قصة قصيرة بقلم
دكتورة/ نجوى محمد سلام
( الفراشة الحالمة )
لم أكن أصدق أن للزمن أبوابًا سرية.
كنت أظنه طريقًا مستقيمًا؛ نمضي فيه ولا نعود، وكل عام يدفن عامًا، وكل وجه تتركه الأيام خلفها يصبح مجرد صورة باهتة في ألبوم الذاكرة.
لكنني اكتشفت أنني كنت مخطئة.
في مساء هادئ، شدني فيه الحنين لسنوات براءتي ، حين كنت أسجل يومياتي بلهفة قلب جرئ تعانق نبضاته السطور بلا خجل ، فتحتُ حقيبة أشيائي التي ظلت لسنوات طويلة راقدة أسفل سريري في بيت أبي .
لم تكن حقيبتي ثمينة ، لكن ما بداخلها كان أغلى من كل ما امتلكته في حياتي.
دفاتر قديمة…رسائل مطوية …تذاكر صغيرة…صور باهتة
وكلمات كتبتها فتاة لم تكن تعرف أن الأيام ستجعلها تشتاق يومًا إلى تلك النسخة منها.
جلستُ على الأرض، وفتحت أول دفتر
وفجأة…
لم أعد هنا ، عدتُ ثمانية وعشرين عامًا إلى الوراء.
كانت الجامعة أمامي من جديد، والممرات تضج بأصواتنا، والضحكات تتطاير بين المحاضرات، والأحلام أكبر من أعمارنا ، وشجرة مرابضة خلف دار الضيافة في كليتي كانت شاهدة على كل أحاديثنا معاً ، امتدت لها أناملنا وحفرنا عليها أمنيات وأحلام مستقبلنا .
كنتُ يومها أكتب كل شيء في دفاتري
أكتب ما أخشاه، وما أحلم به، وما أحب، وما أتمنى أن أصبح عليه.
وكانت هناك أغانٍ تسكن تلك السنوات ، أغاني نتقاسم غنائها معاً أنا وأنثاى الرقيقة .
نزار بكل عنفوانه في غزل الكلمات…نجاة بروعة صوتها الذي يجذب الحنين
وكاظمي ذلك السحر الذي كان يجعل القلب يصدق أن للحب ألف ليلة وليلة وأنه فارس الأحلام بعد العندليب ويحيي شاهين .
كل أغنية كانت مفتاحًا وكل لحن كان بابًا.
وكل صفحة في دفتري كانت تقول لي:
“هذه أنتِ… قبل أن تعلمك الحياة الصمت و كيف تخفين ارتجاف قلبك.”
ابتسمت.
ثم توقفت عند صفحة بعينها.
كانت تحمل اسمها ورسائل بخط يدها
صديقتي الوحيدة المقربة لقلبي في سنوات الجامعة.
كانت تعرف أشياء لم أقلها لأحد.
وأعرف عنها أشياء لم تكن تقولها إلا لي.
كنا نعتقد أن صداقتنا ستنتصر على الزمن .
ثم فعل الزمن ما يجيده.
فرّقنا كعادته
ليس بخلاف ولا بخيانة ولا حتى بكلمة جارحة
فقط تزوجنا وأنجبنا ونهشتنا دوامة مسؤولياتنا التي لا تنتهي
أخذتنا الحياة كل واحدة إلى جهة ، أذاقتنا مرارة الغربة وغربلت أحلامنا البسيطة
أنا في السعودية وهي في الكويت
كبرنا وتخضبت ملامحنا بأزميل السنين
تغيرت المدن و تبدلت الوجوه والأجسام وتكاثرت المسؤوليات ، وظلت هي تختبئ دون إرادتي في إحدى زوايا قلبي دون أن أشعر .
جذبني إليها الحنين يوم أن التقطت أناملي إحدى رسائلها القديمة التي أهدتني إياها في عيد ميلادي ونحن بعامنا الثالث بالجامعة ، وقتها كنت في أوج نشاطي بمسرح الجامعة ، تمنيت وأنا أعيد قراءة الرسالة رؤيتها لكن للأسف لم أكن أعلم أي سبيل للقياها.
