بقلم الكاتبة/ ريم أبوالفضل
صحوتُ على جرسِ الباب..وقّعتُ على استلامي تلك الورقة..تهاويتُ على مقعدها.
مرتْ لحظات تضاعفُ سنين حبنا، وتختصرُ سنين زواجنا.
لم يتبق إلا بعض أثاث البيت الذي تقاسمنا فرشه وهجره، وكنا نظن أن أسرتنا ستكتمل قبل سداد أقساطه..وكثير من ذكرى افترشها كل يومٍ بأقساطٍ عالية الفائدة.
أحسبُ جيدًا مواعيد التبويض ، فأتجملُ ك”الطاووس”، وأغني مثل “أبو زريق”، وألاحقها ك”ذكرِ الحمام”، أداعبها مثل “الكوكاتيل” ، وكدت أقوم بعمل شقلبات مثل “الطنان” لإغوائها..
تساءلت كثيرًا هل أحب “قيس” “ليلى” أكثر مما كانت تحبه؟
هل سأصير مجنونا مثله؟
لم تفعل “ليلى” أبدا طقوسًا تحثني فيها على لقائنا كما كنت أحرص.
لم تنادني بدلالٍ كأنثى “الحسون”، أو تشعرني برغبتها كقطة “شيرازي” في فترة الشبق.
فقط ..كنت أشعر بالخيبةِ كل شهر، وهى تشعر بالحزن مع قدوم نذير فشل تزاوجنا.
كنت أتمنى أن نكون مثل طيور “الباتروس”..لنتناوب احتضانهم، سوف أساعد أنثاي في كل شيء. حتى في رعاية بيضتنا الوحيدة ، ولكن أين هي؟
نتبع جيدًا إرشادات الأطباء، ويتناسى كلانا جملتهم.
“أنتما الاثنان لا مانع لديكما من الإنجاب، ربما لو تزوج أحدكما آخر لأنجب”
أخبرتها مرارًا..
لا أريد أطفالًا يا “ليلى”..أنتِ طفلتي.
فتجيبني..لكنني أريد طفلًا.
فأحتضنها وأبكي من أجل طفلتي، وتبكي هي من أجل طفلها.
فقدنا ما تبقى من أسرتينا، وفقدنا ما كنا ندخره في أنابيب فاشلة، وفقدتُ أنا رغبتي في لقائنا الحميمي الذي علي أن أنتظر موعده، وفي سبيل ذلك أتجاهل رغبتي في مواعيد أخرى.
توقفتُ عن الطقوس التي كنت أقوم بها، ولم تحاول أو تبادر هي كعادتها.
أصبحت حياتنا رتيبة جدًا. ليتنا لم نكمل فرش البيت لربما شُغِلنا به، ليتنا لم نذهب لأطباء..زرعوا بداخلنا ميكانيكية لممارسة حبنا أفقدتنا شوق لقائنا، واحتقرت مشاعرنا.
افترقنا بهدوءٍ شديدٍ تلبيةً لرغبتها.
باعت “ليلى” رجلًا لم ترغب فيه يومًا من أجل طفلٍ ترغبه.
تبًا لأطفال يُظهرون البراءة ويذبحون القلوب.
لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه، ولم يكن لديها أيضًا.
اقتسمنا شقتنا التي تشاركنا تأثيثها من قبل، والتزمتُ بكل ما حددته “ليلى”، لعل التزامي يشفع لي ويحدث بعد ذلك أمرا.
التزمت بمواعيد الحمام، ودخول المطبخ، ورفين من الثلاجة.
أعطتني “ليلى” الأريكة التي كنتُ احتضنها عليها، وغرفة نوم طفلٍ افترقنا من أجله..
على أريكتي كنت أشاهدُ التلفاز مغبشًا، ولكنني لم أهتم في الحقيقة. كنت أتأملها وهى متكومة على المقعد الوثير تحتضن ركبتيها، بينما أنا متكومٌ على الأريكة أحتضن خدادية.
تدعوني ليلى أحيانًا على العشاء، فنتبادل أطراف الحديث، فأسألها عن وجود شريك رغم أنني أرى
أصابعها خالية؛ فتجيبني ليس بعد..
تسألني؛ فأرد عليها إجابة قاطعة ليست فيها انتظار لما بعد..
كنتُ أدخل غرفتي التي أغلقها بالمفتاح حين أذهب لعملي، لئلا ترى “ليلى” صورتها على الوسادة والجدار، وأغلق قلبي بمائة مفتاح آخر لئلا ترى صورتها بداخله.
لم يشفع لي التزامي، ولم تعد “ليلى” تسألني عن أحوالي.
توقفت عن دعوتها لي على العشاء، لكنني كنت أجد لفائف جاهزة أتناولها وحيدًا.
كنت أتكوم على الكنبة، وأنظر إلى كرسيها خاليًا.
تركت لي “ليلى” أرفف الثلاجة كلها، مع أنني لم أظهر ضيقًا أبدا من ضيق رفين فقط.
دخلت غرفتها مرة…لم أجد لأغراضها أثرا.
ماذا سأقول لها عن هذا اللص الذي سطا على غرفتها؟
لاضير..سأتدبر الأمر فيما بعد.
كان رأسي ثقيلًا بسبب ما تناولته بالأمس من أقراص.
أعدتُ قراءة إنذار الفصل من عملي!
نهضتُ من مقعدها، أغلقت الباب الذي نسيته مفتوحًا.
ارتديت حُلة عرسنا، انتظرتهُا لنذهب للمأذون.
لا جدوى من انفصالنا. من الغباء أن يخضع حبنا لعملية تلقيح تنهيه.
فأنا مثل ذكر الغراب الذي لا يتزوج بأنثى أخرى طيلة حياته.
فهل كانت ليلى مثل أنثى البطريق التي تختار شريكًا للتزاوج في كل موسم ؟

