تقييد بعض الأقلام.
ومن جهة أخرى، قد يصل بعض الكتاب إلى قناعة بأنه استنفد ما لديه من إبداع، وأن كتاباته لم تعد تضيف جديدًا، بل ستغدو تكرارًا لأعماله السابقة،
ولا ننسى مدى اختلاف النفس البشرية واستقبالها للحدث، فهناك من يتأثر بالأحداث، لدرجة أنه قد يعاني من اضطرابات نفسية، تضعه تحت ضغط يمنعه من الكتابة.
وقد يكون لتراجع معدلات القراءة لدى الجمهور أثر سلبي أيضًا، إذ يجد الكاتب أن أعماله لا تجد الصدى، وأن أفكاره تبقى تصارع نفسها وحيدة بين دفتي كتاب، خاصة بعد الإحجام عن القراءة بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جذبت الانتباه إليها بعيدًا عن الكتاب. كذلك أسهمت هيمنة التكنولوجيا وثقافة الاستهلاك على مساحة واسعة من الحياة، فدب اليأس في نفوس بعض الكتاب وأوصلهم إلى يقين بأن الكلمة لم يعد لها تأثيرها الكبير.
ولو تفحصنا آراء الأدباء، لوجدنا وجهات نظر مختلفة حول أسباب هذه الحبسة الإبداعية، ففي حين يرى بعضهم أن الأمر طبيعي وصحي، ينكر بعضهم وجودها، ويعتبرها آخرون جزءًا من عملية الخلق الأدبي، فعلى سبيل المثال يرى الأديب غابرييل غارسيا ماركيز، أن الكاتب لا ينبغي أن يكتب لمجرد الكتابة، بل عليه التوقف حتى تنضج فكرته. أما مارغريت أتوود، فهي لا تؤمن بأن هناك توقفًا عن الكتابة أو ما يسمى بفكرة الحبسة الإبداعية، إنما تفضّل التخلي عن مشروع لا تراه ناجحًا بدلًا من إجبار النفس على إكماله، أي برأيها ليست كل فترة صمت تعني فقدان القدرة على الكتابة.
أما الروائي الأمريكي جون إيرفنج، فهو لا يؤمن بما يسمى بالحبسة الإبداعية، إنما يعترف بوجود فترات جفاف وقلق، بل ويعتبرها إجازة إجبارية ينبغي استثمارها في القراءة والتأمل ومشاهدة الفن.
ويكشف هذا التباين أن الخلاف لا يدور حول التوقف عن الكتابة بقدر ما يدور حول تفسيره.
فأحيانًا لا يكون صمت القلم غيابًا للأفكار، بل يكون مرحلة خفية تتشكل فيها الأفكار قبل أن تولد على الورق.
وسواء اعتبرنا الحبسة الإبداعية مرحلة طبيعية أو مجرد وهم، فإن التوقف المؤقت لا ينبغي أن يتحول إلى هجر دائم للكتابة، إنما يجب اعتباره مرحلة انتقالية لنضج الأفكار وصقل الرؤية الإبداعية.


