الأديبة/ نهلة السحلي
قد يمكننا طي العمر وطي الماضي، ولكن كيف يمكننا طي ذاكرة المكان؟
حتى لو تغير العابرون؛ يظل المكان ثابتًا وشاهدًا، لا ينسى..
وضعت مريم أكياسها البلاستيكية بجوارها، وجلست المرأة الستينية المنهكة تلتقط أنفاس العمر هنا على هذا الكرسي الرخامي المواجه لقضبان الترام الفارغ ، والمواجه لنسمة البحر العابرة..
لقد اشترت لتوها بعض الهدايا القطنية الزاهية لحفيدتها الصغيرة التي لم ترها منذ ولادتها، ولم تحتضنها ولم تشعر بأنفاسها ولم تتفرس فى ملامحها..
ربما ستكون الشاشة الزرقاء الباردة للفيديو هى وسيلتها الوحيدة لتنعم بالبسمة الصغيرة الفارة من كف السعادة..
لعام آخر من عمرها ستكتفي مريم بلمح حفيدتها من بعيد وتنتظر ..
مريم لم تشهد زفاف ابنها لم تحتضنه لم تجهز بذلته ولا ربطة عنقه، سرقت منها الغربة الحلم الذى روته وعاشت به لسنوات طويلة..
الصور الباردة المتجمدة لفرحة وحيدها البعيد هى كل ما حصلت عليه، خمس سنوات منذ سافر إلى أقاصي بقاع الأرض إلى الجليد، خمس سنوات تأكل.. تنام ..تمرض وحيدة، وتهرب من منزلها إلى الأماكن القديمة التى تشبهها ولم تتغير ..
تجلس هنا تحملق فى الفراغ لا تأبه للضجيج ولا يأبه العابرون لها.. قبلًا كانوا ثلاثة هى وزوجها، وعالمها الذى طوته الأيام، هنا تأبطت ذراع زوجها ومن هناك اشترى بدلته الرمادية وكتبه وهنا رصّت أمنيات العمر للريح..
لم تعد مريم تبكى فراقه ولا وحدتها، استسلمت تماما وطواعية لأقدارها.. مات ونيسها وهاجر وحيدها ونسيها العالم..
ولكنها كلما مرت بمحطة الرمل والبحر والترام، تسرق ذكرى من فم الزمن؛ تارة تسرح فيها وتارة تبكي..
تتذكر كيف كافح وحيدها فى الغربة وتعلم وبكى، وبقى حتي حصل على الجنسية ليتزوج من نساء أهل الجليد..
دوما هى تفر من حوائط منزلها الفارغة المتكلمة التى تنهش عقلها، إلى الهواء فى الشوارع العتيقة للمدينة..
محطة الرمل هي ونيسها الحالي؛ شوارعها ومحلاتها وصخب العربات والمارة، وكلما جاءت إليها لاحقتها ذكرى الأماكن: البحر وبائع الذرة المشوي وعربات الترمس والأغاني القديمة..
كيف مر العمر وسرق لحظاتها؟!
تنفست.. تنهدت.. دمعت عيناها، لملمت حقائبها البلاستيكية وملابس الحفيدة الجديدة.
لملمت ما تبقى من حلم وهى تنتظر أن يعود ابنها لتحتضنه بقوة ما مر من سنوات، ليبتسم لها العمر الباقي..
جرجرت قدميها لتعبر الطريق إلي البحر،
ولأن الحزن جريمة مكتملة الأركان، سقطت مريم وأكياسها البلاستيكية في بركة من الدماء..
عربة ميكروباص تمر مسرعة، أسرع من الانتظار ومن خطواتها، تجمهر المارة حولها في هرج ومرج، وهى وقلبها الضعيف والعمر الفارغ والحلم البعيد مازالت تحاور الانتظار والقدر ..