وذات يوم وصلتني رسالة من حساب مجهول ، وكعادتي لا أرد على رسائل الماسنجر ، فتفاجأت بزوجي يبلغني بوصول رسالة له من حساب غريب لأنثى ترجوه أن أتواصل معها وتبلغه باسمها ، فور سماعي الاسم صرخت كعادتي بجنون ، هل يمكن للمستحيل أن يحدث ؟ هل تهدهد الأيام ما هدمته بأرواحنا ؟
تواصلت معها ولم أكتف بالكتابة سارعت بإرسال رقم هاتفها ، انتشلني صوتها من يم الحاضر لأسافر معه للماضي الجميل ، مضى بنا الوقت سريعاً سريعاً ، رتبنا موعداً للقاء .
ظللت أرسم ملامح لقاء ضنت به الدنيا ٢٨ عاماً ، حتى جاء اليوم الذي رأيتها فيه في مكاننا المفضل تحت ساعة محطة القطار ، وصلت إلى حيث اتفقنا ، نظرت حولي ، لم تحتج إلى مقدمة لتعرفني رغم تبدل ملامحي ، فجأة رأيت منتقبة تمسك يدي بغتة وتحدق في عيني وتقول : بشويش ماتصرخيش ، ظللت أتأمل العيون التي اشتقت لها لسنوات
لم أسألها: كيف حالك؟
لم أحتج إلى أن أشرح لها أين أخذتني السنوات.
نظرنا إلى بعضنا بصمت طويل ، أعادنا سيرتنا الأولى بطهر أحلامنا وبراءة ضحكاتنا .
ضحكت ، فضحكت أنا أيضًا.
وفي لحظة واحدة، سقطت ثمانية وعشرون سنة من أعمارنا على الأرض.
لم أرَ المرأة التي صنعتها الأيام.
رأيت الفتاة التي كانت تجلس إلى جواري في الجامعة.
رأيت عينيها كما كانتا ، ورأتني كما كنت بجنوني وطفوليتي وشقاوة ضحكي .
قالت: لسه فاكرة؟
فقلت: أنا ما نسيتش أصلًا.
سكتنا لكن العيون قالت الكثير والكثير والكثير .
وكان الصمت بيننا أبلغ من كل الحكايات ، توجهنا لمسجد البدوي حيث مأوى الروح فمن اجتمعا على حب الله لن يتفرقا أبداً .
أدركت في تلك اللحظة أن بعض الناس لا يعيشون معنا طوال العمر…لكن أرواحهم تحتل داخلنا العمر كله.
قد تفصلنا عنهم السنوات، والبلدان، والظروف، والمسافات وقد تنقطع الأخبار، لكن هناك أشخاصًا لا يغادرون الذاكرة لأنهم لم يكونوا مجرد عابرين فيها ، هم عابرون خلالنا .
كانوا ولا زالوا جزءًا من تكويننا.
جزءًا من النسخة الأولى التي صنعنا بها أنفسنا.
وعندما افترقنا، لم تنتهِ الحكاية لقد أغلقت فقط دفترًا…وتركت الصفحة الأخيرة مفتوحة.
عدتُ إلى البيت في ذلك المساء، وأعدت الدفاتر إلى حقيبتي
لكنني لم أغلقها هذه المرة ، تركتها مفتوحًا.
فقد فهمت أخيرًا أن الماضي الجميل ليس مكانًا نعود إليه…
بل إنسانًا، أو أغنية، أو ورقة قديمة، تستطيع أن تعيد إلينا أنفسنا التي ظننا أننا فقدناها.
وربما لهذا السبب لا تكبر بعض الذكريات أو تشيخ .
نحن الذين نكبر حولها.
أما هي…
فتظل في عمرها الأول طفولية بريئة جريئة
تنتظرنا.
وحين نعود إليها، لا تسألنا:أين كنت كل هذه السنوات؟
بل تفتح ذراعيها فقط…وتقول: كنتُ هنا.

