تأملات من سورة طه
الأديبة/ إنجي شلتوت
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي هَٰرُونَ أَخِي ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا﴾
في القرآن الكريم نماذج كثيرة تكشف طبيعة العلاقة بين الإخوة، منها ما يهبط بالإنسان إلى القاع، ومنها ما يرفعه ويقويه.
نقرأ عن قابيل حين امتدت يده إلى أخيه، فنرى كيف يتحول الحسد إلى قتل، وكيف قد يحمل الأخ لأخيه شرًا يفوق شر الغريب.
ونقرأ عن إخوة يوسف، وكيف دفعتهم الغيرة إلى الكيد له وإلقائه في غيابات الجب، حتى صار الإخوة مصدر خوفٍ وتهديد.
ونقرأ أيضًا قوله تعالى:
﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا﴾
فنرى صورة أخرى للأخوة، صورة الارتباط بالسمعة والصلاح والانتماء الطيب، فنداؤهم للسيدة مريم بأخت هارون يحمل معنى الانتساب إلى بيتٍ عُرف بالطهر والعبادة، حتى أصبح اسم الأخ شاهدًا على أخلاق أخته، فصارت الأسرة مرآةً لبعضها البعض.
ثم تأتي صورة تمتلئ بالمودة والاتكاء والثقة، تتجلى في دعاء موسى عليه السلام في سورة طه:
﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي هَٰرُونَ أَخِي﴾
لم يطلب موسى القوة لنفسه، ولم يسأل طريقًا يخلو من الأعباء، إنما سأل أخًا وسندًا ليشد به أزره، ويشاركه حمل الرسالة إلى فرعون، وليتحمل معه أثقال الطريق.
﴿ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي﴾
وقد يتبادر إلى الذهن عند القراءة الأولى للآيات التالية معنى ظاهري، بينما تحمل الآيات معنى أعمق وأوسع:
﴿كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا﴾
فقد يظن البعض أن موسى يذكر التسبيح والذكر على سبيل المقابلة، أي أن الشيء مقابل الشيء، وكأن المعنى: إن أعطيتني ما أريد سبحناك وذكرناك أكثر، لكن سياق الآيات وروح الدعاء يحملان معنى أعمق وألطف من ذلك.
فالله سبحانه وتعالى غني عن عباده، لا تزيده طاعة الطائعين شيئًا، ولا ينقصه تقصير المقصرين، وموسى عليه السلام أعلم بربه وأشد أدبًا معه من أن يجعل الذكر مقابل عطاء. ومن هنا نفهم أن الآيات تفيض بمعنى الصحبة الصالحة وأثرها في النفس.
فالإنسان حين يجد من يعينه على الخير، تقوى عزيمته، ويزداد نشاطه للطاعة، ويثبت قلبه أكثر، ولهذا طلب موسى مؤازرة أخيه هارون، لأن الطريق الثقيل حين يقطعه الإنسان مع قلبٍ مؤمنٍ محب لله، يصبح أهون وأقرب إلى الثبات.
فالصحبة الخيّرة تحيي الذكر، وتبعث الهمة، وتدفع الروح إلى التسبيح والطاعة كلما فترت أو ضعفت، أما الوحدة.. فكثيرًا ما تفتح باب الوهن والتقصير، ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى:
﴿كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا﴾
أي ليكون وجود هارون عونًا على دوام الذكر، وكثرة التسبيح، والثبات على ما يرضيك يا الله. وفي هذا الدعاء ملمح إنساني، فحتى الأنبياء احتاجوا إلى السند، وطلبوا الصحبة التي تقوي أرواحهم على الطاعة وتحمل أعباء الرسالة.
