قضية الإرث

بقلم الكاتبة/ ديما نحاس

كان يمشي بخطى بطيئة، يشقّ سبيلا خشنًاوسط الزحام ليصل لمكان ضيّق استطاع أن يلقي بجسده الهزيل عليه . تخيل صورة أبيه في أشقّ لحظات المرض . ثم عاد به ذاك الوجه الباهت إلى صورة الأب الشاب العشريني، وهو يضع يديه الواثقتين على كتفه ويقول له : يا محمد أخواتك أمانه برقبتك. ثم استمر يفكر يوم جلس مع أبيه بعد انقضاء امتحانات الثالث الاعدادي .. حين قال له : أنا وعمّك صعب نستمر كشركاء .أنت المفروض تترك الدراسة وتساعدني لنبدأ مشروعنا سوا ، يا محمد المدرسة ما رح تطعميك خبز ونحنا عنا حريمات ..
لم يكن محمد ممن يعارض أو يتمرد ظلّ ملازماّ لأبيه ، الذي اختار له المسكن واختار له الأثاث وهو الذي اختار له العروس أيضا . أحبّ صوت المحركات وألف لون الحبر على أنامه، استساغ رائحة الصالة وما تحتويه من الورق والمعادن.
تبّدل بعض الأشخاص ممن كانوا يشاركونه ذاك المقعد الحديدي الضيق، استطاع الحصول على مساحة أكبر مع ازدياد الازدحام والضجيج .. نظر إلى حذائه القديم .. لم يكن ممن يحب الاهتمام بلمظهر أو ربما لأنه دفن نفسه لسنوات في ضبط حروف الطباعة وتنسيق الألوان ليظفر برضاء العملاء .. فكّر بأمّه المعتدّة وتذكر صورتها حين كانت تهىّء المسكن الجديد تمهيدا لانتقال الأسرة إليه .. حينها تركت أخته الصغرى معه فراحت تصرخ وتبكي ..ماما ..ماما .. صار يغني لها ويغير بنبرات صوته ليضحكها ..تهدأ ثم تعيد الكرّة بصراخ أشدّ ازعاجاً … فما كان منه إلا أن يحملها على ظهره الصغير ويعبر بها الحي القديم ليوصلها إلى ماما .. يقوى ابن الست سنوات على هذا الوزن بيد أنه لا يحتمل رؤيه دموع أخته تبلل أهدابها الذهبيه الجميلة …
نظر إلى الساعه، تململ قليلا ثم راح يفكر بأخته الأخرى .. كانت معه في يومها الأول من المدرسة، جميلة فرحه برفقة دليلها الخبير .. تركها تدخل للصف موصياً إيّاها أن تنتظره وقت الانصراف …هلع قلبه حين خرج ولم يجدها راح يجري فزعاً إلى البيت علّها سبقته وازداد هلعاّ حين سألته الأم عنها … انتفض يجري ، مغشياً على بصره… حتى وجدها تسير وحيدة ببطىء في الحارة ..لم يشأ أن يؤذيها وسألها عن حبات المشمش التي كانت بيدها ..فأخبرته بأنها تعرفت إلى صديقة جديدة وأختها الكبرى دعتها إلى بيتهما لتراها أمهما ..اكتفى بلقبض على يدها والاحساس بنشوة النصر.. مارّاً أمام من كان يسألهم عنها منذ لحظات.
رفع رأسه وراح يتفرس في تلك الوجوه المكروبة من حوله .. استطاع أن يميز من بين الزحام وجهين عرفهما ..كانتا أنيقتين واثقتين .. تتقدمان نحوه يسبقهما محام يحث الخطى كجرذ يخشى سقوط قطعة الجبن … ينادى المنادي بصوت عال أجش لا روح فيه .. دمعت عيناه حين سمع اسمه بعد كلمة المدعى عليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *